يفتتح السمّاح عبد الله قصيدته بعنوان شديد الاقتصاد وكثيف الإيحاء هو "مجاز منقوص"، وهو عنوان لا يكتفي بوظيفة التسمية، وإنما يتحول منذ اللحظة الأولى إلى مفتاح تأويلي يحكم حركة النص بأكملها؛ فالمجاز هنا ليس زينة بلاغية، ولا تقنية تعبيرية، بل هو الاسم الذي يمنحه الشاعر لقدرة الإنسان على الاحتفاظ بعلاقته بالعالم، فيما تأتي صفة "منقوص" لتعلن منذ البداية أن هذه القدرة قد تعرضت إلى بترٍ أو انتزاع، وأن ما سنقرؤه ليس حكاية موتٍ بالمعنى الفيزيائي، وإنما سردية عن النقص الذي يصيب الوجود حين يُنتزع منه حقه في التذكر والتخييل والحلم، بهذا المعنى يصبح العنوان عتبة تكشف عن مأساة مزدوجة؛ فالموت الحقيقي ليس أن يغيب الجسد، وإنما أن يفقد الإنسان اللغة التي يستطيع بها أن يعيد تشكيل العالم، ومن ثم لا يبدأ النص من حدث الموت، وإنما يبدأ من أزمة المجاز ذاته، وكأن الشاعر يعيد ترتيب العلاقة بين البلاغة والوجود، فلا يعود المجاز تابعًا للحياة، ولكن تصبح الحياة نفسها رهينة بقدرة المجاز على البقاء، وهذه الفكرة هي التي ستتنامى في القصيدة كلها حتى تتحول إلى رؤية وجودية كاملة.
من هذا المدخل ينقلنا النص مباشرة إلى افتتاحية تقوم على فعل متكرر يحمل دلالة القسر الجمعي:
أخذونا إلى المقبرة قبل مواعيدنا المعلومة
أخذونا بلا أكفان
ولا نعوش
إن تكرار فعل "أخذونا" لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يؤسس منذ البداية لبنية الفاعل الغائب الذي يحتكر السلطة دون أن يمنح نفسه اسمًا، فلا نعرف من هم الذين أخذوا؛ لأن الشاعر يتعمد إبقاءهم في منطقة الغموض، حتى يتحولوا إلى صورة لكل سلطة قادرة على مصادرة المصائر، سواء كانت سلطة سياسية، أو اجتماعية، أو تاريخية، أو حتى قدرية، وفي المقابل لا يظهر الضمير الجمعي "نحن" باعتباره جماعة أفراد، وإنما باعتباره كتلة إنسانية مجردة، تساق إلى نهايتها قبل أن تستكمل شروط وجودها، وهنا تتجلى المفارقة الأولى في القصيدة؛ فالمشكلة ليست أنهم ماتوا، وإنما أنهم "أُخذوا قبل مواعيدهم المعلومة"، أي قبل أن تنجز الحياة مشروعها فيهم، ولذلك يتحول الزمن إلى عنصر أساسي في البنية الدلالية؛ إذ لا يعود الموت حدثًا طبيعيًّا يأتي في خاتمة العمر، ولكنه يصبح انقطاعًا قسريًّا لمسار لم يكتمل، ويزداد هذا الإحساس حين ينفي الشاعر جميع المبررات الواقعية لهذا الاستعجال، فيقول:
لم تكن أجسامنا كبيرة بالقدر الذي يُعجز القمّاشين
ولم نكن ثقيلين بحيث يتعب الناس في حمل نعوشنا
كنا خفافًا
وكنا نحيلين جدًا
لا يصف المتكلمون هنا أجسادهم بوصفها أجساد موتى، وإنما بوصفها أجسادًا لم تثقلها الحياة بعد، أجسادًا ما زالت في طور التشكل، ولهذا يبدو النحول والخفة علامتين على نقص التجربة لا على ضعف الجسد، إنهم خفاف لأن أحلامهم لم تتحول بعد إلى أعباء، ولأن أعمارهم لم تمتلئ بما يجعل الموت مقبولًا، ومن ثم يتحول الوصف الجسدي إلى استعارة زمنية؛ فالجسد النحيل هو العمر الناقص، والخفة ليست صفة فيزيائية، ولكن دلالة على أن الحياة لم تمنحهم ما يكفي من الامتلاء الوجودي، وتتأكد هذه الفكرة عندما ينتقل النص من وصف الجسد إلى تعداد ما لم يُعَشْ بعد، فيقول:
ثمة أشجار كان علينا أن نتسلقها
وبحار كان ينبغي أن نركبها
وخطايا لم نرتكبها كما يليق بالرجال المائتين
هنا يبلغ البناء الشعري درجة عالية من التعقيد؛ لأن الشاعر لا يعدد الأمنيات بوصفها رغبات رومانسية، وإنما بوصفها شروطًا ضرورية لاكتمال الإنسان، فتسلُّق الأشجار ليس فعلًا طبيعيًّا، بل هو رمز لاختبار المغامرة والصعود، وركوب البحار ليس انتقالًا مكانيًّا، بل هو تجربة لاكتشاف المجهول، أما العبارة الأكثر إدهاشًا فهي قوله "وخطايا لم نرتكبها كما يليق بالرجال المائتين"؛ إذ ينقلب التصور الأخلاقي التقليدي رأسًا على عقب، فالخطيئة هنا ليست إدانة، وإنما علامة على أن الإنسان عاش بما يكفي ليختبر هشاشته، وأن الكمال الأخلاقي ليس فضيلة بقدر ما قد يكون دليلًا على حياة لم تُختبر، إن الشاعر لا يمجد الخطيئة، ولكنه يجعلها جزءًا من التجربة الإنسانية التي لا يكتمل الوجود بدونها، ولذلك يبدو هؤلاء الموتى محرومين حتى من أخطائهم، وكأنهم حُرموا من حقهم في أن يكونوا بشرًا كاملين.
