د. محمود الباجوري - «حارة الفيران» لعادل صفصاف .. جماليات الماركسية وبكارة المكان

ما بين السماوات التي ترمي الحلوى، العشة المحروسة بظل مُقتبس من الجنة، العجوزتان المنسيتان، الشعرات البيضاء في الرأس والشعرات الحزينة في الروح، البحث عن الحشرات في الرأس، أزيز السوس، الكلاب المسعورة، ظلام الحجرة المُتكاثف، السرداب المُظلم المُخيف، الباب الأصم، صرير باب يُشعل الفزع، السلم المُتهالك، الآنين المشروخ، عواء الريح، ثمار البطاطس التي تخرج من جوف العدم إلى حيز الوجود، يكشف الكاتب المصري عادل صفصاف في مجموعته القصصية "حارة الفيران" الصادرة عن دار نشر "ديوان للنشر والتوزيع" عن جماليات النزعة الاشتراكية التي تدعو بالأساس إلى الدفء الإنساني، وعن فُحش الرأسمالية التي تُخرج أسوأ ما في النفس البشرية. من الناحية الفنية، يمسك عادل بخيط السرد جيداً، ولا يفلته من يده أبداً، ربما يرخي الخيط كثيراً لمطاردة معنى جمالي أو يشده بعنف لمطاردة معنى قبيح.

بينما كنت أقرأ المجموعة القصصية، تحديداً في الليل، إذ أن "الليل كل ما يتحرك" حسب الشاعر الفرنسي أنطونين آرتو، شعرت بحضور طاغي للفيلسوف جان جاك روسو واقفاً عند ناصية صفحة الغلاف الأمامي للمجموعة وفي يده لافتة تقول: "ضرورة الرجوع بالإنسان إلى الوراء"، وهذا ما كان يدعو إليه طوال حياته، فيما كان الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش واقفاً عند ناصية صفحة الغلاف الخلفي وفي يده لافتة تقول: "أيها الماضي لا تُغيرنا كثيراً كلما ابتعدنا عنك .. أيها المستقبل لا تسألنا من نحنُ، فنحنُ أيضاً لا نعرف". ما بين اللافتتين، تعيش شخوص في حارة منسية استطاع عادل صفصاف أن يرصد عمق وجوهر اللحظة الراهنة لكل شخصية نسجها من ماضي بعيد كان هو شاهداً على أحداثه وصفاته، والمعنى الكامن وراءها، كما لو أنه يُجبر بوذا على الالتفاف برقبته إلى الوراء. أدرك تماماً أن أكثر ما يثير عادل في هذه الحياة هو الشخوص، لكنه يبدو هنا وكأنه في محاولة لتوطين إنسان لأول مرة في حديقة عامة يتجول فيها الجميع بعيداً عن فكرة الدولار.

تتجلى فكرة "العودة بالإنسان إلى الوراء" كخلاص حقيقي من خلال رسم عادل لشخوص الفلاحين البسطاء الذين ينتظرون ميلاد شُرابة ذرة، وأول زهرة قطن، وثمار التوت والجميز، حيث السلام الروحي القادم من عبق الطبيعة الأم بالمعنى الرومانسي. هذا المعنى الرومانسي السامي يجسده عادل مراراً وتكراراً بين طيات المجموعة، لكن أكثر ما أدهشني بشكل شخصي هو شخصية العبيط الذي يغط في نوم عميق على حافة الترعة ممتلئاً عن أخره بحالة من النيرفانا (الانطفاء الكامل للمشاعر السلبية)، وكأن الشاعر جون كيتس قد دبت فيه الروح من جديد ليصرخ: "أتجول وحيداً على شواطئ إستاجيا، حتى كأنني أذوب في الهواء بشهوانيةٍ رقيقة". هذا بالإضافة إلى شخصية عبدالحميد الذي اعتاد على سحب الجاموسة يوم العيد، والانطلاق إلى عالم الطبيعة الحُر كي يستنشق هواء الصباح الخالي من الشوائب فتتسرب إليه "وشوشات الكون البعيدة" ليحط "عصفور الجنة بحضوره الملائكي" بجوار رأسه التي التفت بالملكوت وهو يرقد تحت جذع الشجرة وكأنها شجرة الخلود.

