علي سيف الرعيني _|ليس من شأني !!

في كل مجتمع يسعى إلى التقدم، لا تُقاس قوته بعدد مؤسساته أو حجم موارده فقط، بل بقدرة أفراده على الشعور بالمسؤولية تجاه ما يحدث حولهم. غير أن هناك ثقافة أخذت تتسلل بهدوء إلى تفاصيل حياتنا حتى أصبحت سلوكًا مألوفًا لدى كثيرين، وهي ثقافة ليس من شأني
عندما يرى أحدهم خللا في الشارع فيمضي دون أن يبلغ عنه أو يشاهد ظلما فيلتزم الصمت، أو يلاحظ تقصير في عمله فيكتفي بالشكوى بدلًا من اقتراح الحلول، فإنه لا يدرك أنه يضيف لبنة جديدة في بناء مجتمعٍ تتراجع فيه روح المبادرة يوما بعد آخر.
إن المبادرة ليست منصبا ولا وظيفة، وليست حكرا على المسؤولين أو أصحاب القرار بل هي موقف أخلاقي قبل أن تكون فعلًا عمليا فالمجتمعات التي نهضت لم تنتظر دائمًا الأوامر، وإنما نهضت حين شعر كل فرد بأن نجاح المكان الذي يعيش فيه جزء من نجاحه الشخصي.
وللأسف، فإن ثقافة ليس من شأني تخلق مواطنا يراقب الأحداث بدلا من أن يكون جزءا من صناعتها. يتقن النقد، لكنه يتردد في تقديم الحل. يشتكي من تراجع الخدمات، لكنه لا يشارك في تحسينها. ينتظر الآخرين ليبدأوا، بينما ينتظر الآخرون بدورهم من يبادر، فتتوقف عجلة التغيير عند محطة الانتظار.
والأخطر من ذلك أن هذه الثقافة تُورث فالطفل الذي يرى الكبار يتجاهلون المسؤولية، يكبر وهو يعتقد أن الصمت حكمة، وأن اللامبالاة نجاة، وأن المبادرة مغامرة لا تستحق العناء. وهكذا تتشكل أجيال تعيش على هامش الأحداث، وتكتفي بدور المتفرج.
ولا يعني هذا أن يتحمل الفرد كل أعباء المجتمع أو أن يتدخل فيما لا يعنيه من خصوصيات الناس، وإنما المقصود أن يشعر بمسؤوليته تجاه الشأن العام، وأن يدرك أن الحفاظ على النظام، واحترام القانون، والمساهمة في الحلول، والإبلاغ عن الأخطاء، ومساعدة المحتاج والدفاع عن الحق، كلها مسؤوليات تصنع مجتمعًا أكثر وعيا وتماسكا
إن الفرق بين المجتمع الحي والمجتمع الراكد لا يكمن في كثرة المشكلات بل في طريقة التعامل معها. فالمجتمع الحي يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل؟
أما المجتمع الذي استسلم لثقافة ليس من شأني فيكتفي بالسؤال: من المسؤول؟ ثم ينصرف
إن الأوطان إنما تنهض حين يشعر كل إنسان أن له دورا مهما بدا صغيرا. فرب فكرة أنقذت مؤسسة، ورب مبادرة غيّرت حيا كاملا، ورب كلمة صادقة أيقظت ضمير كان نائمًا.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا كل يوم: إذا قال الجميع ليس من شأني فمن سيجعل هذا الوطن أفضل؟
لعل البداية الحقيقية لأي نهضة ليست مشروعًا ضخمًا ولا قرارا استثنائيا، بل أن نستبدل تلك العبارة السلبية بأخرى أكثر حياة: قد يكون من شأني أن أُحدث فرقًا فعندها فقط، تتحول المجتمعات من ساحات انتظار إلى ميادين عمل، ومن ثقافة اللامبالاة إلى ثقافة المبادرة ومن الاكتفاء بالمشاهدة إلى صناعة المستقبل !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...