علي سيف الرعيني -| السيرة التي تصنع الإنسان !!

لا توجد خانة في السيرة الذاتية تُكتب فيها عدد المرات التي قاومت فيها اليأس ولم تستسلم، ولا مساحة تُذكر فيها الليالي التي سهرتها وأنت تكافح لتنهض من كبوة ظننت أنها النهاية. لن تجد مكانًا تكتب فيه أنك حفظت أسرار الناس، أو أنك وقفت إلى جانب صديق في أشد لحظات ضعفه، أو أنك اخترت الصدق حين كان الكذب أقرب إلى المنفعة
هذه التفاصيل لا تمنح صاحبها شهادة، لكنها تمنحه قيمة
كم من إنسان يحمل أعلى المؤهلات، لكنه يعجز عن احترام الآخرين، أو الوفاء بوعد قطعه، أو تحمل مسؤولية خطأ ارتكبه. وفي المقابل، هناك أشخاص لم ينالوا من الشهادات إلا القليل، لكنهم كسبوا احترام الجميع لأن أخلاقهم كانت أكبر من أي لقب، ولأن أفعالهم كانت أبلغ من كلماتهم.
إن الحياة لا تختبرنا دائما بما نعرف، بل بما نفعل عندما نصبح تحت الضغط. ففي لحظات الأزمات، لا يتقدم إلى الواجهة صاحب السيرة الأكثر امتلاءً، بل صاحب الضمير الأكثر يقظة، والعقل الأكثر اتزانًا، والقلب الأكثر رحمة
لقد اعتدنا أن نقيس نجاح الإنسان بما يملك من أموال أوبما وصل إليه من مناصب، بينما الحقيقة أن هناك نجاحًا آخر أكثر عمقًا، يتمثل في القدرة على البقاء إنسانًا مهما تغيرت الظروف. فالمنصب قد يُمنح، والثروة قد تُكتسب، أما النزاهة فلا تُشترى، والثقة لا تُنتزع بالقوة، والاحترام لا يُفرض، بل يُبنى عامًا بعد عام
وفي بيئات العمل، كثيرا ما يُلاحظ أن الموظف الذي يعتمد عليه الجميع ليس بالضرورة الأكثر خبرة وإنما الأكثر التزامًا، والأكثر صدقا والأقدر على التعاون وتحمل المسؤولية. فالمؤسسات لا تستمر بالكفاءات العلمية وحدها بل تستمر أيضًا بالقيم التي تحكم سلوك العاملين فيها
والأمر ذاته ينطبق على العلاقات الإنسانية. فالناس لا يتذكرون دائمًا كم كنت ذكيا أو كم ربحت من المال، لكنهم يتذكرون كيف عاملتهم، وكيف وقفت معهم، وكيف جعلتهم يشعرون بالأمان والاحترام
لذلك، ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهوم النجاح. فليس كل ما يُكتب هو الأهم وليس كل ما يُقاس بالأرقام هو الأكثر قيمة. هناك رصيد خفي يبنيه الإنسان كل يوم دون أن يشعر رصيد من المواقف النبيلة، والكلمة الطيبة، والأمانة، والصبر والإخلاص، والرحمة. وهذا الرصيد هو الذي يبقى حين تتغير الوظائف، وتزول المناصب، وتطوى صفحات العمر
إن أجمل سيرة ذاتية ليست تلك التي تزدحم بالشهادات بل تلك التي تُكتب في قلوب الناس. فهناك صفحات لا تُطبع على الورق، وإنما تُسجل في الذاكرة والوجدان، حيث يعيش الإنسان بأثره قبل اسمه، وبأخلاقه قبل إنجازاته
وفي الغالب قد تنجح في إقناع لجنة توظيف بسيرة ذاتية مكتوبة بإتقان لكنك لن تنجح في كسب احترام الحياة إلا بسيرة أخرى، لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالمواقف. إنها السيرة التي لا يراها أحد في الملفات لكنها تبقى شاهدة عليك في ضمائر الناس، وهي وحدها التي تستحق أن تسمى السيرة التي تصنع الإنسان !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...