يكشف عادل الخراب الذي حفرته الليالي البائسة في النفوس مع غياب القدرة على مواجهة الخراب بالنظرات، بل التصالح معه، وسحبه إلى مربعات أكثر فردوسية تعكس بالأساس فترة من القرن الماضي كانت محكومة بالنزعة الاشتراكية، تحديداً الحقبة الناصرية، حيث لا نزعات فردية، ولا صراعات طبقية، ولا هواجس شخصية، ولا هموم وجودية. فمثل آرثر رامبو، تؤمن شخصيات المجموعة بالخراب وبضرورته، لكن أي خرابٍ هذا الذي استطاع هؤلاء البسطاء التعامل معه كضرورة الضرورة، بل والتصالح معه داخلياً لإعادة تدويره على شكل صيغة جمالية مليئة بالدفء الإنساني؟! صدق رامبو حين قال: "ثمة خرابٍ ضروري". اللعنة على كل هذه التعريجات اللغوية وسجل اللغة.

في هذا السياق، لم ينسى عادل رسم صورة للأب الروحي للاشتراكية في ذلك الزمان، جمال عبدالناصر، الذي يصوره كمسيح جاء بالخلاص والدعوة إلى ملكوت الله، حيث تجد إحدى الشخصيات تصرخ في وجه الأطفال الذين يلعبون الكرة بالقرب منها، قائلةً: "والله العظيم لو جالي جمال عبدالناصر عليه الصلاة والسلام ما هتاخدوا الكورة". على نحو مشابه، في رثاءه لعبدالناصر، كتب نزار قباني: "قتلناك يا آخر الأنبياء، ليس جديداً علينا اغتيال الصحابة والأولياء".

في قصة "الزملة"، يساعد الفلاحين بعضهم بعضاً في موسم الحصاد، حيث العبارة الشهيرة في ذلك الزمان الذي مضى بلا رجعة، والتي تقول: "ابقوا بيتوا علينا لما تيجو تضموا، أو ما أسماه عادل "الالتفاف الإنساني القائم على الصفاء الخالي من الأثرة والأنانية" (الدفء الإنساني). تتجسد كذلك أسمى معاني الاشتراكية في شخصية "ستي غز" التي تضع الفلوس في بطن ماكينة الخياطة، ويكفيك فقط أن تمد يدك "لتحصل على ما تريد في زمن كانت الفلوس فيه شحيحة". هذه السيدة التي اخطتفتها الحياة من جوف الحارة التي لم تعرف غيرها وسحبتها إلى العالم الخارجي حيث عيادات الأطباء والمستشفيات، فلم تستوعب أفاعيل الحياة الغاشمة لترقد في صمت رهيب وحزن عميق حتى صعدت الروح الاشتراكية إلى السماء، تاركةً وراءها ميراثاً هائلاً رصده عادل بكل تفاصيله البيضاء والسوداء على حد سواء.

مثل "ستي غز"، يرسم عادل شخصية رجل يشوي الذرة للجمع الغفير من حوله ليقول لهم بعطاء ملائكي: "كلوا بالهنا والشفا يا جماعة"، ثم يجهز لهم الشاي، وكأنه قرر أن يكون موزع السعادة بدلاً من أن يكون موزع بريد بائس، ثم يسند ظهره إلى الشجرة "ويمد بصره للبعيد دقائق قبل أن يتخطفه النوم، وبهدوء عميق يغيب عن الدنيا"، مجسداً بذلك أسمى معاني الرغبة في الغياب الحُر.

كذلك، يستحضر عادل من جعبة ذلك الزمن الجميل حوارات الفلاحين في الحقول، الحورات المسكونة بالدفء الإنساني مثل "أبا عبدالحميد بيقولك أبويا لف له عشر سجاير"، "بيقولك أبويا هات عودين كبريت وحتة طشاشة"، "ابقى املأ قلتكم ماية ساقعة وهاتها". كذلك، يرسم عادل ببراعة شخصية السيدة التي كانت تستيقظ مبكراً لتفتح المحل وتتهيأ لقضاء حوائج الغلابة ممن لم تكن القروش تعرف الطريق إلى أيديهم، والتي بعد أن فارقت الحياة، شعر أهل الحارة أن الحياة قد أغلقت أبوبها في وجوههم بغباء أسود اللون. كما تعكس شخصية الحاج محمد مرزوق سماحة الرجل البسيط الذي اعتاد على مداوة جروح أهل الحارة "بالمكركروم والشاش أو أنبوبة البنسلين"، ولا يلتفت البتة إلى القروش التي يأخذها في المقابل.

