فاتن فاروق عبدالمنعم - الصليبيون الجدد (14) الطريق القويم للنصر:

(14)
الطريق القويم للنصر:

في الوقت الذي يتبارى فيه إعلام الرايات الحمر في نعت المسلم الملتزم بالدين بسيء الصفات وقبيحها سواء في الدراما أو من خلال البرامج أو المسرحيات.......إلخ وهذا دأبهم منذ الرعيل الأول لأن هذا هو الدور المنوطين به منذ البداية، ولكنه في البدء كان يتم على مهل دون أن تشعر، أما الآن فهم يعانون من سعار سب الإسلام وآله، أثنت كارين على إلتزام صلاح الدين دينيا وعدته بداية اعتدال الميزان والمؤشر الدال الواضح على سلك الطريق القويم الذي به بلغ النصر المدوي ولما لا وهو من استقى منهاجه من لدن خبير حكيم متبعا الآية:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد
وهو من انتصر لله ولم ينتصر لغيره حتى لو ادعى المنتكسون في زماننا غير ذلك، ولا غرو فهم منتكسون.
خبر صلاح الدين طبيعة المرحلة والواجب عليه فعله فلم يكن يتحدث إلا عن تجهيز الجيش والعتاد والمعدات ولا يتجاوب إلا قليلا مع من يتحدث عن أي شيء آخر
(في زماننا ما أكثر المواد التي صممت للإلهائنا وصرف اهتمامنا عن النار التي تقترب منا وبكل أسف نستجيب كأن على أعيننا غشاوة وفي آذاننا وقر)
وعن صلاح الدين الذين جروه جرا للجيش تقول كارين:
"فحبا بالحرب المقدسة في سبيل الله، ترك أسرته وأبناؤه، وغادر دياره ومنزله وأملاكه، واختار من كل العالم أن يعيش في ظل خيمته حيث تهب عليه الريح من كل جانب"
لم يكن يغادر الجبهة حتى وهو متوعك وهذا كان يحدث كثيرا نظرا لاعتلال صحته (لم يكن صحيحا بنسبة مائة بالمائة ولم يمثل هذا عائقا يحول بينه وبين قيادة الجيش) فخلق في جيشه شعورا بالتلاحم ووحدة الهدف.
مازالت تتحفنا بالقول عن ما فعل الالتزام الديني بصلاح الدين ومن ثم بالأمة كلها:
"وقد فكت هدايته الدينية ولا شك عقدة رهبته السابقة، وفجرت مخزون القوة الذي لم يكن أحد ولا هو نفسه يعرف أنه يملكها، لقد أضحى الآن رجلا قويا مرهوب الجانب"
مروق وثبوت:
صلاح الدين الذي قاد جيش التحرير لم تكن أرضه ممهدة بل ملغمة بالعوائق التي لو لم يتعامل معها بحكمة لقادته ومعه الأمة إلى منعطف مغاير لما انتهى إليه تماما، فهو بين الخلافة العباسية المتداعية بشكل ينبيء بسقوطها الحتمي، والخليفة الفاطمي الشاب العاضد لدين الله الذي ارتبط بصلاح الدين بعلاقة طيبة على عكس ما هو شائع، في الوقت نفسه فإن عمه نور الدين محمود الذي هو سلطان الأيوبيين والذي نجح في جمع عوام المسلمين حوله بعد أن أحيى فريضة الجهاد التي قادتهم لأول مرة للانتصار على الصليبيين بعد قدومهم بخمسين عاما، نور الدين أمر صلاح الدين بفرض الإسلام السني على مصر عنوة خاصة وأن الفوارق بين الشيعة والسنة ليست كما هي الآن بينما هو يخشى عواقب ذلك، ويخشى الحرب تحت قيادة عمه المختلف مع الخليفة الفاطمي فتضيع قضية التحرير بسبب الخلافات السياسية وهو الذي آمن واعتقد أن مجيئه إلى مصر كان اختيارا إلهيا وقد ارتضاه بتبني عقيدة الجهاد كي يبلغ النصر المنشود، ولم يسعه الموقف المتذبذب إلا الرد بالحسم السريع كي يخلق أمر واقع يكون فيه هو المتحكم ولا سلطان عليه من أحد، فأخمد تمردا وشيكا بالجيش المصري (ذو القيادة الشيعية) وصد هجوما مسيحيا من جانب أمالريك والامبراطور مانويل، فكانت هذه بمثابة دعائم تغيير المذهب في مصر من شيعة إلى سنة دون الاصطدام المفضي إلى حرب أهلية، وأفلت صلاح الدين من أمرة عمه نور الدين الذي ارتآه متمردا عليه وكادت أن تحدث مواجهة بينهما لولا التدخل الإلهي بموت عمه نور الدين في عمر الستين بنوبة قلبية، ليبقى صلاح الدين قائدا لا سلطان عليه ويتأكد له أنه اصطفاء من الله ليقود معركة التحرير.
