علي سيف الرعيني -| الرتابة الفكرية !!

تبقى المأساة حاضرة طالما يُنظر إلى التفكير النقدي بوصفه خروجا عن المألوف لا بحثا عن الحقيقة
إن الحقيقة لا تعيش في الضجيج، ولا تولد من تكرار ما يقوله الجميع، بل تنمو في المساحات الهادئة التي يجلس فيها الإنسان مع نفسه، يعيد فحص أفكاره، ويزن قناعاته بميزان العقل قبل العاطفة فالعقول التي لا تراجع نفسها تتحول مع الزمن إلى مخازن للموروثات، لا إلى مصانع للأفكار
وليس التفكير النقدي دعوة إلى الرفض الدائم أوالتشكيك العبثي، كما يظن البعض، بل هو دعوة إلى التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين البرهان والادعاء، وبين الاقتناع والتلقين. إنه القدرة على أن تقول: لماذا؟ قبل أن تقول: نعم وأن تبحث عن الدليل قبل أن تنحاز إلى الرأي
لقد خلقت الرتابة الفكرية أجيالًا تحفظ أكثر مما تفهم، وتكرر أكثر مما تبدع. فأصبح كثيرون يرددون الأفكار نفسها، ويستخدمون الكلمات ذاتها، ويصلون إلى النتائج نفسها، دون أن يسألوا يومًا: هل يمكن أن تكون هناك زاوية أخرى للرؤية؟
إن الحضارات لم تتقدم لأن أبناءها كانوا أكثر طاعة للأفكار السائدة، بل لأن فيها من امتلك الجرأة ليسأل ويتأمل، ويخالف المسار عندما يكتشف أنه يقود إلى الخطأ. فكل اكتشاف عظيم بدأ بسؤال، وكل إصلاح حقيقي بدأ بعقل رفض أن يستسلم للمألوف
فيما يكون التأمل أعمق أشكال مواجهته. فمن يتأمل يرى ما تعجز العين المنشغلة عن رؤيته ويكتشف أن كثيرًا من المسلمات ليست حقائق، وإنما عادات ورثناها حتى حسبناها قوانين لا تقبل النقاش
إن أخطر أنواع السجن ليس ذلك الذي يُقيد الجسد، بل ذلك الذي يُقيد العقل داخل دائرة من الأفكار الجاهزة. وحين يخاف الإنسان من السؤال، يبدأ بالتنازل عن حريته دون أن يشعر، لأن الحرية الفكرية لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُسمح للعقل أن يفكر فيه
وفي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل قادرة على صناعة رأي عام خلال دقائق، تزداد الحاجة إلى التفكير النقدي أكثر من أي وقت مضى فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يحظى بالتصفيق صوابًا، وليس كل رأي شائع جديرًا بالاتباع. إن كثرة الأصوات لا تصنع الحقيقة، كما أن كثرة المصفقين لا تجعل الفكرة صحيحة
إن الإنسان الذي يتأمل لا يخشى تغيير رأيه إذا ظهر له دليل أقوى، لأنه يدرك أن قيمة العقل ليست في التمسك بما اعتاد، بل في القدرة على النمو أما الذي يجعل من قناعاته أصناما لا تُمس، فإنه يغلق باب التطور بيده، ويختار الجمود على حساب المعرفة
ولعل أعظم ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا وللأجيال القادمة هو ثقافة السؤال أن نربي أبناءنا على الفهم قبل الحفظ، وعلى الحوار قبل التعصب، وعلى البحث قبل التسليم. فالعقل الذي يتعلم كيف يفكر، يستطيع أن يتعلم أي شيء، أما العقل الذي يتعلم ماذا يفكر فقط، فإنه يبقى أسيرًا لما لُقّن
إن إحياء التفكير النقدي ليس ضرورة حضارية وأخلاقية فالأمم التي تتأمل مستقبلها تبنيه، أما الأمم التي تكتفي بتكرار ماضيها فإنها تعيش في دائرة مغلقة لا تنتهي
ليست الحقيقة هدية تُمنح لمن ينتظرها، بل رحلة طويلة يخوضها من يملك شجاعة السؤال والصبر والتأمل وتواضع الاعتراف بأن المعرفة بحر لا يصل الإنسان إلى آخر شواطئه. وربما لهذا السبب لم يكن السؤال يومًا علامة ضعف، بل كان وسيظل أول خطوة نحو الحرية وأول مصباح يضيء الطريق إلى الحقيقة!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...