د. غانية ملحيس - إعادة بناء المجال العام الفلسطيني: المدخل لاستعادة السياسة وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري

ملخص تنفيذي

ينطلق هذا المقال من فرضية أن إعادة بناء المجال العام الفلسطيني تمثل مدخلا أساسيا لاستعادة السياسة وإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني. فالمجال العام، كما تطور في الفكر السياسي الحديث، ارتبط تاريخيا بوجود الدولة الحديثة والمجتمع السياسي المستقر، حيث يشكل فضاء وسيطا بين الدولة والمجتمع لممارسة النقاش العام، وتكوين الرأي العام، ومراقبة السلطة. إلا أن تطبيق هذا المفهوم على الحالة الفلسطينية يواجه تحديات نظرية ومنهجية، بسبب غياب السيادة، واستمرار الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، وتعدد مواقع وجود الشعب الفلسطيني، وتنوع المرجعيات القانونية والسياسية التي تحكم حياته.
يقدم المقال قراءة نقدية للمقاربات الرئيسية للمجال العام، بما فيها المقاربة الليبرالية، ونظرية المجال العام التداولي عند يورغن هابرماس، وتحليل غرامشي للمجال العام بوصفه مجالا للصراع على الهيمنة، إضافة إلى المقاربات ما بعد الاستعمار. ويبين أن هذه المقاربات، رغم أهميتها التحليلية، لا تستوعب بصورة كاملة حالة شعب يخوض عملية تحرر وطني، ويسعى إلى الحفاظ على وحدته السياسية وبناء قدرته الجماعية في ظل الاحتلال والتشتت.

ويقترح تعريفا إجرائيا للمجال العام الفلسطيني بوصفه فضاء وطنيا عابرا للحدود ومتعدد المواقع والمستويات، تتفاعل داخله مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن والشتات، بهدف تنظيم الشأن العام، والحفاظ على الهوية الوطنية، وإنتاج الشرعية، وبناء القدرة الجماعية على الفعل السياسي والتحرري. وينطلق هذا التعريف من أربع مرتكزات أساسية: اعتبار الشعب الفلسطيني مركز المجال العام، وتجاوز التجزئة الجغرافية والسياسية، والتأكيد على الوظيفة التحررية للمجال العام، وتنظيم التفاعل بين مستوياته السياسية، والاقتصادية، والحقوقية، والمعرفية.

ويخلص المقال إلى أن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني ترتبط بتشظي المجال العام وتآكل الشرعية وتراجع وظائف التمثيل الوطني، خصوصا مع التحولات التي شهدتها منظمة التحرير الفلسطينية بعد عام 1994، وتداخل أدوارها مع سلطة محدودة ومجزأة السيادة.
ومن ثم، فإن إعادة بناء المجال العام الفلسطيني تمثل شرطا بنيويا لاستعادة السياسة بوصفها فعلا جماعيا منظما، وتوفير الحاضنة الشعبية والمعرفية والمؤسسية اللازمة لإعادة بناء المشروع التحرري الفلسطيني، وتحقيق الحقوق الوطنية الثابتة، وفي مقدمتها الحرية والعودة وتقرير المصير.

المقال الكامل: إعادة بناء المجال العام الفلسطيني: المدخل لاستعادة السياسة وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري

مفهوم المجال العام
ارتبط مفهوم المجال العام تاريخيا بالتحولات الكبرى التي شهدتها المجتمعات الأوروبية مع بروز الدولة الحديثة، وتغير طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فقد أدت التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت صعود الرأسمالية، وظهور الطبقة البرجوازية، وتطور المدن، إلى نشوء فضاءات جديدة خارج البنية الرسمية للسلطة، أصبحت ساحات للنقاش وتبادل الأفكار وتشكيل المواقف حول القضايا العامة.
وقد ساهم تطور وسائل الاتصال، وخاصة الصحافة، وظهور المنتديات والمجالس السياسية والثقافية، في نشوء فضاء اجتماعي مستقل نسبيا عن الدولة، يمارس فيه الأفراد والجماعات دورا في مناقشة القضايا التي تخص المجتمع، وتكوين رأي عام قادر على التأثير في السلطة وصنع القرار.
ومن هنا ظهر مفهوم المجال العام كمحاولة لفهم الكيفية التي لا تُنتج بها القضايا العامة داخل مؤسسات الدولة وحدها، وإنما أيضا من خلال تفاعل المجتمع وتنظيماته وفاعليه المختلفين.

