دعونا نفكِّر تفكيراً عميقاً ومُمَنهجاً! التَّفكير العميق، هو التفكير الذي يُقلِّبُ الأمورَ، عند تحليلها، من جميع جوانبها. أما التفكير المُمَنهَج، فهو التفكير الذي يكون فيه التحليلُ تدريجياً، أي أن يتمَّ هذا التفكير خطوة بخطوة. وهذا التَّفكيرُ يُحتِّم عليَّ، أنا، شخصيا، أن أطرحَ، على نفسي، بعضَ الأسئلة. ومن بين هذه الأسئلة، أخصُّ بالذكر ما يلي :
1.ما هي المهمة الأساسية للملائكة؟
2،.وما هي المهمة الأساسية لآدم (الإنسان) وذريته؟
علماً أن الملائكةَ وآدم وذريتُه خلقهم الله، سبحانه وتعالى، لكن من مواد مختلِفة. قد يتساءل القارئ لماذا طرحتُ، على نفسي، هذين السؤالين؟ طرحتُهما لأن أجوِبتَهما ستمكِّنُاني من توضيح عنوان هذه المقالة الذي هو : "العقل مرتبِط بالحرية والحرية مرتبِطة بالمسؤولية"، أي سأبيِّن لماذا العقل مرتبط بالحرية والحرية مرتبِطة بالمسؤولية.
القرآن الكريم لم يذكر، بصريح العبارة، أن الملائكةَ خُلِقوا من نور. بل مصدر المادة التي خَلَق منها، سبحانه وتعالى، الملائكةَ، حديث نبوي شريف أخرجه مسلم في صحيحِه. والحديث الذي أثبت أن الملائكةَ خلقهم الله، سبحانه وتعالى، من نور، هو الآتي : "خُلِقتِ الملائكةُ مِن نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدمُ ممَّا وُصِفَ لكم". لكن، هل هو النور الذي نعرفه والذي له وجود مادي أم هو شيءٌ آخرَ لا يعلم كُنهَه أو جوهره إلا خالق الملائكة.
غير أن القرآنَ الكريم أثبت أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو خالِقَ الملائكةِ وأثبت وجودَهم في الكون. في هذا الصدد، قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 1 من سورة فاطر : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". والقرآن الكريم لم يقل شيئا عن هيئَة الملائكة، هل لهم أجسام أم هم كائنات روحية des êtres spirituels لا يعلم سرَّها إلا مَن خلقها.
والآن، سأجيب على السؤالين، بالتتالي successivement، المُشار إليهما أعلاه وهما: "ما هي المهمة الأساسية للملائكة؟" و"ما هي المهمة الأساسية لآدم (الإنسان) وذريته؟"
بالنسبة للسؤال الأول، أي "ما هي المهمة الأساسية للملائكة؟"، أقول إن المهمَّة الأساسية التي من أجلها خُلِقَتِ الملائكةَ، هي الطاعة، وبالضبط، طاعة الأوامر الإلهية. بمعنى أن الملائكةَ مجبولون، فطرياً، على طاعة الأوامر الإلهية، بصفة مطلقة. وهذا يعني أن الملائكةَ ليس لهم إرادة. وحتى إن كانت لهم إرادة، فهي إرادةٌ تستجيب للمهمة التي خُلِقوا من أجلها. والآية رقم 6 من سورة التحريم تسير في نفس الاتجاه، وهذا هو نصها الكامِل : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ". وهذا لا يعني أن الملائكةَ ليس لهم مهام أخرى. لكني ركَّزتُ، في هذه المقالة، على الطاعة التي هي أساسُ مهام الملائكة.
بالنسبة للسؤال الثاني، أي "ما هي المهمة الأساسية لآدم وذريته؟"، أقول إن المهمة الأساسية، هي مهمَّةٌ استخلافية، أي بتكليف منه، سبحانه وتعالى. وهذه المهمة تتمثَّل في إعمار الأرض، طِبقا لِما جاء في الآية رقم 61 من سورة هود، وهذا هو نصُّها : "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا". والآية تُبين، بوضوحٍ، أن أصلَ المخلوق البشري (الإنسان) من الأرض وأن مهمتَه الأساسية، هي إعمار هذه الأرض بإرادةٍ إلهيةٍ (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). فلماذا قلتُ أعلاه "مهمة استخلافية"؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، قال ويقول في الآية رقم 30 من سورة البقرة : "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، أي أن اللهَ، سبحانه وتعالى، إضافةً إلى عبادته، كلَّف الإنسانَ العاقلَ الذي يحمل جزأً من الروح الإلهية، بإعمار الأرض والاستِفادة من خيراتها، وتسيير شؤونها المادية والمعنوية التي يطرحُها تساكنُ cohabitation وتعايشُ coexistence الناس بها. والله، سبحانه وتعالى، حين أراد أن يتساكنَ الناسُ في الأرض و يتعايشوا فيها، وفَّر لهم كل الظروف التي تُتيح هذين التَّساكن والتَّعايش، حيث قال ويقول، في هذا الصدد، في الآية رقم 10 من سورة الأعراف : "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ". وكلمة "معايش" التي هي، لُغوباً، جمع ،"معيشة"، تعني كل ما يضمن الحياةَ، بمعناها البيولوجي والواسع.
