أ. د. ياس خضير البياتي - وداعًا يا صوت العراق.. فاروق هلال... حين يعود الصوت إلى وطنه

.ليس فاروق هلال مجرد اسمٍ في سجل الغناء العراقي، ولا صوتًا عابرًا في ذاكرة الفن، بل هو نبرةٌ تشكّلت من طين العراق، ونمت في فضاء بغداد، وارتفعت كالنخلة في وجه الريح؛ ثابتةً في جذورها، ونديّةً في أغصانها.
هو من أولئك الفنانين الذين لا يُقاس حضورهم بعدد الألحان والأغنيات وحدها، وإنما بما يتركونه في الروح من أثرٍ لا يبهت، وفي الوجدان من صدى لا ينقطع.
ولد في بغداد عام 1935، المدينة التي تعرف كيف تُنجب الفن كما تُنجب الألم، وكيف تمنح أبناءها ذلك المزيج العجيب من الشجن والبهاء.
كان بغداديًا أصيلًا، ينتمي إلى منطقة العيواضية، ويحمل في شخصيته شيئًا من روح بغداد القديمة؛ بغداد التي كانت تعرف كيف تجعل من الحزن أغنية، ومن الحنين ذاكرة، ومن التفاصيل الصغيرة حكايةً لا تنتهي.
في تلك البيئة، نما بين نهرٍ وصوت، وبين أزقة تحفظ الحكايات وسماء تعلّم القلب كيف يصغي.
ومنذ خطواته الفنية الأولى، بدا كأنه لا يغني ليطرب فحسب، بل ليترجم ما يعجز الناس عن قوله حين يشتد بهم الوجع أو يفيض بهم الحنين.
كان صوته هادئًا، لكنه لم يكن هدوء العابرين؛ كان هدوء الفنان الواثق من عمق تجربته، المؤمن بأن النغمة الصادقة لا تحتاج إلى صخبٍ كي تصل، وأن الصوت حين يخرج من القلب يجد طريقه إلى القلوب.
وفي ألحانه مسحةٌ من رهافة عراقية أصيلة، تمتزج فيها العاطفة بالوقار، والحنين بالاتزان، حتى تبدو الأغنية عنده كأنها رسالةٌ سرية من القلب إلى القلب، لا مجرد أداءٍ عابر على موجات الإذاعة أو فوق خشبة المسرح.
وكان يعرف أن الأغنية ليست صوتًا وكلماتٍ ولحنًا فحسب، بل ذاكرةٌ وهوية، وأن الموسيقى حين تخرج من وجدان الناس تصبح جزءًا من حياتهم، وتتحول مع الزمن إلى سجلّ عاطفي لوطنٍ كامل.



وقد عرفه الناس مطربًا وملحنًا، فكان في المجالين صاحب بصمة واضحة، أسهم في صياغة ملامح خاصة للأغنية العراقية، ووازن بين الأصالة والتجديد، وبين الجذور والتحول، وبين شفافية الإحساس وعمق التجربة.
لم يكن أسير القالب التقليدي، كما لم يكن منقطعًا عن تراثه، بل كان يرى في الماضي جذرًا ضروريًا، وفي التجديد نافذةً لا بد منها.
ومن هنا جاءت خصوصية تجربته، التي جعلت من اللحن عنده لغةً ثانية للروح، ومن الغناء وسيلةً لاستعادة الإنسان لذاته وذاكرته.
ولعل أجمل ما يميزه أنه لم يكن فنانًا يطارد بريق اللحظة أو اللمعة العابرة، بل كان يبحث عن البقاء. والبقاء في الفن لا تمنحه الضوضاء، ولا تصنعه الشهرة وحدها، وإنما يمنحه الصدق؛ والصدق كان زاد فاروق هلال في رحلته الطويلة.
وقد توطدت علاقتي به منذ سبعينيات القرن الماضي، حين تعرفت إليه في أروقة الإذاعة والتلفزيون، في ذلك الزمن الذي كانت فيه المؤسسة الإعلامية قلبًا نابضًا للحياة الفنية والثقافية في العراق.
ثم ازدادت معرفتنا قربًا من خلال عملي في مجلة الإذاعة والتلفزيون، التي حملت لاحقًا اسم (فنون)، وحين توليت رئاسة تحريرها عام 1979، أصبحت علاقتي به أكثر رسوخًا، وانتقلت من معرفةٍ مهنية إلى صداقةٍ إنسانية وفنية امتدت سنوات، واحتفظت الذاكرة منها بلحظات لا تزال حاضرةً بكل تفاصيلها.