فالمجال العام يمثل المساحة التي تتوسط بين الدولة والمجتمع، حيث تتشكل المصالح العامة، وتتبلور الإرادة الجماعية، وتُمارس أشكال مختلفة من المشاركة والتأثير والرقابة على السلطة.
غير أن هذا المفهوم، رغم أهميته، نشأ في سياق تاريخي محدد ارتبط بالدولة الحديثة ذات السيادة، وبوجود مجتمع من المواطنين المتساوين قانونيا، وهو ما يطرح سؤالا أساسيا عند نقله إلى حالات مختلفة، وخاصة حالات الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، أو التي تخوض عمليات تحرر وطني.
لم يتطور مفهوم المجال العام ضمن اتجاه فكري واحد، بل تعددت المدارس التي قدمت تصورات مختلفة حول طبيعة المجال العام ووظيفته، ويمكن الاستفادة من هذه المقاربات لفهم بعض أبعاد الحالة الفلسطينية، مع إدراك حدودها.

أولا: المقاربة الليبرالية للمجال العام
تنظر المقاربة الليبرالية إلى المجال العام باعتباره فضاء يمارس فيه المواطنون حرياتهم السياسية والاجتماعية، وخاصة حرية التعبير والتنظيم والمشاركة في مناقشة القضايا العامة. وتقوم هذه المقاربة على فكرة وجود مساحة مستقلة نسبيا بين الفرد والدولة، تسمح للمجتمع بمراقبة السلطة والتأثير عليها.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها أبرزت أن الديمقراطية لا تختزل في مؤسسات الدولة الرسمية، وإنما تحتاج إلى مجتمع قادر على التعبير والتنظيم والمساءلة.
إلا أن حدودها تظهر في أنها تفترض وجود دولة مستقرة ذات سيادة، ونظام قانوني موحد، ومواطنين يتمتعون بمكانة قانونية متساوية؛ وهي شروط لا تتوافر بالضرورة في جميع المجتمعات، وخاصة تلك التي تعيش تحت الاحتلال أو في مرحلة تحرر وطني.

ثانيا: المجال العام التداولي
قدم يورغن هابرماس أحد أكثر التصورات تأثيرا للمجال العام، إذ اعتبره فضاء للتواصل والنقاش العقلاني حول القضايا المشتركة، حيث يتشكل الرأي العام القادر على التأثير في السلطة السياسية.
ويقوم هذا التصور على عناصر أساسية، أهمها:
• التواصل الحر بين الفاعلين الاجتماعيين.
• النقاش حول المصلحة العامة.
• إنتاج الشرعية من خلال التفاعل المجتمعي.
• وجود مسافة نسبية بين الدولة والمجتمع.
وتكمن أهمية هذا التصور في التأكيد على أن الشرعية السياسية لا تنتج فقط من المؤسسات الرسمية، وإنما أيضا من قدرة المجتمع على النقاش، والمشاركة، وإنتاج المواقف العامة.
لكن محدوديته في الحالة الفلسطينية تكمن في أنه ينطلق من سياق دولة مستقرة ومؤسسات ديمقراطية قائمة، ولا يعالج بصورة كافية أوضاع الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال، أو التي يكون سؤالها المركزي ليس فقط المشاركة في إدارة الدولة، بل بناء القدرة على التحرر وتحقيق السيادة.

ثالثا: المجال العام بوصفه صراعا على الهيمنة
تقدم مقاربة أنطونيو غرامشي بعدا مختلفا، إذ لا تنظر إلى المجال العام باعتباره فضاء للتوافق والنقاش فقط، بل باعتباره أيضا مجالا للصراع بين القوى الاجتماعية حول إنتاج المعنى والوعي والهيمنة.
فالمجتمع المدني، وفق هذا التصور، ليس بالضرورة مجالا محايدا، بل ساحة تتنافس فيها القوى المختلفة على تشكيل القيم والروايات والتصورات التي تحكم المجتمع.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث لا يدور الصراع فقط حول السيطرة السياسية والمادية، وإنما أيضا حول:
• الرواية التاريخية.
• إنتاج الوعي الوطني.
• السيطرة على المعرفة والإعلام.
• تحديد معنى القضية والحقوق والهوية

رابعا: مقاربات ما بعد الاستعمار
أضافت المقاربات ما بعد الاستعمار بُعدا نقديا مهما، من خلال طرح سؤال أساسي: هل يمكن نقل مفاهيم نشأت في سياقات غربية حديثة إلى مجتمعات خضعت للاستعمار دون إعادة النظر في شروط إنتاجها؟
وتؤكد هذه المقاربات أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة على الأرض والموارد، بل يمتد إلى تشكيل المؤسسات والهويات وأنماط إنتاج المعرفة.
ومن هذا المنظور، فإن دراسة المجال العام في المجتمعات المستعمَرة تتطلب إدخال عامل القوة الاستعمارية، باعتباره عنصرا داخليا في تشكيل هذا المجال، وليس مجرد عامل خارجي.