ومعنى الآية واضِح وضوحَ الشمس. توفير ظروف التَّساكن والتعايش (وهي الحياةُ بالمعنى الواسع، أي الحياة البيولوجية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية) مُعبَّرٌ عنها، في هذه الآية ب"وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ…". أما الجزء الآخر من الآية، أي "…وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ"، أي وفَّرنا لكم أسبابَ الحياة، بالمعنى البيولوجي والواسع، لكن كثيرا منكم لا يعترفون بهذا العطاء ("…قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ").
والآن، سأبيِّن، حسب تقديري الشخصي، لماذا "العقل مرتبطٌ بالحرية والحرية مرتبطةٌ بالمسؤولية؟"، دون أن ننسى أنه، سبحانه وتعالى، قال ويقول في الآية رقم 56 من سورة الذاريات : "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ". غيرَ أن العبادةَ، المُشار لها، في هذه الآية، ليست هي الطقوس المتمثِّلة في الشهادتين، والصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله. العِبادة هي الالتزام بالنهج الذي رسمَه الله، سبحانه وتعالى، لعباده، في القرآن الكريم.
الله، سبحانه وتعالى، خلق الملائكة وبثَّ فيهم، فطرياً، طاعتَه وتنفيذ أوامره، كما جاءَ ذلك، في الآية رقم 6 من سورة التحريم، المُشار إليها أعلاه. بينما الإنسان العاقل مهمَّتُه الأساسية، فضلاً عن عبادة الله، هي إعمار الأرض.
لكن كيف سيُعمِّر آدمُ وذريتُه الأرضَ؟ سيُعمِّرونها بعقولهم القادِرة على التفكير المجرد la pensée abstraite، على المَفهَمة la conceptualisation، أي أن يحوِّلوا الأشياء المحيطة بهم إلى أفكار des idées، أي أن العقلَ البشري قادِر على تنظير théorisation الأشياء المحيطة به. بل إنه قادر على تحويل البعض من أفكارِه إلى أشياء ملموسة des choses concrètes، انطِلاقاً من استِغلال خيرات الأرض. إذن، ما هو الفرقُ بين الملائكة وآدم وذريتُه؟
الفرقُ الأساسي يكمن في الإرادة. بالنسبة للملائكة، إرادتُهم، كما سبق الذكر، في تناسقٍ تام en harmonie complète، مع الإرادة الإلهية، أي خُلِقوا لعبادة الله وتسبيحِه والاستجابة لأوامِرِه، كما جاءَ ذلك، في الآية رقم 6 من سورة التَّحريم، المشار إليها أعلاه. وقد أشرتُ، كذلك أعلاه، أن القرآنَ الكريمَ لا يقول شيئا عن هيئة الملائكة، هل لهم أجسامٌ، أم فقط كائناتٌ روحية. بل اكتفى بالقول بأن الملائكةَ لهم أجنِحة. لكن هل كل الملائكة لهم أجنِحة؟ هذا سؤال، جوابُه لا يعلمُه إلا خالِق الملائكة.
أما بالنسبة لآدم وذريَّتِه، فالوضع مختلِفٌ عن ذلك الذي يخصُّ الملائكة. أولاً، الله، سبحانه وتعالى، خلق الملائكةَ من نور، بينما آدم بدأ خلقَه من طينٍ. وإذا كانت إرادة الملائكة في تناسُق تام مع الإرادة الإلهية، فإرادة آدم وذريته مجبولة، فطرياً، على فعل الخير وعلى فعل الشر، طبقاً لما جاء في الآية رقم 8 من سورة الشمس : "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا".
بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، بثَّ في نفس الإنس، وفي نفس الوقت، الميولَ إلى فعل الخيرِ والميولَ إلى فعل الشر، أي أن الإنسانَ، تارةً يميل إلى فعل الخير، وتارةً، ينخرط في أفعال الشر. وهذا هو ما بيَّنته الدراسات العلمية، وبالأخص، علم النفس الاجتماعي la psychologie sociale والفلسفة. وما بيَّنته هذه الدراسات، هو أن الجنس البشري، مثلُه مثل جميع الحيوانات التي تكافِح من أجل البقاء luttent pour la survie. لكنه يمتلِك القدرات للتكيُّف مع الخير ومع الشر possède les potentialités pour s'adapter au bien et au mal. وهذا هو الفرقُ بينه وبين الملائكة.
فإذا كانت إرادة الملائكةِ متناسِقَةً مع الإرادة الإلهية، فالإرادةُ البشريةُ، رغم فطرتها، قادِرة على اختيار طريق الخير وطريق الشر، مُتأثِّرةً بمعطيات الوسط الذي يعيش فيه الإنسان. بمعنى أن الإنسانَ يتأثر بالظروفَ الماديةَ والمعنويةَ لوسط عيشه. وهذه الظروف هي التي تقود اختيارَه ليكون فاعلَ خيرٍ أو مساهِما في انتشار الشر داخل المجتمعات البشرية. علماً أن الملائكة ليس لهم هذه القدرة على الاختيار، لأنهم مجبولون، فطرياً، على طاعة الله. ولهذا سُمِّيَ الإنسان العاقل، عاقلا، لأنه قادرٌ، بواسطة عقلِه، على التمييز بين الخير والشر.
وإذا كان الإنسانُ العاقل، فعلاً، عاقِلاً، أي حاملاً جزأً من الروح الإلهية، فإنه سيختار طريقَ الخيرِ الذي رسمه له الله، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم. وهذا نوع من عبادة الله، التي أشرتُ لها أعلاه. والله، سبحانه وتعالى، لا يظلم الناسَ الذين اختاروا طريقَ الشر. لماذا؟
لأنه وفَّر لهم العقلَ ليُحسِنوا الاختيارَ. بمعنى أن اختِيارَهم لطريق الشر، تمَّ بمحض إرادتهم. وهنا، يُطرَحُ سؤالٌ له أهمية كبيرة : "لماذا يوجدُ في المجتمعات البشرية، وخصوصا، الإسلامية، خليط من الناس الذين اختاروا، بمحض إرادتِهم، إما طريقَ الخير وإما طريقَ الشر؟"
لأن تصرفات الناس في الدنيا، عبارة عن صراعٍ بين الخير والشر un conflit entre le bien et le mal. وما دام الخيرُ يتساكن مع الشر، في المُجتمعات البشرية، فالصراعُ سيستمِر إلى أن يرثَ الله، سبحانه وتعالى، الأرضَ ومَن/ما عليها. قال ويقول، عزَّ وجلّ، في هذا الشأن، في الآية رقم 251 من سورة البقرة : "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ". في هذه الآية الكريمة، "الدفع" هو الصراع القائم بين الخير والشر. والله، سبحانه وتعالى، يتحدَّث عن الناس وليس على فئةٍ معينةٍ من الناس
وهذ يعني أن كثيراً من الناس استسلموا، إما لعقولهم leurs raisons وإما لأهوائهم leurs caprices. يُضاف إلى هذا أن مصالحَ الناس، في المُجتمعات البشرية، مُتضارِبة، أي متعارضة، أو متناقِضة. بمعنى أن الناسَ، داخل المجتمعات، فيهم مَن يجد مصلحتَه في فعل الخير، وفيهم مَن يجد مصلحتَه، في اتِّباع طريق الشر.
وفي ختام هذه المقالة، الله، سبحانه وتعالى، هو الذي خلق الملائكةَ والبشرَ. الأولون، خلقهم لطاعتِه. والثانيون، مُنَحَهم العقلَ ليميِّزوا بين الخير والشر، أي مَنَحهم العقلَ ليختاروا، إما طريقَ الخير، وإما طريق الشر. وطريق الخير هو الذي يقود الناسَ لإعمارِ الأرض، بينما طريق الشر هو الذي يقود الناسَ لخرابها. وبمجرَّد ما يختاروا، فإنهم مسؤولون عن اختيارهم. هذا هو ما قلتُه في عنوان هذه المقالة، أي "العقل مرتبطٌ بالحرية والحرية مرتبِطة بالمسؤولية". بمعنى أنه لا يمكن أن يرزقَ الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للناس ويحدَّ من حرية تصرفاتهم. وإلا كيف سيُعمِّرون الأرضَ؟ وإعمار الأرض فيه ما هو خيرٌ وفيه ما هو شر. لكن بمجرد ما يختار الناسُ هذا الطريقَ أو ذاك، فإنهم مسؤولون عن اختيارِهم!