تتضح معاني الاشتراكية بشكل أوضح من خلال شخصية عبدالحميد الذي كان يزرع الأرض عدساً، ليس لكسب المال، بل ليوزع العدس في نهاية الموسم على أهل الحارة بالتساوي مجسداً بذلك أسمى معاني العدالة الاجتماعية النابعة من إيمان راسخ بالرغبة في العطاء والمساواة الاجتماعية، لتنتهي القصة بصوت الزوجة التي تشكو في تسامح واستسلام وهي تقول لعبدالحميد: "فدان أرض يا عبدالحميد ما ينوبنا منه غير مساح زينا زي غيرنا؟ ... فدان يا راجل يصفصف على كيلو عدس ولا اتنين؟" أما الواد محمد الفقري، أحد شخصيات المجموعة، وبعد أن نجح في امتلاك جنية واحد فقط، لم يهدأ له بال إلا بعدما تحرر من القبضة الغاشمة لهذا الجنية الوحيد، حيث قرر أن يبعثره بإرادة حرة على أهل الحارة، معبراً بذلك عن الانفصام التام بينه وبين النزوح نحو الرأسمالية. يئن الواد محمد الفقري من ثقل الجنية على روحه، قائلاً: "هو جنية وحيد اللي في جيبي. لو نمت بيه، هيغيب طول الليل يناجر فيا وأناجر فيه، ويمرمط فيه وأمرمط فيه، فعلى إيه! ملعون أبوه يروح في داهية خلينا نعرف ننام".

من منظور ماركسي، التواصل الإنساني يحميك، نعم، إنه يحميك. هذا المعنى تجده متجسداً في العلاقة الاستثنائية الخالصة بين عبدالحميد وأبو إبراهيم اللذان كانا يلعبان دور الطبيب النفسي في حياة كل منهما. هنا يلفت عادل انتباه القارئ إلى كيف كان هؤلاء البسطاء يقومون بدور أب الاعتراف ليرمي كل منهما همومه في حجر صاحبه بجرأة عارية وهو على ثقة بأنه لن يتعامل مع سقطاته الإنسانية بخسة أو احتقار، أو كما يوضحها عادل بقوله: "حتى ينفتح هاويس الآخر على مصراعيه ويحكي عن أدق تفاصيل حياته دون تحسب أو خجل فيتدفق نهر المشاعر بينهما متصلاً دون انقطاع"، إذ الحرية من المنظور الاشتراكي هي ألا نخجل.

أما محمود أبو إبراهيم الذي سافر إلى العراق، لم يتوقف عن إرسال جواباته المليئة بالأشواق الحارة والسلامات إلى أهل الحارة، بل ولم ينسى أن يرسل إلى محمود "بلوفر صوف إنجليزي عشان يدفيك في البرد".

يرسم الكاتب كذلك شخصية عبدالعال صاحب الدكانة الذي اعتاد على إهداء الأطفال الذين يذهبون لشراء متطلبات البيت من دكانته قطعة من الحلاوة الطحينية، قائلاً بصوت عذب كبحيرة: "خد يا حبيبي من عمك عبدالعال حتة الحلاوة ديت"، فـ "الطفل في علم جبر الحب هو دلالة على الجمع السحري بين كائنين" على حد وصف الروائي الماركسي ميلان كونديرا. يُرجع عادل ذلك إلى صفات إنسانية يملتكها الرجل والمتمثلة في "تصالحه الراسخ مع الحياة والناس وتناغمه الدائم مع الزمن".