وهنا تبدأ أهمية هذه المقاربة في فهم الحالة الفلسطينية، حيث لا يمكن تحليل المجال العام بمعزل عن تأثير الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في تشكيل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسات الفلسطينية.
ورغم أهمية مفهوم المجال العام في تفسير العلاقة بين المجتمع والدولة، فإن تطبيقه في سياقات مختلفة يكشف عن حدود نظرية ومنهجية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمجتمعات لا تتوافر فيها الشروط التي نشأ ضمنها المفهوم، كما هو الحال في حالات الاحتلال والتحرر الوطني. وتتمثل أبرز هذه الحدود في الآتي:

1: افتراض وجود الدولة ذات السيادة
تنطلق معظم تصورات المجال العام في الفكر السياسي الحديث من وجود دولة مستقلة ذات مؤسسات مستقرة، يكون المجال العام فيها فضاء وسيطا بين المجتمع والدولة، يمارس من خلاله المواطنون المشاركة والتأثير والرقابة على السلطة.
إلا أن هذا الافتراض يصبح إشكاليا في الحالات التي لا تمتلك فيها الجماعة السياسية دولة ذات سيادة، أو تكون فيها الدولة نفسها خاضعة لهيمنة خارجية أو محدودة الصلاحيات. ففي هذه الحالات لا يكون السؤال المركزي هو فقط كيفية تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة، بل كيفية الحفاظ على وجود الجماعة السياسية وبناء قدرتها على الفعل في ظل غياب السيادة.

2: الفصل بين الداخل والخارج
تفترض النظريات التقليدية للمجال العام أن المجال السياسي والاجتماعي يتشكل أساسا داخل حدود الدولة، وأن العوامل الخارجية تؤثر فيه من موقع منفصل عنه.
غير أن هذه الثنائية لا تنطبق على المجتمعات الواقعة تحت الاحتلال أو الهيمنة الخارجية، حيث يصبح العامل الخارجي جزءا من بنية المجال العام نفسه. فالاحتلال، والقوى الإقليمية والدولية، والأنظمة القانونية المفروضة، لا تمثل عوامل خارجية فقط، بل تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل المؤسسات والعلاقات الاجتماعية والسياسية ومساحات الفعل المتاحة للمجتمع.

3: افتراض وحدة الجماعة السياسية
ترتبط معظم نظريات المجال العام بفكرة وجود مجتمع سياسي محدد داخل حدود جغرافية واحدة، تجمع أفراده مواطنة مشتركة ونظام قانوني موحد.
لكن هناك جماعات سياسية تشكلت تاريخيا في ظروف مختلفة، بحيث تتجاوز الحدود الجغرافية القائمة، كما هي الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يعيش منذ النكبة عام 1948 في تجمعات متعددة داخل الوطن المحتل وخارجه، تخضع لأوضاع قانونية وسياسية مختلفة.
وعليه، فإن المجال العام الفلسطيني لا يمكن فهمه ضمن إطار إقليمي ضيق، بل باعتباره مجالا متعدد المستويات، تتفاعل داخله مكونات الشعب الفلسطيني رغم اختلاف مواقعها الجغرافية وظروفها القانونية والسياسية.

4: التركيز على المشاركة السياسية لا على التحرر الوطني
ينطلق مفهوم المجال العام في الدول المستقلة غالبا من سؤال: كيف يشارك المواطنون في إدارة الشأن العام والتأثير في السلطة؟
أما في سياق التحرر الوطني، فإن السؤال يصبح أوسع وأكثر تعقيدا:
كيف تحافظ الجماعة السياسية على وجودها، وتنظم قدرتها الجماعية، وتحمي حقوقها، وتبني أدواتها للتحرر وإنجاز مشروعها الوطني؟
وهذا يعني أن المجال العام في حالات التحرر الوطني لا يؤدي وظيفة المشاركة السياسية فقط، بل يؤدي أيضا وظائف تتعلق ببناء الهوية الوطنية، وإنتاج الشرعية، وتنظيم المقاومة والصمود، والحفاظ على وحدة الشعب في كافة اماكن تواجده.
إن هذه الحدود لا تعني رفض مفهوم المجال العام أو عدم صلاحيته للحالة الفلسطينية، بل تعني ضرورة إعادة النظر في شروط استخدامه، وتطويره بما يتلاءم مع خصوصية مجتمع يعيش تجربة تاريخية مختلفة عن السياق الذي نشأ فيه المفهوم.

