د. أحمد الحطاب - هل بإمكان الرياضة، وبالضبط، كرة القدَم أن تحلَّ محلَّ السياسة؟

كَثُرَ الكلام عن انتقال فوزي لقجع من عالم الرياضة، وبالضبط، من عالمِ كرة القدم إلى عالم السياسة. والكلام الذي راج، في شبكات التواصل الاجتماعي، هو أن فوزي لقجع، بعد نجاحِه نجاحاً باهِراً في رئاسة الفدرالية الملكية لكرة القدم، سينتقل، كوزير غير مُنتَمي، إلى حزب الأصالة والمعاصرة، ليس فقط، كعضوٍ أو قيادي في هذا الحزب، لكن كمُرشَّح لرئاسة الحكومة المُقبلة، في حالة إذا تصدَّر نفسُ الحزب الانتخابات التشريعية التي ستُنظِّمها البلاد بتاريخ 23 شتمبر المُقبِل.

لا أحد يُنكِر ما قام به من مجهودات وما حقَّقه من إنجازات، من خلال رئاستِه للجامعة الملكية لكرة القدم. وهذه المجهودات والإنجازات عادت بالنفع على مجال كرة القدم من حيث نجاح المنتخبات الوطنية المغربية في بلوغ أرقى الدرجات، قارياً ودولياً. والنجاح لا يهم، فقط، منتخبات الكبار. بل يهمُّ، كذلك، مُنتَخبات مختلف الفئات العمرية. ويهمُّ، كذلك، كرة القدم داخل القاعة وكرة القدم النسوية.

ولعل أحسن الإنجازات التي تمت، في ظل رئاسة فوزي لقجع للجامعة الملكية لكرة القدم، هي وصولُ منتخَب الكبار إلى نصف نهائي كأس العالم بقَطَر سنة 2022 وحصول منتخب الشباب على الميدالية البرونزية، في الألعاب الأولمبية التي نظمتها فرنسا بباريس، وحصول منتَخَب أقل من عشرين سنة على كأس العالم بالشيلي Chili بأمريكا الجنوبية.

دون أن ننسى ما حقَّقه المغرب من تطويرٍ للبِنيات التحتية حيث جدَّد بعض الملاعب، وعلى رأسها ملاعب الرباط وطنجة ومراكش وأكادير، كما ينوي بناءَ أكبر ملعب ببنسليمان بالقرب من مدينة الدارالبيضاء، وذلك، حسب ما تقتضيه معاييرُ الكُنفدرالية الإفريقية لكرة القدم والفيفا FIFA.

إلى جانب العمل الدبلوماسي الذي يقوم به فوزي لقجع ضامناً حضور المغرب في الهيئات الكروية القارية والدولية، إضافةً إلى ترتيب منتخب الكبار في المرتبة السادسة بعد نهائيات مونديال 2026 بالولايات المتحدة والمكسيك وكندا. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا هنا، هو : "هل النجاح في عالم الرياضة، وبالضبط، في عالمِ كرة القدم، يضمن النجاحَ في عالم السياسة؟".

إنه، بالفعل مسارٌ ناجِحٌ، بامتياز، ويستحِقُّ أن يُصفِّقَ له جميع المواطنين بافتخارٍ والرأس المرفوع، وخصوصا، أن هذا النجاح يُعدُّ الفرصة الوحيدة التي تدفع المغاربة (رجالاً ونساءً) إلى الافتخار ببلدهم. لكن السؤالَ الذي، من واجب كل مواطنٍ أن يطرحَه على نفسِه، كما سبق الذكرُ، هو الآتي : "هل النجاح في عالم الرياضة، وبالضبط، في عالمِ كرة القدم، يضمن النجاحَ في عالم السياسة؟".

الجواب على هذا السؤال، هو أن النجاح غير مضمون لأن تدبيرَ الشأن الكُروي مختلِف عن تدبير الشأن العام. "فما هو هذا النجاح الذي كَثُر عنه الكلام في شبكات التواصل الاجتماعي؟".

أي رئيسٍ للحكومة، سواءً كان فوزي لقجع أو شخصٌ آخر، لينجحَ في مهامه، عليه أن يُوفِّرَ كل الظروف :

1.للنجاعة الاقتصادية l'efficacité économique. بمعنى أن اقتصادَ البلاد يجب أن يكونَ وطنياً، أي يوفِّرُ النموَّ الذي تستفيد منه جميع الشرائح الاجتماعية. وكذلك، أن يوفِّرَ مناصب الشغل، وبالأخص للشباب.