1.ما هي المهمة الأساسية للملائكة؟
2،.وما هي المهمة الأساسية لآدم (الإنسان) وذريته؟
علماً أن الملائكةَ وآدم وذريتُه خلقهم الله، سبحانه وتعالى، لكن من مواد مختلِفة. قد يتساءل القارئ لماذا طرحتُ، على نفسي، هذين السؤالين؟ طرحتُهما لأن أجوِبتَهما ستمكِّنُاني من توضيح عنوان هذه المقالة الذي هو : "العقل مرتبِط بالحرية والحرية مرتبِطة بالمسؤولية"، أي سأبيِّن لماذا العقل مرتبط بالحرية والحرية مرتبِطة بالمسؤولية.
القرآن الكريم لم يذكر، بصريح العبارة، أن الملائكةَ خُلِقوا من نور. بل مصدر المادة التي خَلَق منها، سبحانه وتعالى، الملائكةَ، حديث نبوي شريف أخرجه مسلم في صحيحِه. والحديث الذي أثبت أن الملائكةَ خلقهم الله، سبحانه وتعالى، من نور، هو الآتي : "خُلِقتِ الملائكةُ مِن نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدمُ ممَّا وُصِفَ لكم". لكن، هل هو النور الذي نعرفه والذي له وجود مادي أم هو شيءٌ آخرَ لا يعلم كُنهَه أو جوهره إلا خالق الملائكة.
غير أن القرآنَ الكريم أثبت أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو خالِقَ الملائكةِ وأثبت وجودَهم في الكون. في هذا الصدد، قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 1 من سورة فاطر : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". والقرآن الكريم لم يقل شيئا عن هيئَة الملائكة، هل لهم أجسام أم هم كائنات روحية des êtres spirituels لا يعلم سرَّها إلا مَن خلقها.
والآن، سأجيب على السؤالين، بالتتالي successivement، المُشار إليهما أعلاه وهما: "ما هي المهمة الأساسية للملائكة؟" و"ما هي المهمة الأساسية لآدم (الإنسان) وذريته؟"
بالنسبة للسؤال الأول، أي "ما هي المهمة الأساسية للملائكة؟"، أقول إن المهمَّة الأساسية التي من أجلها خُلِقَتِ الملائكةَ، هي الطاعة، وبالضبط، طاعة الأوامر الإلهية. بمعنى أن الملائكةَ مجبولون، فطرياً، على طاعة الأوامر الإلهية، بصفة مطلقة. وهذا يعني أن الملائكةَ ليس لهم إرادة. وحتى إن كانت لهم إرادة، فهي إرادةٌ تستجيب للمهمة التي خُلِقوا من أجلها. والآية رقم 6 من سورة التحريم تسير في نفس الاتجاه، وهذا هو نصها الكامِل : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ". وهذا لا يعني أن الملائكةَ ليس لهم مهام أخرى. لكني ركَّزتُ، في هذه المقالة، على الطاعة التي هي أساسُ مهام الملائكة.
بالنسبة للسؤال الثاني، أي "ما هي المهمة الأساسية لآدم وذريته؟"، أقول إن المهمة الأساسية، هي مهمَّةٌ استخلافية، أي بتكليف منه، سبحانه وتعالى. وهذه المهمة تتمثَّل في إعمار الأرض، طِبقا لِما جاء في الآية رقم 61 من سورة هود، وهذا هو نصُّها : "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا". والآية تُبين، بوضوحٍ، أن أصلَ المخلوق البشري (الإنسان) من الأرض وأن مهمتَه الأساسية، هي إعمار هذه الأرض بإرادةٍ إلهيةٍ (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). فلماذا قلتُ أعلاه "مهمة استخلافية"؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، قال ويقول في الآية رقم 30 من سورة البقرة : "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، أي أن اللهَ، سبحانه وتعالى، إضافةً إلى عبادته، كلَّف الإنسانَ العاقلَ الذي يحمل جزأً من الروح الإلهية، بإعمار الأرض والاستِفادة من خيراتها، وتسيير شؤونها المادية والمعنوية التي يطرحُها تساكنُ cohabitation وتعايشُ coexistence الناس بها. والله، سبحانه وتعالى، حين أراد أن يتساكنَ الناسُ في الأرض و يتعايشوا فيها، وفَّر لهم كل الظروف التي تُتيح هذين التَّساكن والتَّعايش، حيث قال ويقول، في هذا الصدد، في الآية رقم 10 من سورة الأعراف : "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ". وكلمة "معايش" التي هي، لُغوباً، جمع ،"معيشة"، تعني كل ما يضمن الحياةَ، بمعناها البيولوجي والواسع.