خامسا: خصوصية الحالة الفلسطينية
تختلف حركات التحرر الوطني عن المجتمعات التي تملك دولة قائمة؛ لأن الجماعة السياسية فيها لا تسعى فقط إلى تحسين آليات المشاركة داخل نظام سياسي قائم، بل تعمل على تحقيق حقها في تقرير المصير وبناء كيانها السياسي المستقل.
وفي هذا السياق، يصبح المجال العام الفلسطيني جزءا من عملية بناء الجماعة الوطنية نفسها، وليس مجرد فضاء لممارسة الحقوق المدنية والسياسية. فهو يؤدي وظائف أساسية، منها:
• الحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الإلغاء أو التفكيك.
• إنتاج الوعي الجمعي حول الحقوق والأهداف الوطنية.
• بناء مؤسسات التمثيل والتنظيم.
• إدارة العلاقة بين مكونات الشعب المختلفة.
• توفير الإطار الذي تنتظم داخله قوى المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية.
ومن هنا فإن المجال العام في حالة التحرر الوطني لا يُقاس فقط بدرجة الانفتاح السياسي أو المشاركة، بل بقدرته على الحفاظ على وحدة الشعب السياسية وتعزيز قدرته على الفعل التاريخي. ويُعد غياب الدولة ذات السيادة أحد أهم العوامل التي تميز الحالة الفلسطينية.
ففي النموذج التقليدي للمجال العام، تقوم الدولة بوصفها الإطار السياسي والقانوني الذي ينظم العلاقة بين المواطنين والمؤسسات.
أما في الحالة الفلسطينية، فقد نشأ المجال العام في ظل غياب هذا الإطار السيادي، مع وجود مؤسسات وطنية تطورت في مراحل مختلفة، دون أن تمتلك كامل أدوات السيادة. وقد أدى ذلك إلى تعدد مستويات التنظيم السياسي والاجتماعي، بين:
• مؤسسات الحركة الوطنية.
• منظمة التحرير الفلسطينية.
• السلطة الفلسطينية.
• المؤسسات المجتمعية.
• شبكات العمل في الشتات.
• الأحزاب والقوى السياسية داخل مناطق 1948

وهذا يجعل المجال العام الفلسطيني أكثر تعقيدا؛ لأنه لا يتمحور حول دولة قائمة، بل حول شعب يسعى إلى الحفاظ على وجوده السياسي وبناء أدوات تحقيق حقوقه الوطنية.
ولا يمكن تحليل المجال العام الفلسطيني بمعزل عن طبيعة النظام الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الذي يخضع له الشعب الفلسطيني. فقد أدت النكبة الفلسطينية عام 1948 إلى اعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، فقسمت الوطن الفلسطيني الى ثلاث وحدات جغرافية: مناطق العام 1948 التي انشئت فوقها إسرائيل 78%، والضفة الغربية 20.5% التي ألحقت بشرق الأردن، وقطاع غزة 1.5% الذي أخضع للإدارة المصرية. ورغم استكمال الاحتلال لبقية الاراضي الفلسطينية عام 1967، استمر الانفصال الجغرافي والسياسي والقانوني بين تلك المناطق وأضيفت اليها منطقة القدس التي تم تمييزها قانونيا وسياسيا.
وبالإضافة إلى اعادة الهندسة الجغرافية، أدت النكبة إلى إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للشعب الفلسطيني، إذ تظهر الخارطة الديموغرافية الفلسطينية إلى أن الشعب الفلسطيني البالغ تعداده في نهاية عام 2025 وفقا لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني نحو 15.5 مليون فلسطيني، يعيش منهم 7.4 مليون داخل فلسطين المحتلة، يمثلون 47.8% من إجمالي الشعب الفلسطيني، ويشكلون حوالي 48.7% من مجموع السكان في كامل فلسطين الانتدابية.
ويتوزعون على الضفة الغربية 3.43 مليون يمثلون 46.3% من الفلسطينيين داخل فلسطين و22% من إجمالي الشعب الفلسطيني. و2.13 مليون في قطاع غزة يمثلون 28.7% من الشعب الفلسطيني داخل فلسطين و13.7% من إجمالي الشعب الفلسطيني. و1.86 مليون نسمة في أراضي عام 1948 يمثلون 25.1% من اجمالي الفلسطينيين داخل فلسطين و12% من اجمالي الشعب الفلسطيني.
ويبلغ عدد الفلسطينيين في الشتات (8.1 مليون) يمثلون 52.2% من إجمالي الشعب الفلسطيني، يتركز 6.8 مليون (83.9%) منهم في الدول العربية، يمثلون 43.8% من اجمالي الشعب الفلسطيني و1.3 مليون في العالم (16%) ممن هم خارج فلسطين يمثلون 8.4% من اجمالي الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.




