إذا كانت المشاريع الفكرية والفلسفية التي تناولت موضوع النهضة كما قدمه بعض المفكرين العرب تنظر إلى الراهن العربي بأنه مهما بذل من جهود لا يزال يعيش أزمة في الأداء العمومي، إذا كان الوضع كذلك فإن القراءة الأكثر عمقا تبين أن الأزمة ليست أزمة مؤسسات؛ بقدر ما هي إشكالية في أسلوب أو طريقة أو منطق إنتاج القرار، فقد استطاعت كثير من الدول أن توسع هياكلها الإدارية، وأن تنشئ هيئات ومجالس ووكالات متخصصة، غير أن هذا التوسع لم يؤد بالضرورة إلى ارتفاع كفاءة الدولة؛ لأن تضخم البنية التنظيمية لا ينتج تلقائيا تكاملا في الرؤية، وهكذا نشأت ظاهرة يمكن تسميتها "التجزئة المعرفية للدولة"؛ حيث تمتلك كل مؤسسة جزءا من الحقيقة، بينما تغيب الحقيقة الكلية التي ينبغي أن تنتجها الدولة بوصفها كيانا استراتيجيا موحدا، ولذلك أصبح القرار العمومي في كثير من الأحيان نتيجة لتراكم معلومات متفرقة، لا ثمرة لمنظومة معرفية مندمجة قادرة على الربط بين الاقتصاد والسياسة والتعليم والأمن والبيئة والثقافة والتكنولوجيا ضمن أفق وطني واحد.
ومن هنا فإن المشروع البديل لا يبدأ بإضافة مؤسسة جديدة، ولا بإلغاء مؤسسة قائمة، وإنما يبدأ بإعادة تعريف وظيفة الدولة ذاتها، فالدولة لم تعد جهازا لتوزيع الاختصاصات، بل أصبحت منظومة لإنتاج الترابط بين الاختصاصات، والفرق بين التصورين كبير؛ ففي النموذج التقليدي تتحرك المؤسسات بالتوازي، أما في النموذج البديل فإنها تتحرك بالتكامل، بحيث تصبح قيمة كل مؤسسة مستمدة من مقدار ما تضيفه إلى المعرفة الوطنية المشتركة، لا من حجم صلاحياتها المنفردة. وبذلك يتحول التنسيق من إجراء إداري إلى قاعدة بنيوية تحكم فلسفة الدولة بأكملها.
ويكشف تحليل الراهن العربي أيضا عن مفارقة لافتة؛ إذ إن كثيرا من السياسات العامة تحقق نجاحا قطاعيا، لكنها تفشل في تحقيق النجاح الوطني الشامل، لأن كل قطاع يقيس نجاحه بمعايير تخصه، دون أن يقيس أثره في بقية القطاعات، وهنا تظهر أزمة "العقل القطاعي" الذي ينظر إلى التعليم بمعزل عن الاقتصاد، وإلى الصحة بمعزل عن البحث العلمي، وإلى الاستثمار بمعزل عن التخطيط العمراني، وإلى البيئة بمعزل عن الصناعة، والنتيجة أن الدولة تنتج سياسات ناجحة جزئيا، لكنها محدودة الأثر كليا.
أما المشروع البديل فيقوم على تجاوز العقل القطاعي إلى العقل الشبكي للدولة؛ أي العقل الذي يفكر في العلاقات قبل أن يفكر في الوحدات، وفي التفاعلات قبل أن ينشغل بالمكونات، فالقيمة الحقيقية لأي سياسة عامة لا تقاس بما تحققه داخل قطاعها فحسب، وإنما بما تولده من أثر إيجابي متبادل داخل المنظومة الوطنية بأكملها، وعند هذه النقطة تتحول الدولة من مجموعة مؤسسات متجاورة إلى شبكة وطنية لإنتاج القيمة العامة.
ومن مظاهر الراهن في بعض الدول كذلك هيمنة الزمن القصير على التفكير العمومي؛ إذ تخضع كثير من القرارات لإيقاع الضرورات اليومية، فتستهلك الدولة معظم طاقتها في إدارة الحاضر، بينما يتراجع الاستثمار في صناعة المستقبل. ومن ثم يصبح التخطيط رد فعل للأزمات، لا فعلا استباقيا يمنع وقوعها، وهذه ليست مشكلة تقنية، بل تعبير عن غياب البعد الاستراتيجي في بنية القرار.
ويقترح المشروع البديل إعادة تنظيم الزمن السياسي والإداري للدولة، بحيث تعمل في ثلاثة مستويات متزامنة: إدارة الحاضر بكفاءة، وتصحيح الماضي باستخلاص الدروس، وبناء المستقبل عبر الاستشراف الاستراتيجي.
فالدولة الذكية لا تؤجل المستقبل حتى تنتهي من معالجة الحاضر، وإنما تجعل المستقبل موجها للحاضر، فتغدو كل سياسة آنية لبنة في مشروع وطني ممتد عبر الأجيال.