غير أن النص لا يكتفي بإبراز هذا الحرمان، بل يواجهه بصمت السلطة التي لا تسمع؛ إذ يقول "لكنهم لم يسمعوا لنا / كانوا في عجلة من أمرهم" إن الصمم هنا ليس غيابًا للسمع الفيزيائي، وإنما رفضٌ للاعتراف بصوت الآخر، ولذلك فإن العجلة التي يكررها الشاعر ليست مجرد استعجال في الحركة، ولكنها استعجال في محو الوجود ذاته، وكأن النظام الذي يسوقهم إلى المقبرة لا يحتمل حتى أن يمنحهم فرصة أخيرة للكلام، وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص القصيدة؛ فهي لا تصنع التوتر من خلال الحدث، وإنما من خلال الفجوة بين الكلام والرغبة في الإصغاء إليه، فالموتى يتكلمون، لكن لا أحد يسمع، ولذلك يصبح الصمت المفروض عليهم امتدادًا للعنف الذي بدأ قبل المقبرة، ويبلغ هذا العنف ذروته في الصورة المركبة:
سندونا بين أذرعهم
فمشينا معهم كما يمشي الأحياء
إنها صورة تقوم على مفارقة مدهشة؛ فالموتى يُجبَرون على محاكاة الأحياء، لا لأنهم عادوا إلى الحياة، ولكن لأن السلطة تريد أن تجعل موتهم يبدو طبيعيًّا، إن المشي هنا ليس دليل حياة، وإنما قناع يخفي حقيقة القسر، ولهذا تصبح الحركة نفسها شكلًا من أشكال الإكراه، ويزداد هذا المعنى عمقًا حين يقول الشاعر:
بعد أن أفرغوا جيوبنا من سجائرنا
وأوراقنا
وذكرياتنا
وأيامنا الطوال
فالترتيب هنا ليس اعتباطيًّا؛ إذ ينتقل من الأشياء المادية البسيطة إلى أكثر عناصر الهوية عمقًا، فالسجائر عادة يومية، والأوراق سجل للوجود، والذكريات ذاكرة الذات، والأيام خلاصة العمر كله، وبذلك تتحول عملية تفريغ الجيوب إلى استعارة كبرى لتجريد الإنسان من تاريخه الشخصي قبل دفنه، فلا يعود الموت إعدامًا للجسد، بل يصبح إعدامًا للذاكرة، ومن ثم فإن المطلع كله لا يقدم مشهد جنازة، وإنما يقدم تصورًا فلسفيًّا للموت بوصفه مشروعًا منظمًا لمحو الإنسان قبل أن يكتمل، حيث تتشابك مفردات الزمن والذاكرة والجسد واللغة لتؤسس الرؤية التي ستبني عليها القصيدة مراحلها اللاحقة، ومن هنا يبدو العنوان أكثر وضوحًا؛ فالمجاز لن يكون منقوصًا لأن اللغة ضعفت، بل لأن الإنسان نفسه جُرِّد من المادة التي يصنع منها مجازه، أي من حياته وذكرياته وإمكاناته المؤجلة، ليغدو النقص البلاغي انعكاسًا مباشرًا لنقص الوجود نفسه، وهي الفكرة التي ستتوسع القصيدة في تعميقها عبر انتقالها من مأساة الجسد إلى مأساة الذاكرة، ثم إلى مأساة اللغة ذاتها.
من مصادرة الذاكرة إلى انكسار اللغة؛ تحولات المجاز بوصفه مقياسًا للوجود
إذا كانت الحركة الأولى في القصيدة قد كشفت عن مصادرة الجسد والزمن قبل اكتمالهما، فإن الحركة الثانية تنتقل انتقالًا تصاعديًّا إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث لا يعود السؤال متعلقًا بمصير الموتى، بل بالمصير الذي آلت إليه اللغة نفسها بعد أن جُرِّدت الذات من ذاكرتها، وهنا ينجح السمّاح عبد الله في تحويل المشهد من سردية عن الدفن إلى تأمل في الشروط التي تجعل الكلام ممكنًا، ولذلك لا تأتي التفاصيل اللاحقة بوصفها استمرارًا للحكاية، وإنما بوصفها انتقالًا من ظاهر الحدث إلى باطنه، ومن صورة الموت إلى البنية المعرفية التي ينتجها الموت؛ ففي أثناء الطريق إلى المقبرة، وقبل أن يُغلَق الفضاء على الموتى، يفتح الشاعر نافذة خاطفة على العالم الحي، فيقول:
وعندما مروا بنا على حواف القرية
رأينا شمسةً صغيرة تطلع من خلف التلال
حتى أن شواشي النخيل كانت تبرق
وحتى أن عيون العصافير كانت تلمع
وثمة امرأة كانت تعبر النهر حافية
ورأينا خلخالها يرنّ مع خرير الماء
وهذه اللوحة ليست استراحة وصفية داخل القصيدة، وإنما تمثل لحظة مقاومة أخيرة ضد مشروع المحو؛ فالضوء، والنخيل، والعصافير، والماء، وصوت الخلخال، كلها عناصر تنتمي إلى معجم الحياة، لكنها تظهر في القصيدة ليس بوصفها موضوعًا للرؤية، ولكن بوصفها ما يُنتزع من أصحابه في اللحظة نفسها التي يوشكون فيها على فقدانه، ولهذا فإن المشهد كله يقوم على مفارقة دقيقة، فكلما ازداد العالم إشراقًا ازداد وعي الموتى بما فقدوه، وكأن الجمال لا يظهر بكامل كثافته إلا في اللحظة التي يصبح فيها مستحيل الامتلاك، وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في السؤال الذي يطرحه الموتى:
يا أشقاءنا قولوا لنا
كيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
إن هذا السؤال لا يبحث عن تفسير لخرق قوانين الطبيعة، ولكنه يبحث عن تفسير لخرق العدالة الوجودية، فالماء هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، وإنما هو رمز للحياة والمعرفة والامتلاء، بينما يتحول العطش إلى صورة للنقص الوجودي الذي يعيشه المتكلمون، ولذلك فإن المرأة التي تمشي على الماء ليست شخصية واقعية بقدر ما هي تجسد إمكانية الاندماج الكامل بالعالم، في حين يقف الموتى خارج هذا العالم، عاجزين حتى عن ملامسة ما يرونه بأعينهم، إن السؤال إذن لا يدور حول كيفية المشي، وإنما حول كيفية استمرار الحياة في إنتاج معجزتها بينما يقف الإنسان محرومًا من أبسط حقوق المشاركة فيها، ومن اللافت أن الشاعر لا يمنح السؤال جوابًا، ولكن يواجهه بالصمت "لم يجيبونا" وهذا الصمت ليس مجرد امتناع عن الكلام، وإنما يمثل لحظة انقطاع المعرفة بين عالمين، عالم لا يزال قادرًا على رؤية الجمال، وعالم فَقَدَ القدرة على تفسيره، وهكذا يتحول السؤال إلى جرح مفتوح داخل القصيدة، وسيظل يتردد حتى خاتمتها دون أن يجد حلًّا؛ لأن قيمته ليست في الإجابة، ولكن في استمرار القلق الذي يولده.