وهو واقع ما يزال يلقي بآثاره السياسية والاجتماعية، فالاحتلال ليس مجرد ظرف خارجي يؤثر في المجال العام الفلسطيني من الخارج، بل هو عنصر بنيوي يساهم في تشكيله، من خلال تأثيره في:
• السيطرة على الأرض والموارد.
• حركة السكان.
• أنماط الحياة الاجتماعية.
• طبيعة الاقتصاد.
• شكل المؤسسات.
• إمكانات الفعل السياسي.
وفي حالة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي تحديدا كما هو حال فلسطين، يصبح الصراع ليس فقط حول إدارة الأرض أو الحدود، وإنما حول وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، الأمر الذي يجعل قضايا الهوية والذاكرة والرواية والحقوق الجماعية جزءا أساسيا من المجال العام.
ويمثل الشتات الفلسطيني (52.2%) وتعدد مواقع تواجده في أوضاع قانونية وسياسية مختلفة، عنصرا مركزيا في فهم المجال العام الفلسطيني، فهو ليس حالة هامشية أو امتدادا خارجيا.
ما أدى إلى نشوء مجال عام فلسطيني عابر للحدود، تشارك فيه تجمعات فلسطينية متعددة داخل الوطن وخارجه.
وتكمن خصوصية هذا الوضع في أن الشعب الفلسطيني لا يمارس حياته العامة ضمن فضاء جغرافي واحد، أو نظام سياسي واحد، بل ضمن فضاءات متعددة تتقاطع فيها:
• الأوضاع السياسية المتباينة
• الخبرات التاريخية المختلفة.
• الأوضاع القانونية والحقوقية المتباينة.
• الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتنوعة.
ومن ثم فإن بناء مجال عام فلسطيني يتطلب تجاوز التصورات التي تربط المجال العام بحدود المناطق المحتلة عام 1967 فقط، والنظر إليه بوصفه فضاء وطنيا متعدد المواقع. حيث تتميز الحالة الفلسطينية بتعدد المرجعيات القانونية والسياسية التي تحكم حياة الفلسطينيين، نتيجة اختلاف مواقع وجودهم. فالفلسطينيون يخضعون لأنظمة قانونية وسياسية مختلفة:
• داخل نظام التمييز العنصري الإسرائيلي في مناطق عام 1948.
• تحت الاحتلال العسكري الاستيطاني الإبادي في قطاع غزة.
• تحت الاستعمار الاستيطاني الإحلالي التوسعي والتطهير العرقي في القدس وشمال وجنوب الضفة الغربية.
• في إطار السلطة الفلسطينية.
• في دول اللجوء والاغتراب.
وينتج عن ذلك تحديات كبيرة أمام بناء مجال عام موحد، لأن الحقوق والواجبات ومساحات المشاركة تختلف باختلاف الموقع الجغرافي والسياسي.
كما أن تعدد المرجعيات السياسية، خاصة بعد نشوء السلطة الفلسطينية عام 1994، والانقسام السياسي عام 2007، أدى إلى تعقيد العلاقة بين مؤسسات التمثيل الوطني ومؤسسات الحكم المحلي، وأثار أسئلة حول الشرعية والتمثيل ووحدة القرار الوطني.
إن خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل من الضروري تجاوز الفهم التقليدي للمجال العام باعتباره مجرد مساحة بين الدولة والمجتمع. فالمجال العام الفلسطيني هو فضاء يتداخل فيه بناء المجتمع، وحماية الهوية الوطنية، وتنظيم الحقوق، وإنتاج الشرعية، ومواجهة شروط الاحتلال والتشتت.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تطوير مفهوم للمجال العام الفلسطيني يستجيب لهذه الخصوصية، ويأخذ في الاعتبار أن القضية لا تتعلق فقط بكيفية إدارة الشأن العام، بل بكيفية إعادة بناء القدرة الجماعية لشعب يسعى إلى الحفاظ على وجوده وتحقيق حقوقه الوطنية.

سادسا: نحو مفهوم المجال العام الفلسطيني

أ: الحاجة إلى إعادة تعريف المجال العام في السياق الفلسطيني
إن خصوصية التجربة الفلسطينية تفرض تجاوز النقل الحرفي لمفهوم المجال العام كما نشأ في سياق الدولة الحديثة، دون التخلي عن قيمته التحليلية. فالمجال العام الفلسطيني لا يمكن اختزاله في المؤسسات والتنظيمات السياسية الفصائلية القائمة، ولا في المجتمع المدني، ولا في فضاءات النقاش والإعلام، لأن هذه كلها تمثل مكونات جزئية ضمن منظومة أوسع.
فالمجال العام الفلسطيني تشكل تاريخيا في ظل غياب الدولة الوطنية، وفي سياق صراع على الأرض والوجود والحقوق، ولذلك ارتبط بوظائف متعددة تتجاوز الوظائف التقليدية للمجال العام في المجتمعات المستقرة. فهو في آن واحد:
• فضاء لإنتاج الهوية الوطنية.
• مجال لتنظيم المصالح العامة.
• إطار لبناء الشرعية والتمثيل.
• ساحة للصراع على الرواية والوعي.
• مجال لحماية الحقوق الجماعية والفردية.
• أداة لبناء القدرة الوطنية على الفعل السياسي والتحرري.
وعليه، فإن إعادة بناء المجال العام الفلسطيني لا تعني إنشاء فضاء جديد من العدم، بل تعني إعادة تنظيم فضاء قائم تاريخيا، تعرض للتشظي والاختلال نتيجة التحولات السياسية والمؤسسية التي مرت بها القضية الفلسطينية.