كان فاروق هلال مبدعًا كبيرًا، لكنه كان قبل ذلك وبعده إنسانًا عراقيًا أصيلًا، يحمل وطنه في صوته وذاكرته وملامح شخصيته.
وقد اتسم بقلق المبدع الحقيقي؛ ذلك القلق الذي لا يسمح لصاحبه بالاطمئنان إلى ما أنجز، ولا يدفعه إلى الاكتفاء بما تحقق، بل يجعله دائم التأمل في تجربته ومستقبل فنه.
كثيرًا ما كان يتأمل أعماله الغنائية والموسيقية، يراجعها ويناقش أثرها، وكأن الفن عنده سؤال مفتوح لا تنتهي إجابته.
لذلك لم ينظر إلى الأغنية بوصفها لحنًا جميلًا يعبر ثم ينتهي، بل رآها جزءًا من حركة فنية أوسع تحتاج إلى مؤسسات تحتضن الموهبة، وتكتشف الأصوات الجديدة، وتوفر للفنان البيئة التي تساعده على الاستمرار والإبداع.
ومن هنا تجاوز أثره حدود ما غناه ولحّنه، ليترك بصمته في جيل من الفنانين والمواهب الذين وجدوا في تجربته دعمًا وإيمانًا بقدرتهم على مواصلة الطريق.
و تتجلى قيمته بوصفه فنانًا خدم الموسيقى العراقية بحب وإخلاص، وأسهم في تشكيل الذائقة الفنية وإغناء الذاكرة السمعية العراقية. فالفنان الحقيقي لا يورّث الناس أغانيه فقط، بل يورّثهم الذائقة والاتجاه والإيمان بأن الفن موقفٌ وخلقٌ ومسؤولية.
وربما لهذا السبب ظل حضوره يتجاوز حدود المطرب والملحن إلى صورة الفنان الذي يترك أثرًا في الأجيال وفي المشهد الثقافي كله.
ويُعدّ برنامج (أصوات شابة) من أبرز محطات فاروق هلال الفنية، إذ كان منصةً لاكتشاف المواهب ورعايتها، وأسهم في تقديم أصوات جديدة، في مقدمتها المطرب كاظم الساهر، مما أكسبه لقب (صانع النجوم).
ولم يقتصر عطاؤه على اكتشاف المواهب، بل تعاون مع عدد كبير من المطربين العراقيين والعرب، ومن أبرزهم الفنان الكويتي عبد الله الرويشد، الذي ارتبط اسمه بألحانه من خلال أغنية (علّمني عليك) . وهكذا تجاوز أثر فاروق هلال أعماله الغنائية والتلحينية، ليترك بصمةً في مسيرة فنانين وأصوات أسهم في اكتشافها ورعايتها، مؤكدًا أن الفنان الحقيقي لا يصنع فنه وحده، بل يصنع أثرًا يمتد إلى الأجيال.
ومن أجمل اللقاءات التي بقيت في ذاكرتي ذلك الذي جمعني به في بودابست عام 1983، حين التقينا هناك مع الموسيقار الكبير منير بشير. وفي مدينة بعيدة عن بغداد، بدا لنا أننا نحمل وطننا معنا؛ فالغربة لا تلغي الوطن، بل ربما تجعله أكثر حضورًا في القلب.
وفي تلك الرحلة حضرنا معًا عرض (بحيرة البجع) في دار الأوبرا المجرية ، وكانت الموسيقى، بكل جمالها ورقيها، فضاءً آخر للتأمل في الفن. رأيت فاروق هلال يومها بعين الفنان الذي لا يكتفي بأن يسمع الموسيقى، بل يصغي إليها، ويتأمل تفاصيلها، ويبحث في أعماقها عن أسرار الجمال.
كان من أولئك الذين لا يغادرون المكان حين يغادرونه؛ لأنهم يحملون المكان في داخلهم.
ولذلك ظل العراق حاضرًا في تجربته، وظلت بغداد، بشوارعها وذكرياتها وأصواتها، تسكنه أينما ذهب.
أما آخر لقاء جمعني به، فكان في مصر، برفقة الصديق داود الفرحان، في أحد الكازينوهات المطلة على النيل.
كان النيل يجري أمامنا هادئًا، بينما كان في داخله شيء آخر يجري على نحوٍ مختلف.
في ذلك اللقاء رأيت فاروق هلال حزينًا، مثقلًا بالكآبة، وقد ترك البعد عن الوطن أثرًا عميقًا في روحه.