2.أن يضمَن كرامة العيش le bien-être social لجميع المواطنين، من خلال توفير الخدمات، وعلى رأسها، التعليم والصحة والأمان la sécurité…

3.تعزيز الانتقال الديمقراطي la transition démocratique، من حسنٍ إلى أحسن، وذلك، بأن يكونَ المواطنون (رجالاً ونساءً) متساوين أمام القانون. وأن تعمَّ الشفافية في تدبير الشأن العام، وأن تُحترمَ الحريات الفردية والجماعية…

وباختصار شديد، ما هو مطلوب من رئيس الحكومة المقبل، سواءً كان فوزي لقجع أو شخصٌ آخر، هو، بالضبط، ما لم تنجح الحكومات المُتعاقِبة على تدبيرِ الشأن العام، في إرسائه منذ الستينيات.

فهل باستِطاعة فوزي لقجع، كرئيسٍ للحكومة المُقبِلة أن :

1.يواجهَ، بصرامة، لوبيات الفساد الاقتصادي والسياسي؟ علماً أن هذه اللوبيات لها ما يكفي من النفوذ الاقتصادي وحتى السياسي. وفساد هذه اللوبيات يتمثَّلُ في الغش والهروب الضريبيين.

2.يحوِّلَ اقتصادَ البلاد من اقتصاد ريعي une économie rentière تستفيد منها أقلية une oligarchie، إلى اقتصادٍ وطني une économie nationale يستفيد جميع المواطنين من الثروة التي يُنتِجها سنوياً؟

3.يقضيَ، في وِلايته، على الأسباب التي تعرقِل تنميةَ البلاد، وعلى رأسها، الفقر la pauvreté والأمية l'analphaɓétisme، أو على الأقل، التَّخفيف من الانعكاساتِ السلبية لهذه العرقلة؟

4.يتحكَّمَ، من خلال السياسات العمومية، في التّضخٌّم l'inflation الذي عانى ويُعاني منه المواطنون، معاناةً شديدةً، في ظل الحكومة الحالية؟

5.يتحكَّمَ، من خلال التَّوزيع العادل والمنصِف للثروة التي يُنتِِجها اقتصاد البلاد، أن يقضيَ، ولو بالتَّدريج، على الفوارِق الاجتماعية الاجتماعية والمجالية الموجودة بين المواطنين والجهات…

أنا، شخصيا، أقول من الصعب جدا أن يحقِّقَ فوزي لقجع، كرئيسٍ للحكومة أو شخصٌ آخر، كل هذه المطالب في ظرف وجيز لا يتعدى خمس سنوات. وحتى لو تم رجوعُه إلى رئاسة الحكومة، يلزمه وقتٌ طويلٌ لتحقيقِ هذه المطالب. ما يمكن أن يفعلَه هو بدءُ مسيرة تحوُّل البلاد من بلدٍ سائر نحو الديمقراطية إلى بلدٍ ديمقراطي.

التاريخ بيَّن ويُبيِّن بأن مسيرة البلدان نحو الديمقراطية ليست خطية linéaire. بل يتخلَّلها الأخذ والرد والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولهذا، فالمرورُ من مرحلة الانتقال الديمقراطي إلى بلدٍ ديمقراطي، يلزمه عدة عقود plusieurs décennies.

مثلا، بغض النظر عن النظام السياسي الذي، بموجبِه، يتم حكمُ البلاد، سنغافورة تطلّب تحويلها من بلدٍ مُتخلِّفٍ إلى بلد متقدِّمٍ ثلاثين سنة. بينما كوريا الجنوبية التي كانت في الستينيات شبيهةً، اقتصادياً، بالمغرب، تطلَّبَ تحويلها من بلدٍ في طور النمو إلى بلدٍ نامي اقتصاديا، صِناعياً، علمياً وتكنولوجياً، مدةً تتراوح بين 30 سنة و 35 سنة.

ولهذا، إن كان فوزي لقجع هو رئيسُ الحكومة المقبلة، فما عليه إلا أن يكون أول مَن حاول تحويلَ المغرب من بلدٍ سائرٍ في طور النمو pays en développement إلى بلد نامي un pays développé، أو على الأقل، تحويلُه إلى مصاف البلدان الصاعدة pays émergents. مثله مثل "لي كوان يو" (Lee Kwan Yew)، رئيس وزراء حكومة سنغافورة الذي حوَّل البلادَ من بلد مُتخلِّفٍ إلى بلد حديثٍ un pays moderne. حينها، سيذكره التاريخُ والمواطنونَ. بل سيُلقِّبونه ب"مُنقد البلاد".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...