ومعنى الآية واضِح وضوحَ الشمس. توفير ظروف التَّساكن والتعايش (وهي الحياةُ بالمعنى الواسع، أي الحياة البيولوجية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية) مُعبَّرٌ عنها، في هذه الآية ب"وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ…". أما الجزء الآخر من الآية، أي "…وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ"، أي وفَّرنا لكم أسبابَ الحياة، بالمعنى البيولوجي والواسع، لكن كثيرا منكم لا يعترفون بهذا العطاء ("…قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ").
والآن، سأبيِّن، حسب تقديري الشخصي، لماذا "العقل مرتبطٌ بالحرية والحرية مرتبطةٌ بالمسؤولية؟"، دون أن ننسى أنه، سبحانه وتعالى، قال ويقول في الآية رقم 56 من سورة الذاريات : "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ". غيرَ أن العبادةَ، المُشار لها، في هذه الآية، ليست هي الطقوس المتمثِّلة في الشهادتين، والصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله. العِبادة هي الالتزام بالنهج الذي رسمَه الله، سبحانه وتعالى، لعباده، في القرآن الكريم.
الله، سبحانه وتعالى، خلق الملائكة وبثَّ فيهم، فطرياً، طاعتَه وتنفيذ أوامره، كما جاءَ ذلك، في الآية رقم 6 من سورة التحريم، المُشار إليها أعلاه. بينما الإنسان العاقل مهمَّتُه الأساسية، فضلاً عن عبادة الله، هي إعمار الأرض.
لكن كيف سيُعمِّر آدمُ وذريتُه الأرضَ؟ سيُعمِّرونها بعقولهم القادِرة على التفكير المجرد la pensée abstraite، على المَفهَمة la conceptualisation، أي أن يحوِّلوا الأشياء المحيطة بهم إلى أفكار des idées، أي أن العقلَ البشري قادِر على تنظير théorisation الأشياء المحيطة به. بل إنه قادر على تحويل البعض من أفكارِه إلى أشياء ملموسة des choses concrètes، انطِلاقاً من استِغلال خيرات الأرض. إذن، ما هو الفرقُ بين الملائكة وآدم وذريتُه؟
الفرقُ الأساسي يكمن في الإرادة. بالنسبة للملائكة، إرادتُهم، كما سبق الذكر، في تناسقٍ تام en harmonie complète، مع الإرادة الإلهية، أي خُلِقوا لعبادة الله وتسبيحِه والاستجابة لأوامِرِه، كما جاءَ ذلك، في الآية رقم 6 من سورة التَّحريم، المشار إليها أعلاه. وقد أشرتُ، كذلك أعلاه، أن القرآنَ الكريمَ لا يقول شيئا عن هيئة الملائكة، هل لهم أجسامٌ، أم فقط كائناتٌ روحية. بل اكتفى بالقول بأن الملائكةَ لهم أجنِحة. لكن هل كل الملائكة لهم أجنِحة؟ هذا سؤال، جوابُه لا يعلمُه إلا خالِق الملائكة.
أما بالنسبة لآدم وذريَّتِه، فالوضع مختلِفٌ عن ذلك الذي يخصُّ الملائكة. أولاً، الله، سبحانه وتعالى، خلق الملائكةَ من نور، بينما آدم بدأ خلقَه من طينٍ. وإذا كانت إرادة الملائكة في تناسُق تام مع الإرادة الإلهية، فإرادة آدم وذريته مجبولة، فطرياً، على فعل الخير وعلى فعل الشر، طبقاً لما جاء في الآية رقم 8 من سورة الشمس : "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا".
بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، بثَّ في نفس الإنس، وفي نفس الوقت، الميولَ إلى فعل الخيرِ والميولَ إلى فعل الشر، أي أن الإنسانَ، تارةً يميل إلى فعل الخير، وتارةً، ينخرط في أفعال الشر. وهذا هو ما بيَّنته الدراسات العلمية، وبالأخص، علم النفس الاجتماعي la psychologie sociale والفلسفة. وما بيَّنته هذه الدراسات، هو أن الجنس البشري، مثلُه مثل جميع الحيوانات التي تكافِح من أجل البقاء luttent pour la survie. لكنه يمتلِك القدرات للتكيُّف مع الخير ومع الشر possède les potentialités pour s'adapter au bien et au mal. وهذا هو الفرقُ بينه وبين الملائكة.