بدا لي يومها أن الفنان الذي عاش طويلًا مع الأغنية لم يعد يبحث عن لحن جديد بقدر ما كان يبحث عن شيء أعمق وأبسط: أن يعود.
كان العراق بالنسبة إليه أكثر من وطن؛ كان مكانًا للروح، وذاكرةً للطفولة، وملامح لمدينة لم يستطع أن ينفصل عنها، حتى وهو بعيد عنها.
وقد زاد المرض من وطأة غربته، لكن الحنين كان أشد حضورًا من الألم. شعرت في ذلك اللقاء الأخير أن بغداد كانت تجلس معنا، وأن العيواضية، وأزقة المدينة القديمة، وذكريات الإذاعة والتلفزيون، وأصوات الفنانين الذين عرفهم وعاش بينهم، كلها كانت حاضرةً في صمته أكثر مما كانت حاضرةً في الكلام.
كان فاروق هلال في ذلك اللقاء حزينًا، وكأن المسافة بينه وبين العراق لم تعد مسافة مكان، بل مسافة عمر.
ولعل أكثر ما يوجع في حكايته أن حلمه الأخير كان بسيطًا وعظيمًا في آنٍ واحد: أن يعود إلى وطنه، وأن يُدفن في ترابه.
وبعد سنوات الغربة والمرض، عاد إلى العراق. كانت عودته عودةً أخيرة؛ عاد الجسد إلى الوطن الذي ظل يسكنه طوال سنوات ابتعاده، فيما بقي صوته في الذاكرة، وبقيت أغنياته شاهدًا على زمن عراقي كانت فيه الأغنية تحمل ملامح البلد كله: ملوحة الأنهار، وحنين الأزقة، وحرارة العاطفة، ووقار التجربة.
رحل فاروق هلال، لكن الفنان الذي عاش قلقًا على فنه لم يرحل أثره. بقيت أعماله، وبقيت أفكاره، وبقيت علاقاته الإنسانية، وبقيت المواهب التي أسهم في رعايتها، وبقيت صورته في ذاكرة من عرفوه.
وربما كان أجمل ما في إرثه أنه لم يكن إرثًا من الألحان وحدها، بل إرثًا من المحبة والانتماء والإيمان بأن الفن يمكن أن يكون طريقًا لخدمة الوطن والإنسان.
إن الحديث عنه هو حديث عن مرحلة من تاريخ الموسيقى العراقية كانت فيها الأغنية تحمل هوية المكان ونبض الإنسان، وكانت قادرة على أن تحفظ الذاكرة وتلتقط تحولات المجتمع، وأن تمنح الناس صوتًا يشبههم.
وكان هو واحدًا من الذين أسهموا في صياغة ذلك الصوت؛ مرةً من خلال غنائه، ومرةً من خلال ألحانه، ومرةً من خلال اهتمامه بالمواهب والأفكار والمشروعات التي تتجاوز حدود الفرد إلى مستقبل الحركة الفنية.
ولذلك، فإنه لا يُختصر في كونه مطربًا أو ملحنًا، بل هو جزء من ذاكرة العراق الموسيقية، وفصل من تاريخ الأغنية العراقية، وشاهد على زمنٍ كانت فيه الموسيقى أكثر من فن؛ كانت وطنًا آخر يسكن الناس ويسكنونه.
غنى للعراق، وعاش للعراق، وابتعد عنه فازداد تعلقًا به، ثم عاد إليه في النهاية، كما يعود النهر إلى منبعه.
وهكذا، في الصفحة الأخيرة من حكايته، عاد فاروق هلال إلى حيث بدأ كل شيء؛ إلى العراق، إلى بغداد، إلى التراب الذي أحبّه. أما صوته، فقد بقي في الذاكرة، وبقي أثره في الأغنية العراقية، وبقيت سيرته جزءًا من حكاية جيلٍ كامل آمن بأن الفن يمكن أن يكون جمالًا وذاكرةً وانتماء.
ولعل هذا هو سر نبرته التي لا تشيخ؛ لأنها لم تكن نبرة صوتٍ فحسب، بل كانت نبرة عراقٍ كامل. صوتٌ عرف كيف يحوّل الحنين إلى موسيقى، والموسيقى إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وطن.
عاد فاروق هلال إلى وطنه، وبقي صوته فينا، لكن نعشه لم يُلفّ بعلم العراق، فبقي في القلب ما لم تحمله المراسم، وبقي الوجع أكبر من الوداع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...