محمد محضار - باب لمريسة

اختفى المهدي، اختُطف المهدي، وبقي بقَرُ علال تائهاً بين المراعي والمداشر
والجبال والسهول،يجترُّ تاريخاً مهترئاً. ً
كن يجلس بمقهى ضارب في القدم مواجه لباب المريسة، مردداً بيت الشاعر
العباسي البحتري:
عَلَيَّ نَحـتُ القَوافـي مِن مَقاطِعِها ... وَمـا عَلَيَّ لَهُم إِذا لَم تَفهَمِ البَقَرُ
يمد رجليه وهو يرتشف من كأس الشاي الشمالي المنعنع، سادراً ببصره نحو
الباب التاريخي، منتظراً حضور صديقيه: عمر البحراوي، وحسن بن التايك.
موعدهم كان شبه يومي بعد العصر، وحديثهم يكاد ينحصر في استعادة الماضي وتفكيك تفاصيله؛ فتارةً تغلب عليه الذاتية والعاطفة، وتارةً أخرى تهيمن عليه
الموضوعية المشفوعة بمقاربات نقدية تستند إلى سياقات الوضع السائد حالياً.
كان هو أكبرهم سناً، إذ يوشك على إتمام عقده الثامن وهما في منتصفه، وكانا
يلقبانه بـ«الحكيم»؛ لأنه قضى سنوات طويلة مناضلاً ومدرساً بمختلف مراحل
التعليم الممتدة من الابتدائي إلى الجامعي. كما أنه دخل السجن خلال فترتي
الاستعمار وما بعد الاستقلال، وحتى وهو في أرذل العمر، ظلت نزعة التحدي
والرفض حاضرة بقوة في تعامله مع محيطه."
لم يطل انتظاره حتى حضر صديقاه على التوالي وأخذا مكانهما بمواجهته، حدق
بهما ثم ابتسم وقال بنبرة ساخرة:
-تأخرتما عن موعد حضوركما المعتاد أكثر من اللازم، ماذا منعكما أيها
الشريران؟
رد حسن بن التايك بصوت متهكم :
-التأخر في الحضور لا يعني بأي حال يا سيد درويش أننا ننتمي لعصبة
الأشرار .
وأيد كلامه علال ، بحركة استنكارية من رأسه ثم قال :
-نحن نسميك الحكيم، والحكمة تقتضي ألا تصدر أحكام قيمة
ضحك بملء فيه وقال:
-هذه ليست أحكام قيمة، بل مجازات ولعبة ألفاظ واستفزاز لروح الدعابة الكامنة
شاركه صديقاه ضحكَه، متجاوزين شغبه المقصود، وسأله عمر البحراوي:
هل من جديد عن المهدي؟
رد بصوت تشوبه نبرة ساخرة:
أي المهديين تعني؟ المنتظر أم ابن تومرت؟
سايره عمر في لعبة التلاعب بالألفاظ والمعاني وقال:
بل ذاك الذي يحمل شارعٌ اسمه في الرباط، ويمتد بين حي السويسي وحي
الرياض
ما يسعده كثيراً هو هذا التجاوب السريع من صديقيه، وقدرتهما على مسايرته في البحث عن المعنى التواصلي للكلمات الذي يتجاوز معناها الحرفي، ويقوي
الاستلزامَ الحواري الذي يُعْنَى بالمعاني المستنتجة التي تتجاوز التصريح المباشر وتُفهم من خلال السياق. ورغم كون عمر طبيباً سابقاً للجهاز العصبي، وحسن
مهندسَ قناطرَ متقاعداً، كانت لديه دائماً قناعة بأن الإنسان خُلق ليَتعلّم ويُعلّم،
ويتقاسم الأفكار؛ لصقل الرؤى، وتفكيك روافد الابتكار والإبداع، وتحويل
الإشارات الذهنية إلى حقائق محسوسة تصنع الرفاهية وتسعد البشرية.
