يحيى بركات - المجتمع الفلسطيني... من يصنع الشرعية؟

رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل

هل ما زال المجتمع الفلسطيني يرى نفسه مصدر الشرعية؟

يحيى بركات -
مخرج وكاتب سينمائي -

الافتتاحية

منذ سنوات، ونحن نختلف حول كل شيء.

نختلف حول منظمة التحرير الفلسطينية. وحول السلطة الفلسطينية. وحول المقاومة. وحول المفاوضات. وحول الانتخابات. وحول الفصائل. وحول الأشخاص. وحول البرامج.

وكلما اشتد الخلاف، انشغلنا بالإجابة عن الأسئلة نفسها:

من يمثل الشعب؟ من يملك الشرعية؟ من يستحق القيادة؟ ومن يجب أن يرحل؟

لكنني، كلما تابعت هذا الجدل، شعرت أننا ندور حول الدائرة نفسها، وأننا نناقش النتائج، بينما نهمل السؤال الذي يسبقها جميعًا.

السؤال الذي لم نمنحه، ربما، ما يستحقه من تفكير.

من يصنع الشرعية؟

اعتدنا أن نبحث عن الشرعية في المؤسسات. في الانتخابات. وفي الفصائل. وفي منظمة التحرير. وفي السلطة. وفي القوانين.

لكن ماذا لو كنا نبدأ البحث من المكان الخطأ؟

ماذا لو لم تكن الشرعية تُصنع هناك أصلًا؟

وماذا لو كانت كل هذه المؤسسات، مهما كانت أهميتها، ليست إلا تعبيرًا عن شرعية أعمق، تبدأ من المجتمع نفسه؟

عندما نقول إن الشعب مصدر السلطات، فإننا لا نردد عبارة دستورية جميلة. بل نتحدث عن فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه. أن المجتمع هو الذي يمنح الشرعية. وهو الذي يسحبها. وهو الذي يصنع قياداته عندما يثق بها، ويستبدلها عندما تكف عن التعبير عنه.

لكن هل ما زال المجتمع الفلسطيني يعيش هذه الفكرة؟

أم أن سنوات الاحتلال، والمنفى، والانقسام، واتفاق أوسلو، وتعطل الانتخابات، والحروب المتلاحقة، جعلتنا نعتاد انتظار ما تقرره النخب السياسية، بدل أن نرى أنفسنا نحن مصدر الشرعية؟

هذا ليس اتهامًا لأحد. وليس دفاعًا عن أحد. بل هو سؤال أوجهه إلى نفسي قبل أن أوجهه إلى غيري.

لأنني أشعر أننا أصبحنا نتعامل مع السياسة كما لو أنها شأن خاص بالسياسيين، بينما هي، في حقيقتها، شأن المجتمع كله. وأصبحنا ننتظر المبادرات من القيادات، بعد أن كانت القيادات نفسها تولد من مبادرات المجتمع. وأصبحنا نختلف حول أسماء الأشخاص، أكثر مما نختلف حول طبيعة المشروع الوطني الذي ينبغي أن يحملوه.

ولهذا قررت أن أكتب هذه السلسلة.

لا لأقدم أحكامًا نهائية. ولا لأدافع عن تجربة أو أدين أخرى. بل لأبحث معكم عن الإجابة، خطوة بعد أخرى.

كيف تطورت علاقة المجتمع الفلسطيني بقياداته؟ ومتى كان المجتمع يقود السياسة، لا يتلقى نتائجها؟ ومتى بدأ هذا الميزان يميل؟ وهل ما نعيشه اليوم هو أزمة قيادات؟ أم أزمة مؤسسات؟ أم أن الأزمة، قبل ذلك كله، هي في العلاقة بين المجتمع والشرعية نفسها؟

قد لا نتفق في نهاية هذه الرحلة على جميع الإجابات. لكنني آمل أن نتفق على أهمية السؤال.

لأن الأمم التي تتوقف عن مساءلة مصادر شرعيتها، تترك مستقبلها لغيرها. أما الأمم التي تجرؤ على طرح الأسئلة الكبرى، فهي التي تفتح الطريق أمام تجديد نفسها.

ولهذا لن يكون سؤال هذه السلسلة: من يحكم الفلسطينيين؟

بل سيكون: من يمنح الحق في الحكم؟

وإذا كان المجتمع الفلسطيني هو مصدر الشرعية...

فمتى كان آخر عهدٍ كان فيه الفلسطينيون يصنعون شرعيتهم بأيديهم؟

الحلقة الأولى

هل نطرح الأسئلة الخطأ؟

لو أُعلن صباح الغد عن إجراء انتخابات تشريعية فلسطينية...

هل ستشارك؟

قد تجيب: نعم. وقد تجيب: لا.

