ليال الحربي - دوحي: القائد العام للقوات المسلحة... بورتريه

كلُّ شيء في البلاد قابل للحل بالمال إلا أن تشتم القائد أو تصبح سياسيا

كانت السلطة تخاف المعارضة أما النكتة فكانت هي التي تُخيف السلطة. فالمعارضة يمكن شراؤها واختراقها عبر إغراؤها بحسابات بنكية بأسماء وهمية أو ابتزازها وما بين الترغيب والترهيب تنتهي القصة أما النكتة الشعبية فلا زعيم لها يُعتقل ولا مكتب لها يُغلق ولا منزل لها يصادر ولا أحد يُغرى أو يُبتز. إنها مؤامرة يشارك فيها الشعب كله دون أن يُعقد اجتماع واحد. وكانت المعارضة مهما صرخت وأطلقت عبر إذاعتها "يا صبحة هاتي الصينية"، تطلب نصيبها من السلطة في نهاية المطاف أما النكتة فلم تكن تريد شيئا سوى أن تشير بإصبعها وتضحك. ولهذا كانت أشد خطرا؛ فالسلطة تستطيع أن تسجن خصما لكنها تعجز عن سجن قهقهة. وما أكثر المعارضات التي انتهت موظفا عند الحاكم الذي شتمته بالأمس بينما بقيت النكات تتنقل بين الناس محتفظة بشرفها السياسي أكثر من أصحاب السياسة أنفسهم. فالمعارض قد يغيّر رأيه أما النكتة فلا تغير ضحيتها أبدا.

من طرائف الجمهوريات الشرقية أنها تخاف النكتة أكثر من أي شيء آخر وفي تلك اللحظة التي أصبحت فيها الكلمة أخطر من الفعل، لم يعد الناس بحاجة إلى شرح طويل كانوا يكتفون إلى إشارة صغيرة تكفي لتفجير المعنى كله.

في تلك السنوات التي تحولت فيها النكتة والسخرية _ وهما من الصفات المتأصلة في البشر _ إلى عقوبة إعدام، خرجت إلى التداول الشعبي مفردة "دوحي".

لم تكن في أصلها سوى اسم لشخصية ثانوية في مسلسل شعبي عراقي يدعى "أبو البلاوي" أُنتج في ثمانينيات القرن الماضي. يظهر فيه شاب ممتلئ الجسد، يضع چفية على رأسه ولم يُعرف شعبيا إلا من خلال مشهده الأخير، يلوّح بمنديل كأنه مايسترو يقود أوركسترا من الفراغ ويغني على لحن إسباني مسروق تتخلله كلمات إيطالية لا يفهم منها سوى سنيوري وسنيوريتا ويتمايل بمؤخرته ذهابا وإيابا أمام الجميع.

التصق هذا المشهد بالذائقة البغدادية دون سواه من المشاهد وغطى دور الشخصيات الرئيسية ذاتها ومع قابلية الناس الفطرية لتحويل الصورة إلى سلوك عبر عمى التقليد الذي يبدأ دائما عبر الشاشة، صار “دوحي” وصفا يُطلق على كل رجل يبالغ في التمايل أو اللطف أو الاستعراض حتى غدا السؤال ساخرا عندما يلتقط أحدهم رجلا يرقص ويتمايل في الشارع فيعلق له “أتريد أن تصبح دوحي؟”

كانت السلطة تملك أجهزة الأمن والإذاعة والحزب لكن الناس امتلكوا شيئا أكثر مرونة وهي الرمزية، لغةً جانبية يبتكرها المجتمع حين يصبح الكلام المباشر أكثر خطورة من الصمت نفسه. بينما الناس يتحاشون ذكر اسم القائد صراحة في أحاديثهم، خوفا من الآذان المزروعة في كل مكان؛ لذلك استعاروا اسم دوحي كناية عنه ليتحدثوا بحرية أكبر، بعيدا عن التسجيلات والوشايات وتقارير الحزب. صار الاسم المستعار أشبه بكلمة سرّ جماعية يفهمها الجميع دون أن تُقال الحقيقة مباشرة.