فإذا كانت إرادة الملائكةِ متناسِقَةً مع الإرادة الإلهية، فالإرادةُ البشريةُ، رغم فطرتها، قادِرة على اختيار طريق الخير وطريق الشر، مُتأثِّرةً بمعطيات الوسط الذي يعيش فيه الإنسان. بمعنى أن الإنسانَ يتأثر بالظروفَ الماديةَ والمعنويةَ لوسط عيشه. وهذه الظروف هي التي تقود اختيارَه ليكون فاعلَ خيرٍ أو مساهِما في انتشار الشر داخل المجتمعات البشرية. علماً أن الملائكة ليس لهم هذه القدرة على الاختيار، لأنهم مجبولون، فطرياً، على طاعة الله. ولهذا سُمِّيَ الإنسان العاقل، عاقلا، لأنه قادرٌ، بواسطة عقلِه، على التمييز بين الخير والشر.
وإذا كان الإنسانُ العاقل، فعلاً، عاقِلاً، أي حاملاً جزأً من الروح الإلهية، فإنه سيختار طريقَ الخيرِ الذي رسمه له الله، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم. وهذا نوع من عبادة الله، التي أشرتُ لها أعلاه. والله، سبحانه وتعالى، لا يظلم الناسَ الذين اختاروا طريقَ الشر. لماذا؟
لأنه وفَّر لهم العقلَ ليُحسِنوا الاختيارَ. بمعنى أن اختِيارَهم لطريق الشر، تمَّ بمحض إرادتهم. وهنا، يُطرَحُ سؤالٌ له أهمية كبيرة : "لماذا يوجدُ في المجتمعات البشرية، وخصوصا، الإسلامية، خليط من الناس الذين اختاروا، بمحض إرادتِهم، إما طريقَ الخير وإما طريقَ الشر؟"
لأن تصرفات الناس في الدنيا، عبارة عن صراعٍ بين الخير والشر un conflit entre le bien et le mal. وما دام الخيرُ يتساكن مع الشر، في المُجتمعات البشرية، فالصراعُ سيستمِر إلى أن يرثَ الله، سبحانه وتعالى، الأرضَ ومَن/ما عليها. قال ويقول، عزَّ وجلّ، في هذا الشأن، في الآية رقم 251 من سورة البقرة : "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ". في هذه الآية الكريمة، "الدفع" هو الصراع القائم بين الخير والشر. والله، سبحانه وتعالى، يتحدَّث عن الناس وليس على فئةٍ معينةٍ من الناس
وهذ يعني أن كثيراً من الناس استسلموا، إما لعقولهم leurs raisons وإما لأهوائهم leurs caprices. يُضاف إلى هذا أن مصالحَ الناس، في المُجتمعات البشرية، مُتضارِبة، أي متعارضة، أو متناقِضة. بمعنى أن الناسَ، داخل المجتمعات، فيهم مَن يجد مصلحتَه في فعل الخير، وفيهم مَن يجد مصلحتَه، في اتِّباع طريق الشر.
وفي ختام هذه المقالة، الله، سبحانه وتعالى، هو الذي خلق الملائكةَ والبشرَ. الأولون، خلقهم لطاعتِه. والثانيون، مُنَحَهم العقلَ ليميِّزوا بين الخير والشر، أي مَنَحهم العقلَ ليختاروا، إما طريقَ الخير، وإما طريق الشر. وطريق الخير هو الذي يقود الناسَ لإعمارِ الأرض، بينما طريق الشر هو الذي يقود الناسَ لخرابها. وبمجرَّد ما يختاروا، فإنهم مسؤولون عن اختيارهم. هذا هو ما قلتُه في عنوان هذه المقالة، أي "العقل مرتبطٌ بالحرية والحرية مرتبِطة بالمسؤولية". بمعنى أنه لا يمكن أن يرزقَ الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للناس ويحدَّ من حرية تصرفاتهم. وإلا كيف سيُعمِّرون الأرضَ؟ وإعمار الأرض فيه ما هو خيرٌ وفيه ما هو شر. لكن بمجرد ما يختار الناسُ هذا الطريقَ أو ذاك، فإنهم مسؤولون عن اختيارِهم!