ويكشف الراهن أيضا أن المعرفة ما تزال موزعة بين الجامعات، ومراكز البحث، والإدارة، والقطاع الاقتصادي، دون وجود منظومة تحول هذه المعرفة إلى قوة استراتيجية، فكم من بحوث علمية بقيت حبيسة الأرفف، وكم من خبرات مهنية لم تجد طريقها إلى صناعة القرار، وكم من بيانات وطنية لم تتحول إلى سياسات عمومية، وهكذا تتشكل فجوة بين إنتاج المعرفة واستثمارها.
أما المشروع البديل فيؤسس لما يمكن تسميته "السيادة المعرفية للدولة"؛ حيث تصبح المعرفة موردا سياديا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المالية، فكل معلومة، وكل دراسة، وكل تجربة ناجحة، وكل تقييم ميداني، تدخل في دورة وطنية متكاملة تبدأ بالإنتاج، ثم التحليل، ثم التوظيف، ثم التعلم المؤسسي المستمر، وعندئذ تتحول الدولة إلى مؤسسة تتعلم باستمرار، وتراكم خبراتها، وتمنع تكرار أخطائها.
ولا يقف التجديد عند هذا الحد، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفهوم القوة الوطنية نفسه، ففي النماذج التقليدية ارتبطت قوة الدولة بقدرتها على إصدار القوانين، أو فرض السلطة، أو تعبئة الموارد، أما في هذا المشروع فإن القوة الحقيقية تقاس بقدرة الدولة على إنتاج الانسجام بين المعرفة والقرار والتنفيذ والتقييم، فكلما تقلصت المسافة بين هذه الحلقات، ارتفعت كفاءة الدولة، وازدادت قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة والاستجابة للتحولات العالمية.
ومن هنا تتبلور ملامح فلسفة جديدة للحكم، قوامها أن الدولة ليست مجرد سلطة تدير المجتمع، بل عقل حضاري ينظم طاقات المجتمع ويوجهها نحو غايات استراتيجية مشتركة، فلا تصبح الوزارات جزرا مستقلة، ولا تتحول الهيئات إلى مراكز قرار متنافسة، وإنما تندمج جميعها في منظومة واحدة تنتج ما يمكن تسميته "الذكاء الوطني المركب"؛ وهو ذكاء يتجاوز مجموع قدرات المؤسسات منفردة، لأنه ينشأ من جودة التفاعل بينها.
وعلى هذا الأساس، فإن نظرية العقل الاستراتيجي للدولة لا تمثل مرحلة جديدة في تطوير الإدارة العامة فحسب، بل تمثل انتقالا معرفيا من دولة تدير الموارد إلى دولة تدير الإمكانات، ومن دولة تستجيب للمتغيرات إلى دولة تصنع المتغيرات، ومن دولة تتكيف مع المستقبل إلى دولة تشارك في تشكيل المستقبل... وهنا تبلغ الدولة الوطنية الذكية أعلى درجات نضجها؛ لأنها لا تجعل المستقبل حدثا تنتظره، بل مشروعا تبنيه عبر عقل استراتيجي موحد، قادر على تحويل الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى تراكم حضاري مستدام.
------------- يتبع -----------------
. للمقال مراجع
من كتاب: [ الفكر العربي الحديث والمعاصر:
الراهن والمشروع البديل] بتصرف ..
. أ.د. نورالدين السد
www.facebook.com
ومن هنا فإن المشروع البديل لا يبدأ بإضافة مؤسسة جديدة، ولا بإلغاء مؤسسة قائمة، وإنما يبدأ بإعادة تعريف وظيفة الدولة ذاتها، فالدولة لم تعد جهازا لتوزيع الاختصاصات، بل أصبحت منظومة لإنتاج الترابط بين الاختصاصات، والفرق بين التصورين كبير؛ ففي النموذج التقليدي تتحرك المؤسسات بالتوازي، أما في النموذج البديل فإنها تتحرك بالتكامل، بحيث تصبح قيمة كل مؤسسة مستمدة من مقدار ما تضيفه إلى المعرفة الوطنية المشتركة، لا من حجم صلاحياتها المنفردة. وبذلك يتحول التنسيق من إجراء إداري إلى قاعدة بنيوية تحكم فلسفة الدولة بأكملها.
ويكشف تحليل الراهن العربي أيضا عن مفارقة لافتة؛ إذ إن كثيرا من السياسات العامة تحقق نجاحا قطاعيا، لكنها تفشل في تحقيق النجاح الوطني الشامل، لأن كل قطاع يقيس نجاحه بمعايير تخصه، دون أن يقيس أثره في بقية القطاعات، وهنا تظهر أزمة "العقل القطاعي" الذي ينظر إلى التعليم بمعزل عن الاقتصاد، وإلى الصحة بمعزل عن البحث العلمي، وإلى الاستثمار بمعزل عن التخطيط العمراني، وإلى البيئة بمعزل عن الصناعة، والنتيجة أن الدولة تنتج سياسات ناجحة جزئيا، لكنها محدودة الأثر كليا.