بعد ذلك يدخل النص إلى فضاء المقبرة، لكن المقبرة هنا لا تُبنى بوصفها مكانًا للموت، بل بوصفها نظامًا لإعادة ترتيب الكائنات وفق منطق التجريد الكامل، وهو ما تكشفه الصورة القاسية في قول الشاعر:
فتحوا فوهة المقبرة
ورصُّونا كما يرصُّون البوص في الحقول
إن التشبيه هنا من أكثر صور القصيدة كثافة؛ لأنه يلغي الفروق الفردية بين البشر، ويحولهم إلى مادة متشابهة تُكدَّس كما تُكدَّس أعواد البوص، فلا يعود الإنسان ذاتًا تحمل اسمًا وتجربة، وإنما يصبح وحدة عددية داخل نظام مغلق، ومن ثم لا يعود الدفن طقسًا دينيًّا يكرم الموتى، ولكنه يتحول إلى إجراء إداري يختزل الإنسان إلى شيء يمكن ترتيبه ورصفه وإغلاقه داخل مساحة محددة، ويزداد هذا الإحساس حين يقول الشاعر:
وقرأوا تعاويذهم في آذاننا
وأسبلوا عيوننا
وخلعوا خواتمنا من أصابعنا
وأغلقوا المقبرة
فالخاتم هنا ليس زينة، وإنما علامة هوية، ولذلك فإن نزعه لا يعني فقدان قطعة معدنية، ولكن نزعه يعني فقدان الاسم والانتماء والذاكرة الشخصية، وهذا ما تؤكده العبارة اللاحقة مباشرة "لكننا لم نعرف أسماءنا بعد أن أخذوا خواتمنا كلها" إن العلاقة بين الخاتم والاسم تكشف أن الهوية ليست معطىً ثابتًا، وإنما شبكة من العلامات التي تحفظ للإنسان تميزه، وحين تُنتزع هذه العلامات يصبح الكائن عاجزًا حتى عن التعرف إلى نفسه، وهنا يبلغ النص واحدة من أكثر لحظاته الفلسفية عمقًا بقوله:
وتكلمنا بلسان الموتى
لكن الكلام كان بلا مجاز
وكان منقوصًا
فقد أخذوا ذكرياتنا من جيوبنا
إن هذه الجملة تمثل المركز النظري للقصيدة كلها؛ فالمجاز لا ينقص لأن البلاغة ضعفت، وإنما لأنه فقد مادته الأولى، أي الذاكرة، فالصورة الشعرية في هذا التصور ليست لعبة لغوية، بل هي الأثر الذي تتركه التجربة الإنسانية داخل اللغة، ولذلك حين تُصادَر الذكريات لا يبقى أمام الكلام سوى وظيفته الإخبارية العارية، فيتحول إلى خطاب مباشر فاقد للقدرة على الإيحاء والتجاوز، إن السمّاح عبد الله يعيد هنا تعريف المجاز تعريفًا وجوديًّا؛ فهو ليس انزياحًا عن المعنى، وإنما الامتداد الذي تمنحه الذاكرة للكلمات، وكلما اتسعت التجربة اتسع المجاز، وكلما تقلصت التجربة انكمش المجاز حتى يصبح الكلام ناقصًا، مهما بدا صحيحًا من الناحية اللغوية، ومن هذا المنطلق يكتسب ظهور الشخصية الوحيدة القادرة على إنتاج كلام مكتمل أهمية استثنائية؛ إذ يقول النص:
واحد منا قال كلامًا مكتملًا
فسألنا: وكيف استقام مجازك أيها المائت؟
أخبرنا أنه نجح في أن يخبئ ورقة من ذكرياته
في طيات القميص
إن الشاعر لا يجعل اكتمال المجاز نتيجة لموهبة لغوية، بل يجعله نتيجة لفعل مقاومة صغير تمثل في إنقاذ ورقة من الذكريات، وهنا يتحول الفعل البسيط، وهو إخفاء ورقة، إلى انتصار رمزي على مشروع المحو كله؛ لأن الورقة ليست وثيقة، بل الذاكرة في صورتها المادية الأخيرة، ولذلك فإن الموتى لا يطلبون منه أخبار العالم الخارجي، وإنما يسألونه:
وما شكل المساء؟
وكيف يفرح الأطفال؟
ومتى نربي الحنين؟
إن ترتيب هذه الأسئلة يكشف طبيعة ما فقدوه؛ فالمساء زمن للتأمل، وفرح الأطفال رمز لبداية الحياة، وتربية الحنين تعبير بالغ الإدهاش؛ لأن الحنين لا يُولد مكتملًا، بل يُربى كما تُربى الكائنات، أي إنه يحتاج إلى زمن وذاكرة وتجربة، وهكذا تتجلى الفكرة الأساسية في هذه الحركة من القصيدة، ليست اللغة هي التي تحفظ الذاكرة، ولكن الذاكرة هي التي تمنح اللغة قدرتها على إنتاج المجاز، ولذلك فإن انتزاع الذكريات ليس مجرد محو للماضي، وإنما هو إعدام مسبق للمستقبل اللغوي للإنسان، وهو ما يمهد للذروة التأويلية التي ستكشفها خاتمة القصيدة، حيث يتحول السؤال عن المرأة التي تمشي على الماء إلى السؤال النهائي عن إمكان استعادة المجاز نفسه بعد أن أصبح العالم كله منقوصًا.
اكتمال المجاز بوصفه استحالة، والمرأة التي تمشي على الماء باعتبارها أفقًا مؤجَّلًا للوجود
في الحركة الأخيرة من القصيدة يبلغ السمّاح عبد الله ذروة البناء التصاعدي الذي مهّد له منذ العنوان؛ فبعد أن انتقل من مصادرة الجسد إلى مصادرة الذاكرة، ومن الذاكرة إلى انكسار اللغة، يضع القارئ أمام السؤال الحاسم، وهو هل يمكن للمجاز أن يستعيد اكتماله إذا استعاد الإنسان شيئًا من ذاكرته؟ إن الإجابة التي يقدمها النص ليست مباشرة، وإنما تأتي عبر تفكيك هذا الاحتمال نفسه؛ إذ إن الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تنجو بورقة من ذكرياتها، والتي أصبحت مصدرًا وحيدًا للكلام المكتمل، تتعثر عندما تواجه السؤال الأكثر عمقًا في القصيدة، يقول:
وعندما سألناه:
وكيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
قال:
ليتني أعرف
إن هذه العبارة القصيرة تمثل لحظة الانقلاب الكبرى في الرؤية الشعرية؛ فالرجل الذي استطاع أن ينقذ اللغة من نقصها الجزئي لم يستطع أن ينقذها من نقصها المطلق، لقد استطاع أن يستعيد المساء، والأطفال، والحنين، لكنه عجز عن تفسير المعجزة التي تختزل العلاقة بين الإنسان والحياة، وهنا يكشف الشاعر أن الذاكرة، على ضرورتها، ليست كافية وحدها لإعادة بناء العالم؛ فهي تحفظ الصور، لكنها لا تمنح القدرة على امتلاك السر الكامن وراءها، ولذلك يبقى السؤال بلا جواب؛ لأن بعض الأسئلة لا تبحث عن معرفة، وإنما تكشف حدود المعرفة نفسها، ومن هذه النقطة تتجاوز القصيدة المستوى السردي كله لتصبح تأملًا في طبيعة الإدراك الإنساني، فالسؤال عن المرأة التي تمشي على الماء لا ينبغي أن يُقرَأ بوصفه صورة عجائبية أو استعارة صوفية فحسب، وإنما يُقرَأ بوصفه رمزًا لما يظل متعذرًا على الإنسان مهما امتلك من ذاكرة أو خبرة؛ فالماء في القصيدة ليس مجرد عنصر طبيعي، بل هو الحياة في حالة سيولتها المطلقة، وهو الزمن الذي لا يستقر، والوجود الذي لا يمكن القبض عليه، أما المرأة فإنها لا تُقدَّم باعتبارها شخصية ذات ملامح، وإنما باعتبارها تجسُّدًا للانسجام الكامل مع هذا الوجود، إنها تمشي فوق الماء دون أن تغرق، بينما يقف الموتى على الضفة الأخرى أسرى عطشهم، ومن ثم فإن المفارقة لا تقوم بين الحياة والموت، وإنما بين من يستطيع أن يعبر العالم دون أن ينكسر، ومن بقي محاصرًا بعجزه عن بلوغ تلك