تعريف المجال العام الفلسطيني:
يمكن تعريف المجال العام الفلسطيني بأنه الفضاء الوطني المتعدد المستويات الذي تتفاعل داخله مكونات الشعب الفلسطيني، داخل الوطن الفلسطيني المحتل وفي الشتات، عبر مؤسساته وفاعليه السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والثقافيين والقانونيين، بهدف تنظيم الشأن العام، والحفاظ على الهوية الوطنية، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، وإنتاج الشرعية، وبناء القدرة الوطنية على إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.
ويقصد بالقدرة الوطنية على الفعل: مجموع القدرات التنظيمية والمؤسسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية والإعلامية والدبلوماسية والأمنية التي تمكّن الشعب الفلسطيني من إنتاج إرادته الجماعية، واتخاذ قراره الوطني المستقل، وتنظيم موارده، وحماية وتحقيق حقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير.
ويقوم هذا التصور على أن المجال العام الفلسطيني هو الحاضنة التي تتشكل فيها الهوية الوطنية، ويُدار عبرها الاختلاف، وتُبنى التوافقات، وتُنتج الشرعية، وتتأسس مؤسسات التمثيل، ومنها يتشكل المشروع الوطني القادر على قيادة عملية التحرر
ويقوم هذا التعريف على مجموعة من المرتكزات الأساسية:
1. الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي الشتات بوصفه مركز المجال العام
لا تنطلق هذه المقاربة من المؤسسة الرسمية باعتبارها نقطة البداية، بل من الشعب الفلسطيني باعتباره حامل الحقوق والمشروع الوطني. فالمؤسسات تستمد وظيفتها وشرعيتها من دورها في خدمة هذا المجال، وليس العكس.

2. المجال العام الفلسطيني مجال متعدد المواقع
لا يرتبط المجال العام بحدود جغرافية واحدة، لأن الشعب الفلسطيني موزع بين الوطن والشتات، ويعيش أوضاعا سياسية وقانونية مختلفة. وعليه، فإن أي تصور لإعادة بناء المجال العام يجب أن يتجاوز التجزئة الجغرافية والسياسية، وأن يعترف بوحدة الشعب مع تعدد تجاربه ومواقعه.

3. المجال العام الفلسطيني مجال تحرر وطني
لا يمكن فصل المجال العام الفلسطيني عن طبيعة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى إنهاء نظام السيطرة الاستعمارية، وتحقيق حقه في الحرية والعودة وتقرير المصير.
لذلك فإن وظائفه لا تقتصر على إدارة الاختلاف الداخلي، بل تشمل أيضًا:
• حماية الحقوق الوطنية.
• بناء القدرة على المقاومة والصمود.
• إنتاج رؤية مشتركة للمستقبل.

4. المجال العام الفلسطيني مجال تفاعل بين مستويات متعددة
يتكون المجال العام الفلسطيني من مستويات مترابطة:
• المستوى السياسي والمؤسسي.
• المستوى الحقوقي والقانوني.
• المستوى الأمني.
• المستوى الاقتصادي.
• المستوى الاجتماعي.
• المستوى الثقافي والمعرفي.
• المستوى الخارجي والدولي.
ولا يمكن معالجة أي مستوى بمعزل عن الآخر، لأن الأزمة في أحدها تنعكس على بقية المستويات.

ب: وظيفة الإطار المقترح لإعادة بناء المجال العام الفلسطيني
لا يهدف مفهوم المجال العام الفلسطيني إلى إضافة مصطلح جديد إلى الأدبيات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بل إلى توفير إطار منظم لفهم الواقع وإعادة ترتيب الأولويات. وتتمثل وظيفته في:
1: تجاوز التجزئة الجغرافية والسياسية
من خلال الانتقال من التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مجموعة ملفات منفصلة إلى فهمها كمنظومة مترابطة.

2: إعادة وصل المعرفة بالمشروع الوطني
فالمشكلة الفلسطينية ليست غياب الدراسات أو نقص الخبرات، بل ضعف الإطار الذي يجمع هذه المعرفة ويوجهها نحو أهداف استراتيجية.