أما المشروع البديل فيقوم على تجاوز العقل القطاعي إلى العقل الشبكي للدولة؛ أي العقل الذي يفكر في العلاقات قبل أن يفكر في الوحدات، وفي التفاعلات قبل أن ينشغل بالمكونات، فالقيمة الحقيقية لأي سياسة عامة لا تقاس بما تحققه داخل قطاعها فحسب، وإنما بما تولده من أثر إيجابي متبادل داخل المنظومة الوطنية بأكملها، وعند هذه النقطة تتحول الدولة من مجموعة مؤسسات متجاورة إلى شبكة وطنية لإنتاج القيمة العامة.
ومن مظاهر الراهن في بعض الدول كذلك هيمنة الزمن القصير على التفكير العمومي؛ إذ تخضع كثير من القرارات لإيقاع الضرورات اليومية، فتستهلك الدولة معظم طاقتها في إدارة الحاضر، بينما يتراجع الاستثمار في صناعة المستقبل. ومن ثم يصبح التخطيط رد فعل للأزمات، لا فعلا استباقيا يمنع وقوعها، وهذه ليست مشكلة تقنية، بل تعبير عن غياب البعد الاستراتيجي في بنية القرار.
ويقترح المشروع البديل إعادة تنظيم الزمن السياسي والإداري للدولة، بحيث تعمل في ثلاثة مستويات متزامنة: إدارة الحاضر بكفاءة، وتصحيح الماضي باستخلاص الدروس، وبناء المستقبل عبر الاستشراف الاستراتيجي.
فالدولة الذكية لا تؤجل المستقبل حتى تنتهي من معالجة الحاضر، وإنما تجعل المستقبل موجها للحاضر، فتغدو كل سياسة آنية لبنة في مشروع وطني ممتد عبر الأجيال.
ويكشف الراهن أيضا أن المعرفة ما تزال موزعة بين الجامعات، ومراكز البحث، والإدارة، والقطاع الاقتصادي، دون وجود منظومة تحول هذه المعرفة إلى قوة استراتيجية، فكم من بحوث علمية بقيت حبيسة الأرفف، وكم من خبرات مهنية لم تجد طريقها إلى صناعة القرار، وكم من بيانات وطنية لم تتحول إلى سياسات عمومية، وهكذا تتشكل فجوة بين إنتاج المعرفة واستثمارها.
أما المشروع البديل فيؤسس لما يمكن تسميته "السيادة المعرفية للدولة"؛ حيث تصبح المعرفة موردا سياديا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المالية، فكل معلومة، وكل دراسة، وكل تجربة ناجحة، وكل تقييم ميداني، تدخل في دورة وطنية متكاملة تبدأ بالإنتاج، ثم التحليل، ثم التوظيف، ثم التعلم المؤسسي المستمر، وعندئذ تتحول الدولة إلى مؤسسة تتعلم باستمرار، وتراكم خبراتها، وتمنع تكرار أخطائها.
ولا يقف التجديد عند هذا الحد، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفهوم القوة الوطنية نفسه، ففي النماذج التقليدية ارتبطت قوة الدولة بقدرتها على إصدار القوانين، أو فرض السلطة، أو تعبئة الموارد، أما في هذا المشروع فإن القوة الحقيقية تقاس بقدرة الدولة على إنتاج الانسجام بين المعرفة والقرار والتنفيذ والتقييم، فكلما تقلصت المسافة بين هذه الحلقات، ارتفعت كفاءة الدولة، وازدادت قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة والاستجابة للتحولات العالمية.
ومن هنا تتبلور ملامح فلسفة جديدة للحكم، قوامها أن الدولة ليست مجرد سلطة تدير المجتمع، بل عقل حضاري ينظم طاقات المجتمع ويوجهها نحو غايات استراتيجية مشتركة، فلا تصبح الوزارات جزرا مستقلة، ولا تتحول الهيئات إلى مراكز قرار متنافسة، وإنما تندمج جميعها في منظومة واحدة تنتج ما يمكن تسميته "الذكاء الوطني المركب"؛ وهو ذكاء يتجاوز مجموع قدرات المؤسسات منفردة، لأنه ينشأ من جودة التفاعل بينها.
وعلى هذا الأساس، فإن نظرية العقل الاستراتيجي للدولة لا تمثل مرحلة جديدة في تطوير الإدارة العامة فحسب، بل تمثل انتقالا معرفيا من دولة تدير الموارد إلى دولة تدير الإمكانات، ومن دولة تستجيب للمتغيرات إلى دولة تصنع المتغيرات، ومن دولة تتكيف مع المستقبل إلى دولة تشارك في تشكيل المستقبل... وهنا تبلغ الدولة الوطنية الذكية أعلى درجات نضجها؛ لأنها لا تجعل المستقبل حدثا تنتظره، بل مشروعا تبنيه عبر عقل استراتيجي موحد، قادر على تحويل الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى تراكم حضاري مستدام.
------------- يتبع -----------------
. للمقال مراجع
من كتاب: [ الفكر العربي الحديث والمعاصر:
الراهن والمشروع البديل] بتصرف ..
. أ.د. نورالدين السد
Essed Noureddine
Essed Noureddine is on Facebook. Join Facebook to connect with Essed Noureddine and others you may know. Facebook gives people the power to share and makes the world more open and connected.