الضفة، ولهذا فإن الماء يوصف بأنه سلسبيل، وهي مفردة تستدعي في الذاكرة الثقافية دلالات النقاء والنعيم والارتواء، لكنها هنا تتحول إلى مصدر إضافي للألم؛ لأن العطش يصبح أشد قسوة كلما اقترب الماء من العين وابتعد عن اليد، إن الشاعر لا يخلق المأساة من الغياب، بل من حضور الشيء المستحيل، وهي تقنية تجعل القصيدة قائمة على توتر دائم بين الإمكان والرغبة، لا بين الامتلاك والفقد وحدهما، وعندما يقول النص "فعدنا إلى نومنا الذي رصُّونا فيه/ كما يرصُّون البوص في الحقول" يعود التشبيه الذي افتتح فضاء المقبرة، لكنه يعود وقد اكتسب دلالة جديدة؛ ففي ظهوره الأول كان الرصُّ تعبيرًا عن العنف الخارجي الذي تمارسه السلطة على الأجساد، أما هنا فإنه يصبح صورة لاستسلام الوعي بعد أن أدرك حدود قدرته على الفهم، إن العودة إلى النوم ليست راحة، ولكنها اعتراف بأن الأسئلة الكبرى ستظل معلقة، ولذلك فإن النوم نفسه لا يكتمل؛ إذ يضيف الشاعر مباشرة "لكن عيوننا كانت مفتوحة" وهذه الصورة من أكثر صور القصيدة تركيبًا؛ لأن العين المفتوحة داخل النوم تجمع بين حالتين متناقضتين: السكون واليقظة، والغياب والحضور، والموت والرؤية، إنها عين لا تستطيع أن تغير العالم، لكنها ترفض أن تتوقف عن تأمله، وهنا يبلغ النص ذروته الوجودية؛ فالمقاومة الأخيرة ليست في الحركة، ولا في الكلام، وإنما في الإبقاء على فعل الرؤية نفسه، حتى وإن أصبح الفعل بلا أثر عملي، إن العين المفتوحة هي آخر ما تبقى للإنسان بعد أن انتُزِعت منه الذاكرة والاسم والمجاز، ولذلك يصرُّ الشاعر على ألا يغلقها؛ لأن إغلاقها سيكون القبول النهائي بالمحو، ومن اللافت أن القصيدة لا تختم بصوت الموتى، ولا بصوت الراوي، وإنما بصورة واحدة معلقة:
على خلخالٍ
يرن في قدمي امرأةٍ
تمشي على الماء
ونحن عطاشى
إن الخلخال الذي ظهر في منتصف القصيدة يعود في نهايتها، لكنه لم يعد تفصيلًا بصريًّا داخل مشهد طبيعي، ولكنه أصبح بؤرة الدلالة كلها، فالسمع هنا يتقدم على البصر؛ إذ إن الموتى لا يملكون المرأة، ولا الماء، ولا القدرة على العبور، وإنما يملكون رنين الخلخال فقط، أي الأثر الموسيقي البعيد للحياة، وبهذا يتحول الصوت إلى ما يشبه الذاكرة الأخيرة التي استعصت على المصادرة، لقد أُخِذت الأوراق، والذكريات، والخواتم، لكن الرنين بقي؛ لأنه لا يُختزن في الجيب ولا في الإصبع، وإنما في الوعي الذي يرفض الانطفاء، ومن هنا يكتسب الرمز بُعْدًا بالغ العمق؛ فالحياة لا تعود في صورة يقين، وإنما في صورة أثر، ولا تعود باعتبارها امتلاكًا، وإنما باعتبارها اشتياقًا دائمًا، ولعل أهم ما يميز هذه الخاتمة أنها ترفض الإغلاق التقليدي، فلا توجد حكمة نهائية، ولا كشف أخير، ولا حل للمفارقة التي بنت القصيدة عليها عالمها، بل إن الشاعر يتعمد أن يعيد القارئ إلى السؤال نفسه الذي ظل يتردد منذ منتصف النص، وكأن القصيدة تتحول إلى دائرة تأويلية لا تنتهي، وهذا ما يجعل عنوان "مجاز منقوص" يستعيد معناه الأخير؛ فالنقص هنا لم يعد نقصًا في العبارة، ولا في الذاكرة وحدها، ولكنه أصبح السمة الملازمة للوجود الإنساني نفسه، فكل محاولة لاكتمال المجاز تصطدم بسرٍّ لا يُدرَك، وكل محاولة لاكتمال المعرفة تنتهي إلى عبارة الرجل الوحيد "ليتني أعرف" وهكذا ينجح السمّاح عبد الله في تجاوز المباشرة الرمزية إلى بناء رؤية شعرية تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع البنية البلاغية للنص، بحيث يصبح المجاز نفسه معيارًا لدرجة حضور الإنسان في العالم، فإذا كانت السلطة قد استطاعت أن تصادر الأسماء والذكريات فإنها لم تستطع أن تصادر السؤال، ولم تستطع أن تمنع العيون من أن تبقى مفتوحة على ذلك الرنين البعيد، رنين الخلخال الذي يغدو، في خاتمة القصيدة، آخر استعارة ممكنة للأمل، وآخر دليل على أن الحياة، مهما ابتعدت، تظل قادرة على استدعاء الإنسان إليها، حتى وهو مرصوص في ظلام المقبرة، وحتى وهو يدرك أن اكتمال المجاز سيظل مؤجَّلًا بقدر ما يظل الوجود نفسه مشروعًا لا يكتمل.
مجاز منقوص
شعر: السمّاح عبد الله
أخذونا إلى المقبرة قبل مواعيدنا المعلومة
أخذونا بلا أكفان
ولا نعوش
لم تكن أجسامنا كبيرة بالقدر الذي يُعجز القمّاشين
ولم نكن ثقيلين بحيث يتعب الناس في حمل نعوشنا
كنا خفافا
وكنا نحيلين جدا
قلنا لهم:
ثمة أشجار كان علينا أن نتسلقها
وبحار كان ينبغي أن نركبها
وخطايا لم نرتكبها كما يليق بالرجال المائتين
لكنهم لم يسمعوا لنا
كانوا في عجلة من أمرهم
حتى أنهم كانوا يسرعون الخطا
وهم يشدوننا في الطريق الضيقة التي أصروا أن يمشوا بنا فيها
سندونا بين أذرعهم
فمشينا معهم كما يمشي الأحياء
بعد أن أفرغوا جيوبنا من سجائرنا
وأوراقنا
وذكرياتنا
وأيامنا الطوال
ولأننا كنا موتى
لم تكن خطانا قادرة على أن توازي خطواتهم المسرعة
كنا نجتهد أن نضبط إيقاع الخطوات
لكن ما حيلتنا ومواقيتنا نفدت
وعندما مروا بنا على حواف القرية
رأينا شمسةً صغيرة تطلع من خلف التلال
حتى أن شواشي النخيل كانت تبرق
وحتى أن عيون العصافير كانت تلمع
وثمة امرأة كانت تعبر النهر حافية
ورأينا خلخالها يرترن مع خرير الماء
قلنا:
يا أشقاءنا قولوا لنا
كيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
لم يجيبونا
وإنما فتحوا فوهة المقبرة
ورصونا كما يرصون البوص في الحقول
وقرأوا تعاويذهم في آذاننا
وأسبلوا عيوننا
وخلعوا خواتمنا من أصابعنا
وأغلقوا المقبرة
في البداية تحسسنا الجنبات
حتى عرفنا مواقعنا في الظلام
لكننا لم نعرف أسماءنا بعد أن أخذوا خواتمنا كلها
وتكلمنا بلسان الموتى
لكن الكلام كان بلا مجاز
وكان منقوصا
فقد أخذوا ذكرياتنا من جيوبنا
واحد منا قال كلاما مكتملا:
فسألنا:
وكيف استقام مجازك أيها المائت؟
أخبرنا أنه نجح في أن يخبيء ورقة من ذكرياته
في طيات القميص
فهللنا
وكنا نتوجه إليه بالأسئلة:
وما شكل المساء؟
وكيف يفرح الأطفال؟
ومتى نربي الحنين؟
وكان يجيبنا بمجاز مكتمل
وعندما سألناه:
وكيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
قال:
ليتني أعرف
فعدنا إلى نومنا الذي رصونا فيه
كما يرصون البوص في الحقول
لكن عيوننا كانت مفتوحة على خلخالٍ
يرن في قدمي امرأةٍ
تمشي على الماء
ونحن عطاشى.