أما قصة عمك عبدالرحيم، فتلك حكاية أعمق، حيث اعتاد أن يلقي لنساء الحارة "كبشة برسيم للحولية أو المعزة أو الأرنبة"، ثم يعطي للسيدة التي تربي الأيتام "شوية بامية وخيارتين"، وللمرأة العجوز "عودين جرجير أو عودين فجل طريين". يذكرني إغداق عمك عبدالرحيم على الحيوانات بتصور خطير لكونديرا حول معنى أن تكون إنساناً. يقول كونديرا: "الطيبة الحقيقية للإنسان لا يمكن أن تظهر في كل نقائها وحريتها إلا حيال هؤلاء الذين لا يمثلون أي قوة. فالامتحان الأخلاقي للإنسانية، الامتحان الأكثر جذرية والذي يقع في مستوى أكثر عمقاً بحيث إنه يخفي عن أبصارنا، هو في تلك العلاقات التي تقيمها مع من هم تحت رحمتها، أي الحيوانات، وهنا تحديداً يكمن الإخفاق الجوهري للإنسان، الإخفاق الذي تنتج عنه كل الإخفاقات الأخرى".

على صعيد آخر، يلفت عادل انتباه القارئ إلى فُحش الرأسمالية التي فضت غشاء بكارة الحارة عندما كشرت عن أنيابها وقررت قتل الجمال المتشظي هنا وهناك لتُنتج شروخاً لا حصر لها في جدار الحارة الاشتراكي المصنوع من الجرانيت الصلب، أو كما يعبر عنها عادل في إحدى القصص بقوله: "هذا صراع يلتهمنا ويلتهم أعمارنا وحلمنا اللحظي ... ذلك الصراع الجهمني". بعبارة أخرى، ذلك الجحيم البارد في مواجهة الفردوس المفقود. في سياق متصل، يضيف عادل قائلاً: "الحياة كانت خالية من كل مظاهر التكنولوجيا التي أغرقتها فيما بعد". هنا، وهنا فقط، أستطيع أن أفسر استدعاء عادل لإحدى أغنيات فايزة أحمد داخل المجموعة: "يا أمه القمر ع الباب نور قناديله، يا أمه أرد الباب ولا أناديله؟!"

كذلك، يتجلى فُحش الرأسمالية والإقطاعية في قصة أبويا محمود الذي يعمل غفيراً عند الناظر الذي يجمع الإيجار لمالك الأرض التي يزرعها الفلاحين طوال العام ثم في النهاية لا يتبقى لهم سوى "المش والعيش الحاف"، فيما تبقى صورة "الكرباج" هي الأبشع في هذا السياق. يبرز الكاتب كذلك قبح الإقطاع من خلال شخصية علي أفندي صفصاف المتزوج من امرأة تركية "تملك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي يعيش عليها فلاحون بلا حقوق". يصور عادل علي أفندي كنموذج "للصلق وللجبروت ولاستمرار الظلم والطغيان".

علاوة على ذلك، لم يغفل عادل الإشارة إلى العواقب الوخيمة للتفسخ الذي طال الحارة بفعل الهجوم الضاري للحداثة وما بعد الحداثة (الأمركة والرأسمالية)، حيث المعنى المقابل لوحدة الحارة هو العزلة. فعندما قرر ولاد عمك فلان أن يتعزلوا من بعض، كان لهذا الحدث صدى موجع على الجميع بلا تمييز، إذ كيف يحدث هذا التفسخ وسط هذا الكم الهائل من الذات الجمعية المتوحدة في معنى واحد هو الدفء! كذلك شخصية الزوجة التي طلب منها زوجها أن تطلب ميراثها من أخيها ليكون ردها العفوي: "يا عيب الشوم على آخر الزمن أقف لأخويه وأقوله أنا عايزه؟" وعندما قرر عمك عبدالحميد أن يبيع داره "ويسيب الحارة ويبني في الغيط"، تردد الخبر من بيت لآخر "كالنشيج المقهور". يرصد عادل لحظة مغادرة عمك عبدالحميد للحارة كما لو أنها لحظة مغادرة آدم للفردوس أو لحظة موت أحد الآلهة على جبال الأولمب، حيث الأطفال يتابعون "بحزن لا يعرفون معناه"، وأصابت الحارة "كآبة من نوع خاص لن تنمحي أبداً" من الذاكرة، وكأنها طقوس جنائزية لحالة الطمأنينة والسلام.

في النهاية، "حارة الفيران" لعادل صفصاف هي بمثابة رسالة حب من العالم الآخر ..