كسر درويش الصمت الذي كان يهيمن على المكان وقال:
المهدي لم تعد ذكراه ترِد إلا لماماً، أما علال فلا يُذكر إلا مع إرثه الفكري والثقافي، وأحياناً بترديد نشيد الحزب:
مغربنا وطننا روحي فداه ... ومَن يَدُسْ حقوقه يَذُقْ رَداه
دمي له، روحي له ... وما ملكتْ يدايَ في كل آن
للحرية جهادنا حتى نراها ... والتضحية سبيلنا إلى لقاها
قاطعه حسن بن التايك:
وماذا عن بقر علال يا حكيم؟
ردّ الحكيم ساخراً:
-البقر غيّر النهج وصارت له صفات البشر، انتهى زمن القطيع وبدأ عهد العقل والتفكير، لم يعد أحد يثق بتجار الشعارات ولا بسادة الظلام.
فعلاً تغيرت الأحوال، وتبددت سذاجة الأمس، ولم تعد حيل السياسيين ولا تجارة الدين تجدان صدى عند أجيال تواقة للتحرر والتخلص من ربقة الخطب الرنانة، التي لا توفر الخبز لجائعٍ ولا العلاج لمريض. لكن المعضلة الكبرى تكمن في
اللامبالاة التي تواجه بها الأجيال الحالية هذا الوضع، رغم وعيها العميق،
وقدرتها الكامنة على وأد ظواهر الفساد المتفشية في النخب السياسية، وبعض
الجماعات التي تتاجر بمآسي العباد والبلاد.
مساره الأكاديمي أتاح له فرصة التعامل مع أجيال متعددة، تباينت أفكارها
وتعددت رؤاها وتطلعاتها، لكنها تلتقي في نقطة واحدة، وهي روح الابتكار
والرغبة في تطوير مهاراتها الذهنية واليدوية بشكل يسمح لها بالاندماج في سوق العمل بأسرع وقت. قليلون هم الذين يطمحون إلى دخول مجال البحث العلمي
لحل مشكلات المجتمع المستعصية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، والمساهمة في صناعة القرار. كان دائماً يحاول أن يطور لديهم الفكر النقدي؛ باعتباره المحرك
الأساسي لتقدم المجتمعات، ويشجعهم على تحويل الأفكار النظرية إلى منتجات
تكنولوجية وصناعية، ومشاريع ريادية ناشئة.
أيقظه من سهوه صوت صديقه حسن بن التايك، وهو يتساءل:
أين سافرت يا حكيم؟
ضحك درويش وهو يحدق في وجهي صديقيه، ثم قال:
هي لحظة انفلات ذهني، وتساؤلات مرت عابرة كنسمة هواء عليلة.
ثم تابع وهو يمد رجليه على الكرسي المواجه له:
عذراً إن مددت رجليَّ في حضرتكما، فأنا أشعر ببعض الوجع في الركبتين
و الكاحلين.
قاطعه عمر قائلاً:
هذه أعراض تيبس المفاصل، تحتاج فقط إلى استخدام بعض المكملات الغذائية
الطبيعية، التي تلعب نفس دور مضادات الالتهاب غير الستيرويدية.
رد الحكيم بصوت تشوبه نبرة تساؤل:
ربما كانت أعراضَ مرض النقرس، الذي عانيت منه في السابق؟
استدرك عمر البحراوي:
سأكتب لك بعض التحاليل لمعرفة نسبة حمض اليوريك، وبروتين (سي) التفاعلي لمعرفة درجة الالتهاب، وبعد ذلك نحدد طريقة العلاج.
افتر ثغر الحكيم عن ابتسامة ماكرة وقال:
-لا يصلح العطار ما أفسد الدهر، وللسن أحكامه التي لا نستطيع تجاوزها."
تدخل حسن بن التايك ملوحاً بيديه:
-يا حكيم، نحن نعتبرك معلمنا وقدوتنا، وأنت كنت دائماً مفكراً وقامة علمية نعتز بمساهماتها في تربية الأجيال، وما وصفه لك الدكتور عمر ليس عطارة، بل نتاجٌ لأبحاث ودراسات علمية وتجارب سريرية دامت سنوات.
رد درويش ممتناً:
عذراً صديقيَّ، أحياناً تنتابنا حالة من الاستسلام تتسبب في قولنا أي شيء يخطر على البال، لا تنسَيا أنني إنسانٌ قبل أن أكون أستاذاً أو مفكراً.
صدحت المآذن معلنة دخول وقت صلاة العصر، نظر درويش إلى باب
المريسة فبدا له سامقاً شامخاً، وكان وجع ساقيه قد خفّ بعض الشيء.
دخول وقت



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...