ثم بدأت الكلمة رحلة أخرى أخطر من الأولى حين انتقلت من الشارع إلى مجالس النفوذ وانقلبت من طرافة بريئة إلى وصف حقيقي، فما الذي يتبادر إلى الذهن حين تتحول المبالغة في التمايل إلى سلوك عامّ تُعرَف به الشخصية أكثر مما تُعرَف بأفعالها؟. انتقلت الكلمة من الشوارع إلى القصور ووقعت في يد الخال خير الله طلفاح محافظ بغداد، ذلك الرجل الذي يعرف بغداد كما يعرف اللصُّ جيوب ضحاياه. التقط مفردة دوحي من ألسنة العامة وأعاد توجيهها نحو ابن أخته. فالخال حرامي بغداد شأن معظم أقارب الحكّام، كان يمتلك الموهبة التي تظهر فجأة داخل العائلات الحاكمة، وهي موهبة إعادة تعريف اللغة. وعليه لم يعد دوحي اسما لشخصية تلفزيونية اشتهرت وإنما صار تلميحا رمزيا يُستعمل لكل شيء عدا الرجولة. فإذا جاءه أحدٌ شاكيا من القائد، أجابه بجملته النموذجية: ماذا فعل دوحي؟.

الخال كان مدركا لطبيعة ابن أخته، فهو الخال وحرامي بغداد في الوقت ذاته، واع بمزاج العاصمة وسلوكياتها ويعرف كيف تُستَخدم هذه المفردات في التداول الشعبي.

وتثار هنا مسألة جديرة بالانتباه: من الذي نقل الكلمة من إطارها الدرامي إلى الفضاء السياسي وبثها على هذا النحو؟

ويُقال إن التداول السياسي ولا سيما في أوساط أنصار الحزب الشيوعي العراقي وحزب الدعوة، أسهم في إعادة توظيف المفردة وتكثيف حضورها في الخطاب الشعبي فتحوّل دوحي إلى هتاف ساخر.

بطيحان

كان بطيحان رجلا يصلح تماما لقيادة جمهورية عربية لولا أنه وُلد متأخرا قرنين وداخل مسلسل بدوي. لا يحمل من الفروسية سوى الشارب ولا من الشرف إلا ما يكفي ليتحدث عنه طويلا أمام الآخرين. يدخل المجلس متبخترا كأنّ الله خلق الصحراء كي تكون خلفية لغروره الشخصي ويجلس بين الرجال بتلك الهيبة التي يمتلكها دائما من لم يخض معركة حقيقية قط. كان يؤمن أن القوة في أن تجعل الآخرين يخافون من خسارة خبزهم إن غضبت ولذلك لم يحتج إلى سيف حاد إذ يكفيه أن يعرف أين يقف الشيخ وأين تميل مصلحة القبيلة ثم يزحف نحوها مثل قطّ صحراوي يموء بلهجة الوطنية والشرف والأرض والعرض. ولو سألته عن الحب لتحدث عن المرأة كما يتحدث التاجر عن قطعة أرض “جميلة، خصبة ومن المؤسف أن تقع بيد غيري.”

أما الكرم البدوي الذي تمتلئ به المسلسلات، فقد فهمه بطريقته الخاصة، كان قادرا على ذبح خروف كامل للضيوف بشرط أن يكون الخروف لغيره والضيوف شهودا على مجده والفاتورة مؤجلة على القبيلة. ومع ذلك، لا يمكن كره بطيحان تماما؛ لأنه يشبه بشرا كثيرين. أولئك الذين يرتدون الأخلاق للدفء الاجتماعي. شرٌّ يوميّ صغير، واقعي، مألوف وذلك أسوأ بكثير.

بطيحان.... قالها الشعب رد فعليا فطريا على سياسة القائد في البلاد ثم اتسعت دائرة الاستعمال فصارت تُقال همسا بين شخص وآخر. فإذا صدر أمرٌ بتحرك عسكري كأن تُنقَل وحدة عسكرية من البصرة إلى كربلاء على سبيل المثال، علّق بعضهم سرّا "ها، بطيحان سواها!!" كانت العبارة تُقال تلميحا لا تصريحا، في سياق من الحذر وقد يفهم منها الإشارة إلى صدام حسين من غير أن يذكر الاسم صراحة اتقاء للمساءلة.

وصلت مفردتا بطيحان ودوحي إلى مستوى الدولة، لأنّ أي تحرك للجمهورية كان يتم وفق إيحاءات الخوف. فبدأت الأجهزة الأمنية والمخابراتية تتعقب كل من يستعمل مفردتي دوحي وبطيحان فتعرّض بعضهم للإعدام فاندثرت الكثير من تلك الجماعات. وبعد تولّيه السلطة أصدر قرارا يقضي بإعدام من يسبّ القائد فقل التداول العام للكلمتين واختفت تقريبا من التداول اليومي لتبقيا معلقتين في الذاكرة السمعية لمن شهد تلك الحقبة وقالها سِرا مع الآخر وتقهقه.


.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...