من هذا المدخل ينقلنا النص مباشرة إلى افتتاحية تقوم على فعل متكرر يحمل دلالة القسر الجمعي:
أخذونا إلى المقبرة قبل مواعيدنا المعلومة
أخذونا بلا أكفان
ولا نعوش
إن تكرار فعل "أخذونا" لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يؤسس منذ البداية لبنية الفاعل الغائب الذي يحتكر السلطة دون أن يمنح نفسه اسمًا، فلا نعرف من هم الذين أخذوا؛ لأن الشاعر يتعمد إبقاءهم في منطقة الغموض، حتى يتحولوا إلى صورة لكل سلطة قادرة على مصادرة المصائر، سواء كانت سلطة سياسية، أو اجتماعية، أو تاريخية، أو حتى قدرية، وفي المقابل لا يظهر الضمير الجمعي "نحن" باعتباره جماعة أفراد، وإنما باعتباره كتلة إنسانية مجردة، تساق إلى نهايتها قبل أن تستكمل شروط وجودها، وهنا تتجلى المفارقة الأولى في القصيدة؛ فالمشكلة ليست أنهم ماتوا، وإنما أنهم "أُخذوا قبل مواعيدهم المعلومة"، أي قبل أن تنجز الحياة مشروعها فيهم، ولذلك يتحول الزمن إلى عنصر أساسي في البنية الدلالية؛ إذ لا يعود الموت حدثًا طبيعيًّا يأتي في خاتمة العمر، ولكنه يصبح انقطاعًا قسريًّا لمسار لم يكتمل، ويزداد هذا الإحساس حين ينفي الشاعر جميع المبررات الواقعية لهذا الاستعجال، فيقول:
لم تكن أجسامنا كبيرة بالقدر الذي يُعجز القمّاشين
ولم نكن ثقيلين بحيث يتعب الناس في حمل نعوشنا
كنا خفافًا
وكنا نحيلين جدًا
لا يصف المتكلمون هنا أجسادهم بوصفها أجساد موتى، وإنما بوصفها أجسادًا لم تثقلها الحياة بعد، أجسادًا ما زالت في طور التشكل، ولهذا يبدو النحول والخفة علامتين على نقص التجربة لا على ضعف الجسد، إنهم خفاف لأن أحلامهم لم تتحول بعد إلى أعباء، ولأن أعمارهم لم تمتلئ بما يجعل الموت مقبولًا، ومن ثم يتحول الوصف الجسدي إلى استعارة زمنية؛ فالجسد النحيل هو العمر الناقص، والخفة ليست صفة فيزيائية، ولكن دلالة على أن الحياة لم تمنحهم ما يكفي من الامتلاء الوجودي، وتتأكد هذه الفكرة عندما ينتقل النص من وصف الجسد إلى تعداد ما لم يُعَشْ بعد، فيقول:
ثمة أشجار كان علينا أن نتسلقها
وبحار كان ينبغي أن نركبها
وخطايا لم نرتكبها كما يليق بالرجال المائتين
هنا يبلغ البناء الشعري درجة عالية من التعقيد؛ لأن الشاعر لا يعدد الأمنيات بوصفها رغبات رومانسية، وإنما بوصفها شروطًا ضرورية لاكتمال الإنسان، فتسلُّق الأشجار ليس فعلًا طبيعيًّا، بل هو رمز لاختبار المغامرة والصعود، وركوب البحار ليس انتقالًا مكانيًّا، بل هو تجربة لاكتشاف المجهول، أما العبارة الأكثر إدهاشًا فهي قوله "وخطايا لم نرتكبها كما يليق بالرجال المائتين"؛ إذ ينقلب التصور الأخلاقي التقليدي رأسًا على عقب، فالخطيئة هنا ليست إدانة، وإنما علامة على أن الإنسان عاش بما يكفي ليختبر هشاشته، وأن الكمال الأخلاقي ليس فضيلة بقدر ما قد يكون دليلًا على حياة لم تُختبر، إن الشاعر لا يمجد الخطيئة، ولكنه يجعلها جزءًا من التجربة الإنسانية التي لا يكتمل الوجود بدونها، ولذلك يبدو هؤلاء الموتى محرومين حتى من أخطائهم، وكأنهم حُرموا من حقهم في أن يكونوا بشرًا كاملين.
غير أن النص لا يكتفي بإبراز هذا الحرمان، بل يواجهه بصمت السلطة التي لا تسمع؛ إذ يقول "لكنهم لم يسمعوا لنا / كانوا في عجلة من أمرهم" إن الصمم هنا ليس غيابًا للسمع الفيزيائي، وإنما رفضٌ للاعتراف بصوت الآخر، ولذلك فإن العجلة التي يكررها الشاعر ليست مجرد استعجال في الحركة، ولكنها استعجال في محو الوجود ذاته، وكأن النظام الذي يسوقهم إلى المقبرة لا يحتمل حتى أن يمنحهم فرصة أخيرة للكلام، وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص القصيدة؛ فهي لا تصنع التوتر من خلال الحدث، وإنما من خلال الفجوة بين الكلام والرغبة في الإصغاء إليه، فالموتى يتكلمون، لكن لا أحد يسمع، ولذلك يصبح الصمت المفروض عليهم امتدادًا للعنف الذي بدأ قبل المقبرة، ويبلغ هذا العنف ذروته في الصورة المركبة:
سندونا بين أذرعهم
فمشينا معهم كما يمشي الأحياء
إنها صورة تقوم على مفارقة مدهشة؛ فالموتى يُجبَرون على محاكاة الأحياء، لا لأنهم عادوا إلى الحياة، ولكن لأن السلطة تريد أن تجعل موتهم يبدو طبيعيًّا، إن المشي هنا ليس دليل حياة، وإنما قناع يخفي حقيقة القسر، ولهذا تصبح الحركة نفسها شكلًا من أشكال الإكراه، ويزداد هذا المعنى عمقًا حين يقول الشاعر:
بعد أن أفرغوا جيوبنا من سجائرنا
وأوراقنا
وذكرياتنا
وأيامنا الطوال
فالترتيب هنا ليس اعتباطيًّا؛ إذ ينتقل من الأشياء المادية البسيطة إلى أكثر عناصر الهوية عمقًا، فالسجائر عادة يومية، والأوراق سجل للوجود، والذكريات ذاكرة الذات، والأيام خلاصة العمر كله، وبذلك تتحول عملية تفريغ الجيوب إلى استعارة كبرى لتجريد الإنسان من تاريخه الشخصي قبل دفنه، فلا يعود الموت إعدامًا للجسد، بل يصبح إعدامًا للذاكرة، ومن ثم فإن المطلع كله لا يقدم مشهد جنازة، وإنما يقدم تصورًا فلسفيًّا للموت بوصفه مشروعًا منظمًا لمحو الإنسان قبل أن يكتمل، حيث تتشابك مفردات الزمن والذاكرة والجسد واللغة لتؤسس الرؤية التي ستبني عليها القصيدة مراحلها اللاحقة، ومن هنا يبدو العنوان أكثر وضوحًا؛ فالمجاز لن يكون منقوصًا لأن اللغة ضعفت، بل لأن الإنسان نفسه جُرِّد من المادة التي يصنع منها مجازه، أي من حياته وذكرياته وإمكاناته المؤجلة، ليغدو النقص البلاغي انعكاسًا مباشرًا لنقص الوجود نفسه، وهي الفكرة التي ستتوسع القصيدة في تعميقها عبر انتقالها من مأساة الجسد إلى مأساة الذاكرة، ثم إلى مأساة اللغة ذاتها.