3: توفير إطار للحوار الوطني
بحيث يصبح المجال العام فضاءً لإدارة الاختلاف، وبناء التوافقات، وإنتاج الشرعية، بدل أن يكون ساحة للتنافس المنفصل بين القوى والمؤسسات.

4: بناء مرجعية مفتوحة
فإعادة بناء المجال العام ليست مهمة فرد أو مؤسسة واحدة، بل عملية تراكمية يشارك فيها المفكرون والباحثون والخبراء والنقابات والأحزاب والتنظيمات والمؤسسات الرسمية والأهلية ومختلف مكونات المجتمع الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي الشتات. وقد جسدت منظمة التحرير الفلسطينية عند تشكلها المجال العام الفلسطيني، وتمكنت بذلك من صون الهوية الوطنية الفلسطينية، وحماية التماسك المجتمعي عندما كان الشعب الفلسطيني يتعرض للمحو والتهميش. واستطاعت، بذلك، أن تنال ثقة الشعب الفلسطيني وتحظى بشرعية تمثيله. قبل أن تتحول في العقود الأخيرة من التحرير إلى الإدارة، وتختزل المجال العام الفلسطيني في جغرافيا محددة لا تملك فيها سيادة على الحدود والأرض والموارد والحركة والأمن والاقتصاد، وتفتقر إلى القدرة على التصدي للإبادة والاعتداءات ووقف التمدد الاستيطاني. ما طرح الأسئلة المركزية المتعلقة بالمشروع الوطني التحرري، والشرعية، والتمثيل.
ويرى المقال أن قدرة حركات التحرر الوطني على إعادة بناء مشروعها السياسي ترتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على إعادة بناء مجالها العام. فحين يتشظى المجال العام، تتراجع القدرة على إنتاج الشرعية، وتضعف مؤسسات التمثيل، وتتآكل الهوية الجامعة، ويتحول الفعل السياسي إلى ممارسات متفرقة تفتقر إلى إطار وطني جامع.
أما إعادة بناء المجال العام، فلا تعني فقط استعادة فضاءات المشاركة والنقاش، بل تعني إعادة تنظيم القدرة الجماعية للشعب على تعريف طبيعة الصراع، وتحديد الأولويات، وإنتاج الشرعية، وبناء الأدوات السياسية اللازمة لتحقيق الأهداف الوطنية.
ومن هنا تمثل إعادة بناء المجال العام الفلسطيني مدخلا أساسيا لإعادة بناء المشروع الوطني التحرري واستعادة السياسة بوصفها فعلا جماعيا منظما.

إن المجال العام الفلسطيني يمثل إطارا تحليليا لفهم كيفية انتظام حياة الشعب الفلسطيني السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية في ظل ظروف تاريخية استثنائية.
وهو ليس بديلا عن مفهوم المؤسسات الرسمية أو المجتمع المدني، بل إطار أوسع يضم هذه المكونات، ويعيد وضعها ضمن سياق المشروع الوطني التحرري.
ومن ثم، فإن إعادة بناء المجال العام الفلسطيني تشكل شرطا أساسيا لإعادة بناء المشروع الوطني نفسه، لأن أي مشروع تحرري يحتاج إلى مجال عام قادر على حمله، وإنتاج شرعيته، وتنظيم مؤسساته، وتحويل الحقوق الوطنية إلى قدرة وطنية سياسية واجتماعية فاعلة.

تعليقات

خالد عطية


العزيزة الدكتورة غانية ملحيس،
تستحق هذه الورقة وقفة جادة، لا لأنها تقدم تعريفًا جديدًا للمجال العام الفلسطيني فحسب، بل لأنها تحاول إعادة توطين هذا المفهوم داخل خصوصية الحالة الفلسطينية، بعيدًا عن النقل الحرفي للمفاهيم التي نشأت في سياق الدولة الحديثة. وهذه، في تقديري، مساهمة معرفية مهمة، لأنها تعيد فتح سؤال العلاقة بين المجتمع والسياسة والمشروع الوطني من زاوية مختلفة عما اعتدناه في الأدبيات الفلسطينية.

غير أن أهمية الورقة، بالنسبة لي، لا تكمن فقط فيما تقدمه من إجابات، بل أيضًا فيما تفتحه من أسئلة.

فالورقة تنطلق من فرضية أن إعادة بناء المجال العام تمثل المدخل لاستعادة السياسة وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري، وهي فرضية تبدو منطقية في سياق تشخيص أزمة الشرعية والتمثيل والتشظي الفلسطيني.

لكنني أتساءل إن كان السؤال ينبغي أن يبدأ من هنا، أم أن هناك سؤالًا أكثر تأسيسًا يسبقه.