التي كانت تستيقظ مبكراً لتفتح المحل وتتهيأ لقضاء حوائج الغلابة ممن لم تكن القروش تعرف الطريق إلى أيديهم، والتي بعد أن فارقت الحياة، شعر أهل الحارة أن الحياة قد أغلقت أبوبها في وجوههم بغباء أسود اللون. كما تعكس شخصية الحاج محمد مرزوق سماحة الرجل البسيط الذي اعتاد على مداوة جروح أهل الحارة "بالمكركروم والشاش أو أنبوبة البنسلين"، ولا يلتفت البتة إلى القروش التي يأخذها في المقابل.

تتضح معاني الاشتراكية بشكل أوضح من خلال شخصية عبدالحميد الذي كان يزرع الأرض عدساً، ليس لكسب المال، بل ليوزع العدس في نهاية الموسم على أهل الحارة بالتساوي مجسداً بذلك أسمى معاني العدالة الاجتماعية النابعة من إيمان راسخ بالرغبة في العطاء والمساواة الاجتماعية، لتنتهي القصة بصوت الزوجة التي تشكو في تسامح واستسلام وهي تقول لعبدالحميد: "فدان أرض يا عبدالحميد ما ينوبنا منه غير مساح زينا زي غيرنا؟ ... فدان يا راجل يصفصف على كيلو عدس ولا اتنين؟" أما الواد محمد الفقري، أحد شخصيات المجموعة، وبعد أن نجح في امتلاك جنية واحد فقط، لم يهدأ له بال إلا بعدما تحرر من القبضة الغاشمة لهذا الجنية الوحيد، حيث قرر أن يبعثره بإرادة حرة على أهل الحارة، معبراً بذلك عن الانفصام التام بينه وبين النزوح نحو الرأسمالية. يئن الواد محمد الفقري من ثقل الجنية على روحه، قائلاً: "هو جنية وحيد اللي في جيبي. لو نمت بيه، هيغيب طول الليل يناجر فيا وأناجر فيه، ويمرمط فيه وأمرمط فيه، فعلى إيه! ملعون أبوه يروح في داهية خلينا نعرف ننام".

من منظور ماركسي، التواصل الإنساني يحميك، نعم، إنه يحميك. هذا المعنى تجده متجسداً في العلاقة الاستثنائية الخالصة بين عبدالحميد وأبو إبراهيم اللذان كانا يلعبان دور الطبيب النفسي في حياة كل منهما. هنا يلفت عادل انتباه القارئ إلى كيف كان هؤلاء البسطاء يقومون بدور أب الاعتراف ليرمي كل منهما همومه في حجر صاحبه بجرأة عارية وهو على ثقة بأنه لن يتعامل مع سقطاته الإنسانية بخسة أو احتقار، أو كما يوضحها عادل بقوله: "حتى ينفتح هاويس الآخر على مصراعيه ويحكي عن أدق تفاصيل حياته دون تحسب أو خجل فيتدفق نهر المشاعر بينهما متصلاً دون انقطاع"، إذ الحرية من المنظور الاشتراكي هي ألا نخجل.

أما محمود أبو إبراهيم الذي سافر إلى العراق، لم يتوقف عن إرسال جواباته المليئة بالأشواق الحارة والسلامات إلى أهل الحارة، بل ولم ينسى أن يرسل إلى محمود "بلوفر صوف إنجليزي عشان يدفيك في البرد".

يرسم الكاتب كذلك شخصية عبدالعال صاحب الدكانة الذي اعتاد على إهداء الأطفال الذين يذهبون لشراء متطلبات البيت من دكانته قطعة من الحلاوة الطحينية، قائلاً بصوت عذب كبحيرة: "خد يا حبيبي من عمك عبدالعال حتة الحلاوة ديت"، فـ "الطفل في علم جبر الحب هو دلالة على الجمع السحري بين كائنين" على حد وصف الروائي الماركسي ميلان كونديرا. يُرجع عادل ذلك إلى صفات إنسانية يملتكها الرجل والمتمثلة في "تصالحه الراسخ مع الحياة والناس وتناغمه الدائم مع الزمن".