من مصادرة الذاكرة إلى انكسار اللغة؛ تحولات المجاز بوصفه مقياسًا للوجود
إذا كانت الحركة الأولى في القصيدة قد كشفت عن مصادرة الجسد والزمن قبل اكتمالهما، فإن الحركة الثانية تنتقل انتقالًا تصاعديًّا إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث لا يعود السؤال متعلقًا بمصير الموتى، بل بالمصير الذي آلت إليه اللغة نفسها بعد أن جُرِّدت الذات من ذاكرتها، وهنا ينجح السمّاح عبد الله في تحويل المشهد من سردية عن الدفن إلى تأمل في الشروط التي تجعل الكلام ممكنًا، ولذلك لا تأتي التفاصيل اللاحقة بوصفها استمرارًا للحكاية، وإنما بوصفها انتقالًا من ظاهر الحدث إلى باطنه، ومن صورة الموت إلى البنية المعرفية التي ينتجها الموت؛ ففي أثناء الطريق إلى المقبرة، وقبل أن يُغلَق الفضاء على الموتى، يفتح الشاعر نافذة خاطفة على العالم الحي، فيقول:
وعندما مروا بنا على حواف القرية
رأينا شمسةً صغيرة تطلع من خلف التلال
حتى أن شواشي النخيل كانت تبرق
وحتى أن عيون العصافير كانت تلمع
وثمة امرأة كانت تعبر النهر حافية
ورأينا خلخالها يرنّ مع خرير الماء
وهذه اللوحة ليست استراحة وصفية داخل القصيدة، وإنما تمثل لحظة مقاومة أخيرة ضد مشروع المحو؛ فالضوء، والنخيل، والعصافير، والماء، وصوت الخلخال، كلها عناصر تنتمي إلى معجم الحياة، لكنها تظهر في القصيدة ليس بوصفها موضوعًا للرؤية، ولكن بوصفها ما يُنتزع من أصحابه في اللحظة نفسها التي يوشكون فيها على فقدانه، ولهذا فإن المشهد كله يقوم على مفارقة دقيقة، فكلما ازداد العالم إشراقًا ازداد وعي الموتى بما فقدوه، وكأن الجمال لا يظهر بكامل كثافته إلا في اللحظة التي يصبح فيها مستحيل الامتلاك، وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في السؤال الذي يطرحه الموتى:
يا أشقاءنا قولوا لنا
كيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
إن هذا السؤال لا يبحث عن تفسير لخرق قوانين الطبيعة، ولكنه يبحث عن تفسير لخرق العدالة الوجودية، فالماء هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، وإنما هو رمز للحياة والمعرفة والامتلاء، بينما يتحول العطش إلى صورة للنقص الوجودي الذي يعيشه المتكلمون، ولذلك فإن المرأة التي تمشي على الماء ليست شخصية واقعية بقدر ما هي تجسد إمكانية الاندماج الكامل بالعالم، في حين يقف الموتى خارج هذا العالم، عاجزين حتى عن ملامسة ما يرونه بأعينهم، إن السؤال إذن لا يدور حول كيفية المشي، وإنما حول كيفية استمرار الحياة في إنتاج معجزتها بينما يقف الإنسان محرومًا من أبسط حقوق المشاركة فيها، ومن اللافت أن الشاعر لا يمنح السؤال جوابًا، ولكن يواجهه بالصمت "لم يجيبونا" وهذا الصمت ليس مجرد امتناع عن الكلام، وإنما يمثل لحظة انقطاع المعرفة بين عالمين، عالم لا يزال قادرًا على رؤية الجمال، وعالم فَقَدَ القدرة على تفسيره، وهكذا يتحول السؤال إلى جرح مفتوح داخل القصيدة، وسيظل يتردد حتى خاتمتها دون أن يجد حلًّا؛ لأن قيمته ليست في الإجابة، ولكن في استمرار القلق الذي يولده.
بعد ذلك يدخل النص إلى فضاء المقبرة، لكن المقبرة هنا لا تُبنى بوصفها مكانًا للموت، بل بوصفها نظامًا لإعادة ترتيب الكائنات وفق منطق التجريد الكامل، وهو ما تكشفه الصورة القاسية في قول الشاعر:
فتحوا فوهة المقبرة
ورصُّونا كما يرصُّون البوص في الحقول
إن التشبيه هنا من أكثر صور القصيدة كثافة؛ لأنه يلغي الفروق الفردية بين البشر، ويحولهم إلى مادة متشابهة تُكدَّس كما تُكدَّس أعواد البوص، فلا يعود الإنسان ذاتًا تحمل اسمًا وتجربة، وإنما يصبح وحدة عددية داخل نظام مغلق، ومن ثم لا يعود الدفن طقسًا دينيًّا يكرم الموتى، ولكنه يتحول إلى إجراء إداري يختزل الإنسان إلى شيء يمكن ترتيبه ورصفه وإغلاقه داخل مساحة محددة، ويزداد هذا الإحساس حين يقول الشاعر:
وقرأوا تعاويذهم في آذاننا
وأسبلوا عيوننا
وخلعوا خواتمنا من أصابعنا
وأغلقوا المقبرة
فالخاتم هنا ليس زينة، وإنما علامة هوية، ولذلك فإن نزعه لا يعني فقدان قطعة معدنية، ولكن نزعه يعني فقدان الاسم والانتماء والذاكرة الشخصية، وهذا ما تؤكده العبارة اللاحقة مباشرة "لكننا لم نعرف أسماءنا بعد أن أخذوا خواتمنا كلها" إن العلاقة بين الخاتم والاسم تكشف أن الهوية ليست معطىً ثابتًا، وإنما شبكة من العلامات التي تحفظ للإنسان تميزه، وحين تُنتزع هذه العلامات يصبح الكائن عاجزًا حتى عن التعرف إلى نفسه، وهنا يبلغ النص واحدة من أكثر لحظاته الفلسفية عمقًا بقوله:
وتكلمنا بلسان الموتى
لكن الكلام كان بلا مجاز
وكان منقوصًا
فقد أخذوا ذكرياتنا من جيوبنا
إن هذه الجملة تمثل المركز النظري للقصيدة كلها؛ فالمجاز لا ينقص لأن البلاغة ضعفت، وإنما لأنه فقد مادته الأولى، أي الذاكرة، فالصورة الشعرية في هذا التصور ليست لعبة لغوية، بل هي الأثر الذي تتركه التجربة الإنسانية داخل اللغة، ولذلك حين تُصادَر الذكريات لا يبقى أمام الكلام سوى وظيفته الإخبارية العارية، فيتحول إلى خطاب مباشر فاقد للقدرة على الإيحاء والتجاوز، إن السمّاح عبد الله يعيد هنا تعريف المجاز تعريفًا وجوديًّا؛ فهو ليس انزياحًا عن المعنى، وإنما الامتداد الذي تمنحه الذاكرة للكلمات، وكلما اتسعت التجربة اتسع المجاز، وكلما تقلصت التجربة انكمش المجاز حتى يصبح الكلام ناقصًا، مهما بدا صحيحًا من الناحية اللغوية، ومن هذا المنطلق يكتسب ظهور الشخصية الوحيدة القادرة على إنتاج كلام مكتمل أهمية استثنائية؛ إذ يقول النص:
واحد منا قال كلامًا مكتملًا
فسألنا: وكيف استقام مجازك أيها المائت؟
أخبرنا أنه نجح في أن يخبئ ورقة من ذكرياته
في طيات القميص
إن الشاعر لا يجعل اكتمال المجاز نتيجة لموهبة لغوية، بل يجعله نتيجة لفعل مقاومة صغير تمثل في إنقاذ ورقة من الذكريات، وهنا يتحول الفعل البسيط، وهو إخفاء ورقة، إلى انتصار رمزي على مشروع المحو كله؛ لأن الورقة ليست وثيقة، بل الذاكرة في صورتها المادية الأخيرة، ولذلك فإن الموتى لا يطلبون منه أخبار العالم الخارجي، وإنما يسألونه:
وما شكل المساء؟
وكيف يفرح الأطفال؟
ومتى نربي الحنين؟
إن ترتيب هذه الأسئلة يكشف طبيعة ما فقدوه؛ فالمساء زمن للتأمل، وفرح الأطفال رمز لبداية الحياة، وتربية الحنين تعبير بالغ الإدهاش؛ لأن الحنين لا يُولد مكتملًا، بل يُربى كما تُربى الكائنات، أي إنه يحتاج إلى زمن وذاكرة وتجربة، وهكذا تتجلى الفكرة الأساسية في هذه الحركة من القصيدة، ليست اللغة هي التي تحفظ الذاكرة، ولكن الذاكرة هي التي تمنح اللغة قدرتها على إنتاج المجاز، ولذلك فإن انتزاع الذكريات ليس مجرد محو للماضي، وإنما هو إعدام مسبق للمستقبل اللغوي للإنسان، وهو ما يمهد للذروة التأويلية التي ستكشفها خاتمة القصيدة، حيث يتحول السؤال عن المرأة التي تمشي على الماء إلى السؤال النهائي عن إمكان استعادة المجاز نفسه بعد أن أصبح العالم كله منقوصًا.
اكتمال المجاز بوصفه استحالة، والمرأة التي تمشي على الماء باعتبارها أفقًا مؤجَّلًا للوجود
في الحركة الأخيرة من القصيدة يبلغ السمّاح عبد الله ذروة البناء التصاعدي الذي مهّد له منذ العنوان؛ فبعد أن انتقل من مصادرة الجسد إلى مصادرة الذاكرة، ومن الذاكرة إلى انكسار اللغة، يضع القارئ أمام السؤال الحاسم، وهو هل يمكن للمجاز أن يستعيد اكتماله إذا استعاد الإنسان شيئًا من ذاكرته؟ إن الإجابة التي يقدمها النص ليست مباشرة، وإنما تأتي عبر تفكيك هذا الاحتمال نفسه؛ إذ إن الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تنجو بورقة من ذكرياتها، والتي أصبحت مصدرًا وحيدًا للكلام المكتمل، تتعثر عندما تواجه السؤال الأكثر عمقًا في القصيدة، يقول:
وعندما سألناه:
وكيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
قال:
ليتني أعرف
إن هذه العبارة القصيرة تمثل لحظة الانقلاب الكبرى في الرؤية الشعرية؛ فالرجل الذي استطاع أن ينقذ اللغة من نقصها الجزئي لم يستطع أن ينقذها من نقصها المطلق، لقد استطاع أن يستعيد المساء، والأطفال، والحنين، لكنه عجز عن تفسير المعجزة التي تختزل العلاقة بين الإنسان والحياة، وهنا يكشف الشاعر أن الذاكرة، على ضرورتها، ليست كافية وحدها لإعادة بناء العالم؛ فهي تحفظ الصور، لكنها لا تمنح القدرة على امتلاك السر الكامن وراءها، ولذلك يبقى السؤال بلا جواب؛ لأن بعض الأسئلة لا تبحث عن معرفة، وإنما تكشف حدود المعرفة نفسها، ومن هذه النقطة تتجاوز القصيدة المستوى السردي كله لتصبح تأملًا في طبيعة الإدراك الإنساني، فالسؤال عن المرأة التي تمشي على الماء لا ينبغي أن يُقرَأ بوصفه صورة عجائبية أو استعارة صوفية فحسب، وإنما يُقرَأ بوصفه رمزًا لما يظل متعذرًا على الإنسان مهما امتلك من ذاكرة أو خبرة؛ فالماء في القصيدة ليس مجرد عنصر طبيعي، بل هو الحياة في حالة سيولتها المطلقة، وهو الزمن الذي لا يستقر، والوجود الذي لا يمكن القبض عليه، أما المرأة فإنها لا تُقدَّم باعتبارها شخصية ذات ملامح، وإنما باعتبارها تجسُّدًا للانسجام الكامل مع هذا الوجود، إنها تمشي فوق الماء دون أن تغرق، بينما يقف الموتى على الضفة الأخرى أسرى عطشهم، ومن ثم فإن المفارقة لا تقوم بين الحياة والموت، وإنما بين من يستطيع أن يعبر العالم دون أن ينكسر، ومن بقي محاصرًا بعجزه عن بلوغ تلك الضفة، ولهذا فإن الماء يوصف بأنه سلسبيل، وهي مفردة تستدعي في الذاكرة الثقافية دلالات النقاء والنعيم والارتواء، لكنها هنا تتحول إلى مصدر إضافي للألم؛ لأن العطش يصبح أشد قسوة كلما اقترب الماء من العين وابتعد عن اليد، إن الشاعر لا يخلق المأساة من الغياب، بل من حضور الشيء المستحيل، وهي تقنية تجعل القصيدة قائمة على توتر دائم بين الإمكان والرغبة، لا بين الامتلاك والفقد وحدهما، وعندما يقول النص "فعدنا إلى نومنا الذي رصُّونا فيه/ كما يرصُّون البوص في الحقول" يعود التشبيه الذي افتتح فضاء المقبرة، لكنه يعود وقد اكتسب دلالة جديدة؛ ففي ظهوره الأول كان الرصُّ تعبيرًا عن العنف الخارجي الذي تمارسه السلطة على الأجساد، أما هنا فإنه يصبح صورة لاستسلام الوعي بعد أن أدرك حدود قدرته على الفهم، إن العودة إلى النوم ليست راحة، ولكنها اعتراف بأن الأسئلة الكبرى ستظل معلقة، ولذلك فإن النوم نفسه لا يكتمل؛ إذ يضيف الشاعر مباشرة "لكن عيوننا كانت مفتوحة" وهذه الصورة من أكثر صور القصيدة تركيبًا؛ لأن العين المفتوحة داخل النوم تجمع بين حالتين متناقضتين: السكون واليقظة، والغياب والحضور، والموت والرؤية، إنها عين لا تستطيع أن تغير العالم، لكنها ترفض أن تتوقف عن تأمله، وهنا يبلغ النص ذروته الوجودية؛ فالمقاومة الأخيرة ليست في الحركة، ولا في الكلام، وإنما في الإبقاء على فعل الرؤية نفسه، حتى وإن أصبح الفعل بلا أثر عملي، إن العين المفتوحة هي آخر ما تبقى للإنسان بعد أن انتُزِعت منه الذاكرة والاسم والمجاز، ولذلك يصرُّ الشاعر على ألا يغلقها؛ لأن إغلاقها سيكون القبول النهائي بالمحو، ومن اللافت أن القصيدة لا تختم بصوت الموتى، ولا بصوت الراوي، وإنما بصورة واحدة معلقة:
على خلخالٍ
يرن في قدمي امرأةٍ
تمشي على الماء
ونحن عطاشى
إن الخلخال الذي ظهر في منتصف القصيدة يعود في نهايتها، لكنه لم يعد تفصيلًا بصريًّا داخل مشهد طبيعي، ولكنه أصبح بؤرة الدلالة كلها، فالسمع هنا يتقدم على البصر؛ إذ إن الموتى لا يملكون المرأة، ولا الماء، ولا القدرة على العبور، وإنما يملكون رنين الخلخال فقط، أي الأثر الموسيقي البعيد للحياة، وبهذا يتحول الصوت إلى ما يشبه الذاكرة الأخيرة التي استعصت على المصادرة، لقد أُخِذت الأوراق، والذكريات، والخواتم، لكن الرنين بقي؛ لأنه لا يُختزن في الجيب ولا في الإصبع، وإنما في الوعي الذي يرفض الانطفاء، ومن هنا يكتسب الرمز بُعْدًا بالغ العمق؛ فالحياة لا تعود في صورة يقين، وإنما في صورة أثر، ولا تعود باعتبارها امتلاكًا، وإنما باعتبارها اشتياقًا دائمًا، ولعل أهم ما يميز هذه الخاتمة أنها ترفض الإغلاق التقليدي، فلا توجد حكمة نهائية، ولا كشف أخير، ولا حل للمفارقة التي بنت القصيدة عليها عالمها، بل إن الشاعر يتعمد أن يعيد القارئ إلى السؤال نفسه الذي ظل يتردد منذ منتصف النص، وكأن القصيدة تتحول إلى دائرة تأويلية لا تنتهي، وهذا ما يجعل عنوان "مجاز منقوص" يستعيد معناه الأخير؛ فالنقص هنا لم يعد نقصًا في العبارة، ولا في الذاكرة وحدها، ولكنه أصبح السمة الملازمة للوجود الإنساني نفسه، فكل محاولة لاكتمال المجاز تصطدم بسرٍّ لا يُدرَك، وكل محاولة لاكتمال المعرفة تنتهي إلى عبارة الرجل الوحيد "ليتني أعرف" وهكذا ينجح السمّاح عبد الله في تجاوز المباشرة الرمزية إلى بناء رؤية شعرية تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع البنية البلاغية للنص، بحيث يصبح المجاز نفسه معيارًا لدرجة حضور الإنسان في العالم، فإذا كانت السلطة قد استطاعت أن تصادر الأسماء والذكريات فإنها لم تستطع أن تصادر السؤال، ولم تستطع أن تمنع العيون من أن تبقى مفتوحة على ذلك الرنين البعيد، رنين الخلخال الذي يغدو، في خاتمة القصيدة، آخر استعارة ممكنة للأمل، وآخر دليل على أن الحياة، مهما ابتعدت، تظل قادرة على استدعاء الإنسان إليها، حتى وهو مرصوص في ظلام المقبرة، وحتى وهو يدرك أن اكتمال المجاز سيظل مؤجَّلًا بقدر ما يظل الوجود نفسه مشروعًا لا يكتمل.
مجاز منقوص
شعر: السمّاح عبد الله
أخذونا إلى المقبرة قبل مواعيدنا المعلومة
أخذونا بلا أكفان
ولا نعوش
لم تكن أجسامنا كبيرة بالقدر الذي يُعجز القمّاشين
ولم نكن ثقيلين بحيث يتعب الناس في حمل نعوشنا
كنا خفافا
وكنا نحيلين جدا
قلنا لهم:
ثمة أشجار كان علينا أن نتسلقها
وبحار كان ينبغي أن نركبها
وخطايا لم نرتكبها كما يليق بالرجال المائتين
لكنهم لم يسمعوا لنا
كانوا في عجلة من أمرهم
حتى أنهم كانوا يسرعون الخطا
وهم يشدوننا في الطريق الضيقة التي أصروا أن يمشوا بنا فيها
سندونا بين أذرعهم
فمشينا معهم كما يمشي الأحياء
بعد أن أفرغوا جيوبنا من سجائرنا
وأوراقنا
وذكرياتنا
وأيامنا الطوال
ولأننا كنا موتى
لم تكن خطانا قادرة على أن توازي خطواتهم المسرعة
كنا نجتهد أن نضبط إيقاع الخطوات
لكن ما حيلتنا ومواقيتنا نفدت
وعندما مروا بنا على حواف القرية
رأينا شمسةً صغيرة تطلع من خلف التلال
حتى أن شواشي النخيل كانت تبرق
وحتى أن عيون العصافير كانت تلمع
وثمة امرأة كانت تعبر النهر حافية
ورأينا خلخالها يرترن مع خرير الماء
قلنا:
يا أشقاءنا قولوا لنا
كيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
لم يجيبونا
وإنما فتحوا فوهة المقبرة
ورصونا كما يرصون البوص في الحقول
وقرأوا تعاويذهم في آذاننا
وأسبلوا عيوننا
وخلعوا خواتمنا من أصابعنا
وأغلقوا المقبرة
في البداية تحسسنا الجنبات
حتى عرفنا مواقعنا في الظلام
لكننا لم نعرف أسماءنا بعد أن أخذوا خواتمنا كلها
وتكلمنا بلسان الموتى
لكن الكلام كان بلا مجاز
وكان منقوصا
فقد أخذوا ذكرياتنا من جيوبنا
واحد منا قال كلاما مكتملا:
فسألنا:
وكيف استقام مجازك أيها المائت؟
أخبرنا أنه نجح في أن يخبيء ورقة من ذكرياته
في طيات القميص
فهللنا
وكنا نتوجه إليه بالأسئلة:
وما شكل المساء؟
وكيف يفرح الأطفال؟
ومتى نربي الحنين؟
وكان يجيبنا بمجاز مكتمل
وعندما سألناه:
وكيف تمشي امرأة على الماء
والماء سلسبيل
ونحن عطاشى؟
قال:
ليتني أعرف
فعدنا إلى نومنا الذي رصونا فيه
كما يرصون البوص في الحقول
لكن عيوننا كانت مفتوحة على خلخالٍ
يرن في قدمي امرأةٍ
تمشي على الماء
ونحن عطاشى.