عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عندما غاب زوربا... حضر المعطف

قبل دقائق قليلة من الإغلاق المسائي، دخلت تلك الفتاة مسرعة، وكأنها تخشى أن يسبقها الليل إلى باب المكتبة ؛ كانت تحمل في عينيها لهفة قارئة تعرف تماما ما تريد، فتقدمت نحوي وقالت دون مقدمات: أبحث عن رواية "زوربا اليوناني" لنيكوس كازانتزاكيس.
فتشت في الرفوف، ثم اعتذرت لها بابتسامة خفيفة ، لم تكن الرواية في مكانها ، فخيم على وجهها شيء من الخيبة، وكأن موعدا طال انتظاره قد تأجل إلى إشعار آخر.
همّت أن تذكر اسم رواية أخرى، فقاطعتها قائلا: إذا لم تجديها هي أيضا، فسأقترح عليك رواية بديلة ، جميلة تستحق أن تُقرأ.
ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الفضول بالثقة، وقالت: قبل أن أطلب الرواية التي جئت من أجلها، أخبرني باقتراحك أولا ، لقد أثرت فضولي.
قلت: "المعطف" لنيكولاي غوغول.
لم أتحدث عن أحداثها، ولم ألخص فكرتها، ولم أحاول إقناعها بشيء ، اكتفيت باسمها فقط ، فبعض الكتب يكفي أن يُنطق عنوانها حتى يبدأ سحرها.
قالت على الفور: سمعت عنها من قبل ، إذن أعطني إياها ، لقد شوقتني إليها، وأضف معها رواية "الغريب" لألبير كامو.
ناولتها الروايتين ، فاحتضنتهما كما يعانق المرء موعدا سعيدا لم يكن في حسبانه، اتسعت عيناها ببهجة ونور ، ثم غادرت المكتبة وهي أكثر فرحا مما دخلت.
عندها أيقنت مرة أخرى أن القارئ لا يخسر حين لا يجد الكتاب الذي جاء يبحث عنه، إذا قاده غيابه إلى كتاب آخر كان ينتظره في صمت ، فكم من كتاب غاب عن الرف، ليحضر في المقابل كتاب غيّر حياة قارئ، وكم من خيبة صغيرة عند باب مكتبة، كانت بداية صداقة طويلة مع كتاب لم يكن في الحسبان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...