محمد بشكار - كَلام عَصِيٌّ على الفِطَام!

إذا كنا بهذا العدد من ملحق "العلم الثقافي"، نغلق موسما ثقافيا تاركين مع القلب الكتاب مفتوحا، فإننا لن نستسلم لبعض العبارات الموروثة بوعي أو دون وعي عن الأجداد، تلك التي دقَّت في عقولنا الأوتاد حتى اعتلاها الصدأ، وصارت خطأ شائعا ساري السموم في أوصال المجتمع، وتحضرني تحديداً تلكم العبارة ذات الحدَّين التي نبرّد بمسكناتها حسرتنا، وهي في الحقيقة تحث دفعاً الغريق إلى غرق أعمق، أما العبارة التي تضع الإنسان على الرف فهي: «قلْ كلمتك وانصرف»!

ولكن لماذا أنصرف بعد كلمتي، أليس الأجدر أن تأتي بعد الفضح المحاسبة، ما لنا في هذه البلاد، لا نسمع لكلماتنا صدى، وكلما سقط رأس توجناه بغار الفساد، مالنا نكتب باحثين عن السلوى في النسيان، أليست رسالة الكاتب أن يستنهض الهمم، أن يهيج النحل المتكلس في أغصان الذاكرة، انظروا كيف ننسى بسرعة ما يهددنا، ولا نتجاوز في جدل أخطر القضايا ظرف أسبوع، كيف إذاً أقول كلمتي وأنصرف مستسلما لمكر الليالي عبر الأيام، وأنا أعلم أن هذه الكلمة أحوج لمن يمسك بيدها كالطفل، وإلا ضاعت في الزحام!

أليس بهذه الكلمة التي قد أقولها شعرا، أذيب الكثير من القبح في أنفس لم تتعود العيش في بحبوحة الجمال بدل وسخ المال، الذي يغني من وجهة أرصدتها، عن كل قيمة في الحياة، أليس بهذه الكلمة التي قد أقولها في صيغة لوحة أرسمها إذا أسعفتني الألوان غير الزائفة، أُلفت انتباه من لا ينظر للعالم إلا وهو على صفيح الحرب، أن ثمة عالما أجمل، ولو في حيز هذه اللوحة، يستحق الحياة والكثير.. الكثير من الحب!




أليس بهذه الكلمة التي قد أقولها صراخا في الهواء، أعبر عن رفض قد يغير الكثير من الأشياء والأحشاء أيضا، الرفض الذي يعبّر عن طبيعة إنسانية أصيلة، افتقدناها هذه الأيام في غمرة تهجين الجنس البشري بالعنصر البقري!

أليس بهذه الكلمة التي قد أقولها حتى تثاؤباً، أنعم بنوم عميق، بعد أن أصبح حتى النوم يشتريه الناس في زمننا الأغبر، على شكل عقاقير من الصيدليات، وقد يُؤْتي هذا النوم حلماً لا يتحقق فقط تحت الوسادة!

أليس بهذه الكلمة التي قد أقولها بياضاً على الورق أو صمتاً، ألمح إلى أن لا أحد يستحق قراءة كلمتي التي ستؤول في آخر النشر ثم التوزيع، كتاباً ينتهي إلى التشييع في جنازة غفيرة من المرجوعات، ليدفن تحت ثرى الأرشيف في انتظار آلة القيامة التي ستعيد تصنيعه ورقاً جديداً، لأعود كما ولدتني أفكاري بياضاً عارياً!

فلماذا إذاً، بعد كل ما قُلْتُ أو لم أقل، ينصحني العالم أن أقول كلمتي وأنصرف، أليس من حقي أن أعيش إلى جوار روحي، عساني أصوغ لجموحها الانقلابي، جسداً بمعاني أشسع وأكثر عنفواناً، بعد أن ضاقت بكل الأجساد المتبلدة الإحساس، وصارت هيكلا من خشب دون لحم ودم!

لن أقول كلمتي وأنصرف، بل سأقولها وأبقى لأقول أخرى، فليس كل تهجين يُوَلِّدُ بغلا، ومن لم يصدقني، ما عليه إلا أن يكون في الموعد مع الملحق في سبتمبر المقبل!

..............................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 23 يوليوز 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...