د. رسول عدنان - تفكيك قصيدة (عواء) للشاعر الأمريكي، آلن غينسبرغ Allen Ginsberg

بمناسبة مئوية ولادته، تعتبر هذه القصيدة أهم قصيدة في الشعر الأمريكي الحديث،

الجو العام
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية جيل جديد او جيل الهزيمة او جيل الإنكسار اطلقوا على انفسهم
beat generation
سرعان ما تحوّلت الى حركة شعرية و فنية، أخذت بتطوير أساليب الشعر الأمريكي منذ والت ويتمان الى أزرا باوند و تامس أليوت، حيث أدخلت تقنيات قصيدة النثر الى الشعر الأمريكي، اتسمت هذه الجماعة بروح التمرد و الإختلاف كردة فعل عنيفة على ما آلت إليه الحياة والإنكسار الذي سيطر على المجتمع الأمريكي بعد نهاية الحرب، حيث ألتقى مجموعة من الشعراء وأهمهم ألن غينسبرغ و وليام بوروز وجاك كيرواك و كانوا رافضين لهذه الحرب، و اتفقوا على تأسيس هذه الجماعة و قد اتخذوا موقفاً حادا من الحرب، حيث تزامن هذا مع صعود تيارات معادية للسود مثل المسيحية اليمينية الأصولية في أمريكا، وتنامي ظواهر العنصرية والتعصب والتمييز العنصري ضدهم.
دلالة العنوان
تعبر هذه القصيدة عن موقف فئة من الشباب الأمريكي اليائس، الثائر ضد مجتمع ديني اتخذ التطرف و إقصاء الآخر منهجا لحياة البيض و هم غالبية السكان، حيث تحوّل الى مجتمع مدمّر وانتهازي، خاصة ضد السود، فجاءت هذه القصيدة صوتا مدويا مدافعا عن القيم الإنسانية للمجتمع الإمريكي التي يجب ان تكون متساوية خاصة ان الدستور الأمريكي نفسه أقرّ بأن لا تكون هناك اي تفرقة لا دينية و لا عرقية استنادا الى اللون او العرق، لذلك انحاز جماعة
beat
الى السود و الى ثقافتهم، و ايضا جاءت القصيدة كصرخة لإستعادة القيم العليا التي قامت عليها أمريكا الدستورية الحديثة و التذكير بهذه القيم و الأخلاقيات التي بُني عليها الدستور الأمريكي، ثم عرجت على وصف حياة المجتمع الأمريكي بعد الحرب و ما آلت إليه أخلاقيات هذا المجتمع،
المقطع الأول
(رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضورون عراة ومُهَسْترين، يجرجرون َ أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة،
هَبائيون* برؤوس ملائكةٍ؛ يتحرقون للوصال السماويّ العتيق، بالدينمو النجوميّ في مكننة الليل،
الذين بفقْرٍ وفي خرقٍ وبعيون مجوّفةٍ ومسطولينّ جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشققٍ بلا ماء حارّ يطفو في أعلى المدن يتأملون في الجاز
مَنْ عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL *ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة تترنح على سقوف الأحياء الفقيرة).
يعتبر هذا المقطع أهم واشهر مقطع في القصيدة، حيث يصف الشاعر حالة الإحباط واليأس التي هيمنت على نفوس الشباب بعد الحرب، والتي أفضت إلى التشكيك في مقدسات المجتمع والتنكر لها، باعتبارها ردّ فعل على المنظومة الأخلاقية والدينية التي اعتبروها عائقًا حال دون تحقيق تطلعاتهم وآمالهم المستقبلية،
تكونت الفكرة العامة بإعلان صادم (رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنون) و الشاعرلا يقصد بالضرورة الجنون المرضي وحده، بل يشير إلى جيل كامل من المبدعين والمفكرين والفنانين الذين سحقتهم ضغوط المجتمع الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية: الفقر، الإدمان، القمع الاجتماعي، والاغتراب، كلمة (أفضل العقول) تمنح هؤلاء المهمشين قيمة أخلاقية وفكرية، رغم أن المجتمع يراهم منحرفين أو فاشلين.
