أ. د. ثناء محمود قاسم - شكر وامتنان لصاحب المعاني والبيان

عند حصولي على الثانوية العامة عام 1986م ، والتفكير في التقدم بأوراقي إلى كلية دار العلوم جامعة القاهرة ، تحدثت في هذا الأمر مع صديقة أعرفها من المسجد ، و كانت منقولة إلى الفرقة الثانية بالكلية . وأنا من طبعي عند الإقدام على أمر ما التحادث مع أهل الذكر فيه ، والاستماع إلى أصحاب التجارب . دعتني إلى بيتها للاطلاع على بعض الكتب والمقررات التي تُدرس بالفرقة الأولى . كان أول كتاب دفعتْ به إلىّ ( أساليب علم البيان ) للدكتور حسن طبل . قَلَّبتُ في صفحاته فأخذني المضمون والتوجه ، ووجدتني أحلق في عالم لا أريد سواه ، عالم مازلت أحلق فيه إلى الآن . تأكدت - عندئذٍ - أن كلية دار العلوم ليست هي الخيار الأنسب لي فحسب ، لكن المسار الصحيح المنضبط ، والجدير بالمضي فيه بكل اطمئنان . فكانت من ألطاف الله في دنيتي .
في الأسبوع الأول من محاضرات الفرقة الأولى بالكلية ، دخل علينا صاحب الكتاب ، لم يستهلك الوقت في المقدمات والتعارف وغير ذلك مما أصبح بمثابة بروتوكلات المحاضرات الأولى في الجامعات . لكنه ومنذ اللحظات الأولى طرح علينا سؤالًا : ما معنى الصورة في البلاغة ؟ ثم طلب منا تقديم أمثلة من محفوظاتنا فيها صورة . فبدأ الطلاب يَجِدُّون في الجواب حتى صاروا جزءًا فاعلًا من المحاضرة ، وكنت منهم ، فرفعت يدي لأجيب رغم أنني كنت خجولة جدًا وقتها ، لكنه استطاع بطلته البشوشة ، وابتسامته الطيبة الودود أن يحرك يدي ولساني ، فعرضتُ بيتَ امرئ القيس الشهير : مِكرٍ مِفرٍ مُقبلٍ مُدبرٍ معًا . فكانت الإجابة بالتأكيد خاطئة ؛ لأن ما قدمت من شعر فيه حركة لا صورة . بعد قليل بدأ يتكشف ويقترب المعنى الصحيح لمفهوم الصورة ، بتناول الدكتور للأمثلة المقدمة من الطلاب والتعليق عليها . هكذا كنا أمام أستاذ جاد ، متمرس ، محنك ، حريص على التعليم وتنشيط التفكير لا مجرد التلقين .
اللقاء الثالث بصاحب الكتاب كان عند إشرافه على بحثي للماجستير ، وقد جاء هذا الإشراف قَدَرًا ،عقب قصة ما، لولاها ما حظيتُ بإشرافه ، وهي إحدى العلامات التي جعلتني أومن أن الأقدار وتدابير الله هي الأفضل لي دائمًا ، مادمتُ أتوكل عليه حق التوكل . التقيت معه - في مشوار الإشراف - اللطف والرحمة والود والعلم والأبوة . بدأ معي الطريق من أول ألف باء البحث العلمي ، تعلمت معه كيف أكتب بحثًا ، وكيف أفكر تفكيرًا علميًا . كان الناصح المخلص في كل مرحلة أتعثر فيها . لا أزال أتذكر دعابته المدهشة الألمعية حين كتب لي تعليقًا على هامش الأوراق التي كنت أقدمها له من بحثي في الماجستير. حيث كان يغلب على بدايات الفقرات التي أكتبها كلمة ( لعل ) : لعل كذا أو لعله كذا . فقد كانت لعل - في أغلب المواضع - بداية منقذة لي . فوجد أثناء قراءته الأوراق موضعًا لم أبدأ فيه بـ( لعل ) فكتب لي : لعل هذا هو الموضع الوحيد الذي لم تبدئي فيه بـ ( لعل ) .
مدهش أنني أثناء مراجعتي الآن بحثي للماجستير استعدادًا لطبعه ونشره ، لم أقف على أي موضع يحتاج إلى تدقيق لغوي أو تصويب علمي من حيث المنهج والأسلوب . فأياديه البيضاء وآثار توجيهاته ورعايته واضحة مطبوعة في كل موضع من البحث .
لم أكتب بحثًا علميًا في حياتي إلا ولأستاذي الدكتور حسن طبل منه نسخة ، خصصت له نسخة من رسالة الدكتوراه وسلمتها له تزامنًا مع تسليمي النسخ إلى لجنة المناقشة ، على الرغم من أنه لم يكن مشرفي . وكنت عند إعداد حقائب الأبحاث المقدمة إلى لجنة الترقية - في درجة أستاذ مساعد وأستاذ - أخصص له حقيبة مثلها. وكان هذا التصرف نابعًا من يقيني بأنه مهما ارتقيت بالدرجات العلمية ، فإن أستاذي هو أول من أخذ بيدي في أولى هذه الدرجات . والمدهش أنه كان - حفظه الله - يقرؤها . فكنت أحصل بثنائه عليها على الترقية قبل الترقية الرسمية . كان أول من اتصلت بهم فور خروجي من لجنة الترقيات وحصولي على درجة الأستاذية ، فقد كان يعلم أنني ماثلة الآن أمام اللجنة ، لأجده ينتظرني بلهفة الأب ، ويشاركني فرحتي ، ويستقبل الخبر بسعادة بالغة .
في كلمة مطولة لأحد طلابه النابهين قال : إن القيمة الحقيقية في طبيعة الأثر الذي كان يتركه فيمن يقترب منه، فقد بدا واضحًا - في شهادات تلاميذه ومحبيه - أنه لم يكن مجرد أستاذ متخصص في البلاغة، بل كان صاحب روح علمية وتربوية نادرة، تجمع بين الوقار والرفق، وبين العمق والبساطة، وبين الصرامة المنهجية والحدب الأبوي؛ ولهذا تحولت علاقتُه بكثير من طلابه من علاقة أستاذ بطالب إلى علاقة تكوينٍ وامتداد معرفي وإنساني طويل المدى.
وها أنا ذا أستاذي الجليل أضيف شهادتي إلى الكم العظيم من شهادات كل من حظي بالقرب منكم ، وتربى على غراس علمكم ونبل أخلاقكم ، ونهل من معين حصاد مصاحبتكم لكتاب الله ، بل هي كلمة شكر وتقدير وامتنان لصاحب البيان والمعاني والأفنان الأستاذ الدكتور حسن طبل .

ثناء محمود قاسم
أستاذ البلاغة والنقد الأدبي الحديث
كلية دار العلوم – جامعة الفيوم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...