أما قصة عمك عبدالرحيم، فتلك حكاية أعمق، حيث اعتاد أن يلقي لنساء الحارة "كبشة برسيم للحولية أو المعزة أو الأرنبة"، ثم يعطي للسيدة التي تربي الأيتام "شوية بامية وخيارتين"، وللمرأة العجوز "عودين جرجير أو عودين فجل طريين". يذكرني إغداق عمك عبدالرحيم على الحيوانات بتصور خطير لكونديرا حول معنى أن تكون إنساناً. يقول كونديرا: "الطيبة الحقيقية للإنسان لا يمكن أن تظهر في كل نقائها وحريتها إلا حيال هؤلاء الذين لا يمثلون أي قوة. فالامتحان الأخلاقي للإنسانية، الامتحان الأكثر جذرية والذي يقع في مستوى أكثر عمقاً بحيث إنه يخفي عن أبصارنا، هو في تلك العلاقات التي تقيمها مع من هم تحت رحمتها، أي الحيوانات، وهنا تحديداً يكمن الإخفاق الجوهري للإنسان، الإخفاق الذي تنتج عنه كل الإخفاقات الأخرى".

على صعيد آخر، يلفت عادل انتباه القارئ إلى فُحش الرأسمالية التي فضت غشاء بكارة الحارة عندما كشرت عن أنيابها وقررت قتل الجمال المتشظي هنا وهناك لتُنتج شروخاً لا حصر لها في جدار الحارة الاشتراكي المصنوع من الجرانيت الصلب، أو كما يعبر عنها عادل في إحدى القصص بقوله: "هذا صراع يلتهمنا ويلتهم أعمارنا وحلمنا اللحظي ... ذلك الصراع الجهمني". بعبارة أخرى، ذلك الجحيم البارد في مواجهة الفردوس المفقود. في سياق متصل، يضيف عادل قائلاً: "الحياة كانت خالية من كل مظاهر التكنولوجيا التي أغرقتها فيما بعد". هنا، وهنا فقط، أستطيع أن أفسر استدعاء عادل لإحدى أغنيات فايزة أحمد داخل المجموعة: "يا أمه القمر ع الباب نور قناديله، يا أمه أرد الباب ولا أناديله؟!"

كذلك، يتجلى فُحش الرأسمالية والإقطاعية في قصة أبويا محمود الذي يعمل غفيراً عند الناظر الذي يجمع الإيجار لمالك الأرض التي يزرعها الفلاحين طوال العام ثم في النهاية لا يتبقى لهم سوى "المش والعيش الحاف"، فيما تبقى صورة "الكرباج" هي الأبشع في هذا السياق. يبرز الكاتب كذلك قبح الإقطاع من خلال شخصية علي أفندي صفصاف المتزوج من امرأة تركية "تملك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي يعيش عليها فلاحون بلا حقوق". يصور عادل علي أفندي كنموذج "للصلق وللجبروت ولاستمرار الظلم والطغيان".

علاوة على ذلك، لم يغفل عادل الإشارة إلى العواقب الوخيمة للتفسخ الذي طال الحارة بفعل الهجوم الضاري للحداثة وما بعد الحداثة (الأمركة والرأسمالية)، حيث المعنى المقابل لوحدة الحارة هو العزلة. فعندما قرر ولاد عمك فلان أن يتعزلوا من بعض، كان لهذا الحدث صدى موجع على الجميع بلا تمييز، إذ كيف يحدث هذا التفسخ وسط هذا الكم الهائل من الذات الجمعية المتوحدة في معنى واحد هو الدفء! كذلك شخصية الزوجة التي طلب منها زوجها أن تطلب ميراثها من أخيها ليكون ردها العفوي: "يا عيب الشوم على آخر الزمن أقف لأخويه وأقوله أنا عايزه؟" وعندما قرر عمك عبدالحميد أن يبيع داره "ويسيب الحارة ويبني في الغيط"، تردد الخبر من بيت لآخر "كالنشيج المقهور". يرصد عادل لحظة مغادرة عمك عبدالحميد للحارة كما لو أنها لحظة مغادرة آدم للفردوس أو لحظة موت أحد الآلهة على جبال الأولمب، حيث الأطفال يتابعون "بحزن لا يعرفون معناه"، وأصابت الحارة "كآبة من نوع خاص لن تنمحي أبداً" من الذاكرة، وكأنها طقوس جنائزية لحالة الطمأنينة والسلام.

في النهاية، "حارة الفيران" لعادل صفصاف هي بمثابة رسالة حب من العالم الآخر ..



بقلم د. محمود الباجوري
أكاديمي مصري
مصري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...