لم يكن استقامة أمر صلاح الدين بالشيء الهين إذ الخلافات مستعرة في الشام بأحقية الصالح ابن نور الدين (الذي يبلغ من العمر إحدى عشر عاما) حبا في أبيه ولكن صلاح الدين الذي عني بالجيش وعوام الناس والإغداق على الفقراء صبر واستطاع بحكمته كسب حب الناس الذين استقبلوه استقبال الفاتحين لدى دخوله حلب بعد موت الصالح نور الدين.
كتلة موحدة:
ما من قائد ناجح إلا ويعزى نجاحه إلى كونه محدد الهدف واضح الرؤية، يرى ببصيرة نافذة نتائج ما يعزم عليه ويطمح في بلوغه وأثره في المستقبل القريب والبعيد، لذا مازلنا نذكر فعله حتى الآن، وصلاح الدين الذي بلور كتلة مقابل الكتلة الصليبية عني بتجهيز الجيش والإحاطة به بالكلية، فكان اهتمامه بالشحن الإيماني للجند يماثل أو لا يقل عن العناية بالعدة والعتاد والأفراد، فكان يهتم بالتدريس لهم العلم الشرعي من القرآن والحديث والفقه وإفهامهم طبيعة قضية التحرير وإعلاء قيمة الجهاد بوصفه مقوما أساسيا لكمال الإسلام وسلامته، ليجلي داخلهم وينقيه فيكون الولاء والبراء لله فقط لا تشوبه نوايا دنيوية تفسد على الجموع الهدف الذي من أجله يجتمعون الآن بعد بذل الجهد الجهيد حتى بلوغ منعطف يرتضوه ومنجز زادهم شعورا بالقوة والثقة بالنفس.
وفي غضون ذلك تقول كارين:
"ولأول مرة في تاريخها وجدت الدويلات الصليبية نفسها محاطة بإمبراطورية إسلامية موحدة مترامية الأطراف وعاقدة العزم على تدميرها، فكيف سيكون رد فعلها يا ترى؟"
وبرز هنا السؤال لدى كارين عن وضع المسيحيين الذين أصبحوا معزولين كليا في وسط معادي بالشرق الأوسط كما الكيان الغاصب لفلسطين الآن، والمفروض أن يرفدهم الغرب وأوروبا بعامة بحملة صليبية جديدة تؤازرهم غير أن الهزيمة التي منيت بها الحملة الصليبية الثانية آثارها ماثلة بينهم بعد أن نظم المسلمين صفوفهم وتبنوا عقيدة الجهاد التي بها بدأو باسترداد الممالك الصليبية وأوجعت الصليبيين، فتراجع قطاع غير قليل من المتحمسين فلم يرسلوا الحملة المنشودة غير أن الباباوات مازالوا يمدونهم بخطب من كونهم حتما منصورون على الكفار البربر لأنهم هم أبناء الرب الذي لن يتركهم يهزموا مرة أخرى.
ولنا هنا وقفة:
كارين أرمسترونج أثنت على عقيدة الجهاد التي عاد إليها المسلمون لأول مرة بعد احتلال صليبي دام خمسين عام فوضعوا أنفسهم على الطريق.
أخبار المارد المسلم الجديدكما سمته هي (صلاح الدين) المتبني للجهاد أرعب أوروبا التي رفضت إرسال حملة صليبية ثالثة حتى حين.
القضايا الكبرى كتحرير الأرض لا يتبناها ولا يقوى عليها اللصوص والانتهازيون والمخنثون والسحاقيات والزواني الذين فاض رضابهم وكل من ينحني ليلعق ما بين فخذي المومس الفاضلة، فهؤلاء وبلا شك بلا مروءة ولا دين وهم دعائم المحتل وصوته بيننا مهما ادعوا غير ذلك، يهلون علينا بتجمعات ومسميات كثيرة بينما هم أول الساجدين للمحتل السجود لله الذي ينكرونه، وبكل أسف هؤلاء أصبحوا كثر ويتبجحون علينا بمطالبتهم بممارسة فحشهم علنا بل وتقنينه بما ينذر بهلاكنا ما لم نتصدى لهم بكل السبل، فهذه لا تنفصل عن تلك، لأن إصلاح ذات البين كما فعل صلاح الدين هو البداية التي يرضاها لنا الله
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال
وللحديث بقية إن شاء الله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...