و لو أخذنا الصور الشعرية التي وصفها الشاعر مثل قوله ( يتضورون، عراة ومهسترين )
المقطع مليء بصور تجمع بين القبح والجمال، حيث يرسم صورة جسدية للانهيار، فالجوع والعري والهستيريا علامات على السقوط الإنساني الكامل، بينما تأتي الصور التالية:
يجرجرون أنفسهم عبر شوارع زنجية في الفجر، يستخدم الشاعر تقنية التقطيع السينمائي؛ أشخاص يسيرون منهكين في أحياء فقيرة ومهمشة عند الفجر، وهو وقت يقع بين نهاية الليل وبداية النهار، فيرمز إلى الضياع والانتظار، ثم ينتقل الى صورة أخرى :
باحثين عن إبرة مخدر ساخطة، فهنا مفهوم الأبرة لا يظل بمفهومها اللفظي من كونها وسيلة للأدمان، بل رمز لمحاولة الهروب من واقع لا يُحتمل. ثم يجمع الشاعر بين تناقض المقدس والمدنس، و المتتبع لسمات أسلوب غينسبرغ فهو يعمد دائما الى الجمع بين الرموز الدينية والحياة المنحطة، مثل قوله هبائيون برؤوس ملائكة حيث جمع بين الهبائي (الهيبي أو البوهيمي الضائع) و الملائكة رمز النقاء و القداسة، اذ يحول الشاعر الأنسان المنبوذ الى ملاك سقط في عالم قاسٍ، وكذلك قوله يتحرقون للوصال السماوي العتيق، فأنهم رغم الإدمان والفقر، فإن الشخصيات لا تزال تبحث عن معنى روحي واتحاد مع المطلق، مما يجعلها شخصيات مأساوية لا مجرد مدمنين.
ثم يوظف الشاعر الرمزية من خلال من خلال قوله ( الدينمو النجومي ) الذي يجمع بين الآلة ( الدينمو ) و النجوم ( الكون و الروح )، و هو انعكاس لصراع الإنسان الحديث بين الحضارة الصناعية والحاجة إلى التجربة الروحية، ثم يعمد الشاعر الى توظيف مفردة الجاز، و الجاز هنا ليس موسيقى فقط، بل رمز للحرية والارتجال والتمرد على القواعد الاجتماعية، لذلك يصبح وسيلة للتأمل والبحث عن الذات.
و لعل اللافت للقارئ المسلم او العربي بالذات ان يجد مفردة الإسلام و قد وظفها الشاعر على شكل استعارة
عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـELورأوا ملائكة الإسلام المنيرة
هذه من أكثر صور القصيدة شهرة وغرابة، فيها عدة مستويات كشف الأدمغة للسماء يرمز إلى الانفتاح الكامل على التجربة الروحية، (القطار المرتفع) تمثل المدينة الصناعية الصاخبة
سكة وسط الحديد والضجيج تظهر، ثم يلتجأ الشاعر الى استعارة ملائكة الإسلام EL
وهي ليست إشارة عقائدية مباشرة إلى الإسلام بقدر ما هي استعارة لرؤية صوفية أو كشف روحي، حيث يستحضر الشاعر رمزًا دينيًا خارج الإطار المسيحي المألوف للتعبير عن تجربة تتجاوز الحدود الثقافية بل المفارقة أن الرؤية السماوية تحدث فوق الأحياء الفقيرة لا في المعابد
أما من حيث اللغة والإيقاع أعتمد غينسبرغ على الجمل الطويلة المتدفقة التكرار (الذين... الذين... من...) يعقبها التكثيف الذي يكون أبرز سمات قصيدة النثر منذ نسختها الفرنسية حيث نجد تراكم الصور دون توقف، و هو ما يرتقي بالقصيدة الى مصافي النشيد او تيار من الوعي و يمنحها إيقاعا متلاحقا يحاكي فيض الأفكار و الانفعالات،
حيث يجمع هذا المقطع بين الواقعية القاسية والرؤيا الصوفية؛ فهو يبدأ بمشهد لانهيار أجساد وعقول جيل كامل، ثم يحول هذا الانهيار إلى رحلة بحث عن الخلاص والمعنى، ويستمد قوته من المفارقات المتكررة( الفقر في مقابل القداسة) (الإدمان في مقابل التوق الروحي) (المدينة الصناعية في مقابل الرؤيا السماوية)
الخصائص الفنيّة
