شريف محي الدين إبراهيم - الظل بوصفه تجليًا للوجود إطلالة على قصيدة «عاشقة لظلي» للشاعرة عزة رشاد

نحن بصدد قصيدة ليست عن الظل، بل عن الإنسان وهو يكتشف أن وجوده ليس مكتفيًا بذاته. وتقول عزة رشاد إن الحقيقة التي نبحث عنها كامنة في أعماقنا منذ البداية. ومن هنا تنجح في تقديم نص صوفي حديث، يجمع بين البساطة اللغوية وعمق الرؤية، ويعيد إنتاج الرمز الصوفي في صياغة معاصرة، دون أن يفقد حرارة التجربة أو صفاءها.

ولعل الشاعرة، في محاولاتها الإبداعية، تنجح في خلق تجربة روحية وجمالية قادرة على أن تفتح أمام القارئ آفاقًا جديدة للتأمل في الوجود والذات.

هي تواصل مشروعها الشعري القائم على استلهام الرؤية الصوفية، باعتبارها تجربة وجودية تتجاوز ظاهر الأشياء إلى حقيقتها الباطنة، ويتضح ذلك في قصيدة «عاشقة لظلي»، حيث تجعل الظل رمزًا لحضور الحقيقة الإلهية، ولانعكاس الوجود المطلق في الوجود الإنساني.

تبدأ القصيدة بمفارقة شعرية:

««كنت أظن أن
ظلي ظلي»»

فالذات تدخل النص وهي أسيرة الوهم؛ تظن أن الظل امتداد لها، وأن الوجود يبدأ منها وينتهي عندها. لكن هذا اليقين سرعان ما يتهاوى مع انطلاق رحلة الكشف الصوفي، حيث تتدرج التجربة عبر أفعال ذات دلالة روحية واضحة:

صافيت... صوفيت... اصطفاني... رقاني...

وهذا التدرج يعكس مقامات السالك في التجربة الصوفية؛ إذ يبدأ بالصفاء، ثم ينتقل إلى الاصطفاء، فالترقي، لينتهي إلى المعرفة، وهي الغاية الكبرى في الخطاب الصوفي.

وتبلغ القصيدة ذروة رؤيتها في قولها:

««فعلمت أنه
ظل انعكاس وجودي
لأنني موجودة
وهو موجدي»»

فالظل لم يعد أثرًا للجسد، بل أصبح أثرًا للوجود الإلهي في الإنسان. ومن ثم تتحول العلاقة بين الذات والظل إلى علاقة بين الممكن وواجب الوجود، فيغدو العشق المعلن في عنوان القصيدة عشقًا للحضور الإلهي، لا عشقًا للذات أو لنرجسيتها.

وتعيد الشاعرة إنتاج مفردة مألوفة هي «الظل» لتمنحها أفقًا دلاليًا جديدًا. فالظل ليس نقيض الضوء، بل هو أثر من آثاره؛ إذ لا يكون الظل إلا بوجود النور، كما لا يكون الوجود إلا بوجود الموجد. وهكذا يتحول الرمز البسيط إلى حامل لرؤية عميقة.

وتزداد هذه الرؤية إشراقًا في المقطع:

««وكلما خلوت بظلي
تسابقت الفراشات إلى قلبي
لتصغي لهمس النور
ويفيض البحر نورًا»»

فالفراشات، والنور، والبحر رموز صوفية متآزرة؛ فالفراشة قد تمثل الروح المشتاقة، والنور رمز الحقيقة والتجلي، أما البحر فقد يكون المقصود به الوجود المطلق الذي لا تحده حدود، حيث يصبح الكون كله شريكًا في لحظة الكشف.

وتعتمد الشاعرة على الإيحاء وكثافة الرمز، وهو ما يمنح النص قابلية للتأويل على أكثر من مستوى؛ فمن يقرأه قراءة وجدانية سيجد فيه قصيدة عشق، ومن يقرأه قراءة صوفية سيجد فيه رحلة من المجاهدة إلى المعرفة، ومن يقرأه قراءة فلسفية سيكتشف تأملًا في علاقة الإنسان بمصدر وجوده.

كما يقوم البناء الإيقاعي الداخلي للنص على تكرار الأفعال المتتابعة، وعلى التوازي التركيبي، بما يخلق موسيقى هادئة تتلاءم مع طبيعة التجربة الروحية.

وتأتي الخاتمة:

««إن وعدك لصدق
إن وعدك لصدق»»

وهذه هي لحظة اليقين؛ فالتكرار هنا ليس مجرد تأكيد لفظي، وإنما هو تثبيت لحقيقة وصل إليها الوجدان بعد طول مجاهدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...