لكن لماذا؟

هل لأنك تؤمن أن صوتك سيغير الواقع؟ أم لأنك تعتقد أن المشاركة، مهما كانت نتائجها، أفضل من الغياب؟

ولو قررت ألا تشارك... فهل لأنك لا تثق بقانون الانتخابات؟ أم لأنك لا تثق بالمرشحين؟ أم لأنك لا تثق بالعملية السياسية كلها؟

ولو فاز من لا تريد... هل ستعتبره ممثلًا لك؟ أم ستقول إنه يمثل من انتخبه فقط؟

ولو فاز من تريد... هل تعتقد أنه سيستطيع فعلًا أن يغيّر شيئًا؟ أم أنك تعرف، منذ لحظة إعلان النتائج، أن الاحتلال سيضع له الحدود، وأن الانقسام سيضع له الحدود، وأن الواقع الفلسطيني والإقليمي والدولي سيضع له حدودًا أخرى، فيصبح أسيرًا لها كما أصبح غيره؟

وإذا كنت لا تثق بالانتخابات... فبمن تثق؟

وإذا كنت لا تثق بالفصائل... فمن يمثلك؟

وإذا كنت لا تثق بالسلطة الفلسطينية... فمن يمنحها الشرعية؟

وإذا كنت لا ترى أن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل جميع الفلسطينيين... فمن يمثل الشعب الفلسطيني؟

توقف قليلًا.

لا تحاول أن تجيب بسرعة.

لأنك ستكتشف أن كل جواب يقود إلى سؤال آخر.

ولهذا بقي الجدل الفلسطيني يدور في الحلقة نفسها منذ سنوات.

كل فريق يملك إجابة. لكن لا أحد يسأل إن كان السؤال نفسه صحيحًا.

ربما لهذا السبب نخرج، بعد كل انتخابات، وبعد كل أزمة، وبعد كل اتفاق، وبعد كل انقسام، أكثر اختلافًا مما كنا.

وربما لهذا السبب أيضًا أصبح النقاش الفلسطيني يدور حول الأشخاص أكثر مما يدور حول الفكرة، وحول المؤسسات أكثر مما يدور حول المجتمع.

فنحن نسأل دائمًا: من ننتخب؟ ومن يقود؟ ومن يمثل؟ ومن يقرر؟

لكن... هل توقفنا مرة لنسأل السؤال الذي يسبق كل هذه الأسئلة؟

ربما تكمن المشكلة في أننا نطرح الأسئلة الخطأ.

ليس السؤال: هل نثق بهذه المؤسسة أو تلك؟

وليس السؤال: هل هذا الفصيل أفضل من ذاك؟

وليس السؤال: من هو الأحق بالقيادة؟

بل السؤال الذي يسبق كل ذلك هو:

من أين تأتي الشرعية أصلًا؟

من الذي يمنحها؟

هل تمنحها الانتخابات وحدها؟ أم تمنحها البنادق؟ أم التاريخ؟ أم الاعتراف الدولي؟ أم المؤسسات؟

أم أن هناك مصدرًا أسبق من كل ذلك... هو المجتمع نفسه؟

إذا عرفنا الجواب عن هذا السؤال... فسنفهم لماذا نجحت قيادات في لحظة، ولماذا فقدت شرعيتها في لحظة أخرى. وسنفهم لماذا ولدت مؤسسات قوية، ثم ضعفت. وسنفهم لماذا التف الناس حول مشروع وطني في مرحلة، ثم تفرقت بهم الطرق في مرحلة أخرى.

لكن هذا الجواب لا يمكن أن نجده إذا بدأنا من الحاضر وحده.

علينا أن نعود إلى اللحظة التي بدأ فيها المجتمع الفلسطيني يصنع شرعيته الوطنية بنفسه.

وليس لأننا نعشق التاريخ. وليس لأن ثورة عام 1936 صفحة مجيدة في الذاكرة الفلسطينية. بل لأننا نبحث عن أول لحظة وقف فيها المجتمع الفلسطيني، بكل مكوناته، وقال بالفعل قبل القول:

"نحن مصدر الشرعية."

ومن هناك... تبدأ الحكاية.

في ربيع عام 1936، لم يكن الفلسطينيون يملكون دولة، ولا سلطة، ولا جيشًا، ولا دستورًا. لكنهم كانوا يملكون شيئًا ربما كان أهم من كل ذلك... مجتمعًا يعرف أنه هو صاحب القرار عندما تتطلب اللحظة أن يقرر.

"في ذلك الربيع، لم ينتظر الفلسطينيون أحدًا ليمنحهم حق الحركة. هم الذين بادروا، وجعلوا من الإضراب العام فعلًا وطنيًا جامعًا، وبدأوا، من المجتمع نفسه، كتابة واحدة من أهم صفحات تاريخهم الوطني."

ومن هنا... تبدأ الحكاية.

يحيى بركات
26/7/2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...