تألفت القصيدة من ثلاثة أجزاء وحاشية أضافها الشاعر لاحقاً، و كٌتبتْ كقصيدة نثر على شكل كتلة (مقال)، وهو الشكل الأصلي لقصيدة النثر الفرنسية، كما ان مكانة قصيدة عواء في الشعر الأمريكي، تضاهي مكانة قصيدة تامس أليوت أرض الخراب في الشعر الإنكليزي، فكلاهما جاء كردة فعل على نهاية حرب كونيّة، قصيدة أليوت جاءت كردّة فعل على انتهاء الحرب العالمية الأولى 1917و موضوعها كان وصف حالة أوروبا و الأنسان الأوروبي بعد نهاية الحرب، أما قصيدة عواء لغينسبرغ فكانت لوصف ما آلت إليه حالة المجتمع الأمريكي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1945
و خاصة صعود النزعة الدينية المتطرفة للعرق الأبيض وموقفهم العنصري ضد السود، حيث أسّس مجموعة من الشباب المثقف الأمريكي الذي جمعهم الشعر والفنّ حركة بيت Beat
لتقف بالضد من النزعة العرقية المتطرفة للبيض، فانحازت هذه الحركة بالكامل
بأنّ جماعة الـ الى السود و الى ثقافتهم، و مما ذكره ألن قوله : (كان كيرواك يذهب إلى هارلم للاستماع إلى الجاز واستلهام الأساليب الموسيقية والإيقاعية الأفريقية، كانت صلاته مع السود أكثر من البيض، وكان يحرص على تبيان دور ثقافة السود في الفنّ الأمريكي الابتدائي بأسره، وضرورة إعطائها ما تستحقّ من مكانة وشرف وكرامة ).
و لعلّ من المهم التذكير بتلك الروابط التي جمعت بين جماعتين شعريتين هما: جماعة ( بيت الأمريكية و جماعة ( كركوك العراقية ) لذلك أثرت هذه القصيدة بشكل كبير جدا ببعض شعراء جماعة كركوك مثل سركون بولص الذي قام بترجمة القصيدة الى العربية، و ايضا كتب قصيدته ( قارب الى ألكتراز ) و التي ترجمت موقفه مما يقوم به الرجل الأبيض من استلاب حقوق أهل البلد الأصليين من الهنود الحمر ،و ايضا تأثر بقصيدة عواء، الشاعر فاضل العزاوي فكتب قصيدته المعروفة ( سلاماً أيتها الموجة... سلاماً أيها البحر) في أوائل السبعينيات على طريقة ألن غينسبرغ.
دلالة عتبة العنوان
يحمل لفظ العواء دلالات صوتية ونفسية ورمزية متعددة
العواء هو صوت يخرج عند أقصى درجات الألم أو الفقد أو العزلة، وهو يختلف عن الكلام المنظم لأنه تعبير غريزي لا يخضع للعقل أو البلاغة التقليدية، لذلك يختار غينسبرغ عنوانًا يوحي بأن القصيدة ليست حوارًا هادئًا، وإنما صرخة وجودية في وجه عالم يدمّر الإنسان
او قد يختزل موقف الشاعر من المجتمع الأمريكي في خمسينيات القرن العشرين؛ فالقصيدة تمثل احتجاجًا على المادية والقمع الاجتماعي وتهميش الفنانين والمختلفين، إن "العواء" هنا هو صوت جيل كامل، وليس صوت الشاعر وحده، ولذلك يبدأ النص بقوله ( رأيت أفضل العقول في جيلي ) ليجعل من العواء صوتًا جماعيًا للمقهورين.
و أيضا يرتبط العواء في المخيال الإنساني غالبًا بالذئب أو الحيوان الوحيد في الليل، مما يمنحه دلالة العزلة والنبذ، وهذا ينسجم مع شخصيات القصيدة من الفقراء، والمدمنون، والمهمشون، والمصابون بالاضطراب النفسي، الذين يعيشون خارج النظام الاجتماعي السائد.
الخلاصة
يختزل عنوان العواء جوهر القصيدة كلها كان يرمز إلى صرخة احتجاج وصوت ألم وإعلان تمرّد على مجتمع يسحق الحرية والإبداع، ومن ثمّ فإن العنوان يؤدي وظيفة رمزية تتجاوز معناه المعجمي، إذ يتحول إلى استعارة كبرى تمثل معاناة جيل كامل، وتجعل القصيدة منذ عنوانها فعل مقاومة وكشف لا مجرد نص شعري، و أخيرا أترك القارئ يستنبط من القصيدة معانٍ و دلالات أخرى، تجعل من النص يتجدد مع كل قراءة.
ناقد و شاعر عراقي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...