ففي تقديري، لم يتشظَّ المجال العام الفلسطيني فحسب، بل سبق ذلك إعادة تشكيل المجال السياسي نفسه منذ أوسلو، بحيث لم تعد السياسة تُنتج بوصفها فعلًا تحرريًا، وإنما بوصفها وظيفة إدارية وأمنية واقتصادية داخل بنية استعمارية مشروطة. ولم يقتصر هذا التحول على المؤسسات أو أشكال التمثيل، بل امتد إلى إعادة تعريف السياسة نفسها، وإلى رسم حدود الممكن الوطني.

ومن هنا، فإن تشظي المجال العام، في تقديري، ليس أصل الأزمة، بل أحد تجلياتها.

ولهذا أميل إلى الاعتقاد بأن السؤال لا يقتصر على: كيف نعيد بناء المجال العام؟ وإنما يبدأ أيضًا بـ: كيف نحرر المجال السياسي الذي يعيد إنتاج المجال العام؟

غير أنني، بعد هذا الحوار الفكري المتواصل، أميل إلى الذهاب خطوة أبعد من ذلك. فالمجال العام والمجال السياسي، في تقديري، ليسا مستويين منفصلين يمكن تقديم أحدهما على الآخر، بل هما تعبيران عن بنية أعمق تتمثل في الحامل الوطني القادر على إنتاج السياسة، والشرعية، والمجال العام في آن واحد.

فإذا كان المجال السياسي قد أُعيد تشكيله بعد أوسلو ضمن شروط الهيمنة، فإن المجال العام لم يكن سوى أحد المجالات التي أُعيد تشكيلها داخل البنية نفسها. ولهذا فإن أي محاولة لإعادة بناء المجال العام، أو حتى لتحرير المجال السياسي، ستظل محدودة ما لم تقترن بإعادة بناء الحامل الوطني القادر على إنتاج شرعية مستقلة، واستعادة السياسة بوصفها فعلًا تحرريًا، لا وظيفة إدارية داخل نظام الهيمنة.

وبهذا المعنى، فإن المجال العام لا ينشأ في الفراغ، كما أن المجال السياسي لا ينتج ذاته بذاته، وإنما كلاهما يتشكلان داخل الحامل الوطني الذي يمنحهما المعنى والاتجاه والوظيفة التاريخية. فإذا كان هذا الحامل غائبًا أو معطلًا، فإن إعادة بناء أحد المستويين دون الآخر قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها بأشكال جديدة.

ومن هنا، أرى أن إعادة تأسيس المشروع الوطني ليست مجرد إعادة تنظيم لفضاءات المشاركة أو النقاش أو التمثيل، بل هي إعادة تأسيس للفاعل الوطني القادر على إنتاج السياسة والشرعية والمجال العام معًا. فعندما تستعيد السياسة وظيفتها الوطنية، ويُعاد بناء الحامل الوطني الجامع، يصبح المجال العام تعبيرًا طبيعيًا عن هذه العملية، لا بديلًا عنها ولا نقطة انطلاق منفصلة عنها.

ولعل هذه هي النقطة التي أجدها جديرة بمواصلة الحوار. فليس الخلاف، في تقديري، حول أهمية المجال العام، وإنما حول موقعه داخل عملية إعادة التأسيس. وأميل إلى الاعتقاد بأن إعادة بناء المجال العام، وتحرير المجال السياسي، وبناء الحامل الوطني، ليست مسارات متنافسة، بل مستويات متكاملة في عملية تاريخية واحدة، لا يكتمل أي منها بمعزل عن الآخر.

وربما هنا تكمن المهمة الفكرية المطروحة أمامنا اليوم: ليس فقط إعادة التفكير في المجتمع، أو في المجال العام، أو في المجال السياسي، بل في البنية الوطنية التي تنتج هذه المستويات جميعًا، وتجعلها قادرة على استعادة وظيفتها التحررية. فالقضية، في النهاية، ليست إعادة بناء فضاء للنقاش فحسب، ولا مجرد تحرير السياسة من قيودها، بل إعادة إنتاج الإرادة الوطنية نفسها، بوصفها المصدر الذي تتأسس عليه الشرعية، وتنبثق منه السياسة، ويتشكل في إطاره المجال العام.

كل التقدير لهذا الجهد الفكري الرصين، وأرجو أن يستمر هذا الحوار؛ لأنه، في تقديري، لم يعد يدور حول اختلاف في المفاهيم، بل حول محاولة بناء إطار نظري فلسطيني جديد ينطلق من خصوصية التجربة الفلسطينية، ويتجاوز الأدوات التحليلية التي لم تعد تكفي لفهم التحولات البنيوية التي يعيشها المشروع الوطني الفلسطيني.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...