قراءة في تصريحات سلام فياض… من «الطريق الثالث» إلى البحث عن نظام سياسي جديد
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
لم يكن سلام فياض يتحدث هذه المرة من خارج البيت.
لم يكن معارضاً يقف عند الباب، ولا مراقباً يطل على السلطة من بعيد، ولا سياسياً وجد في الأزمة فرصة لتصفية حساب قديم.
كان يتحدث كرجل دخل المبنى من أبوابه كلها.
عمل وزيراً للمالية.
ثم رئيساً للحكومة ووزيراً للمالية.
وعرف الممرات والغرف والخزائن ومراكز القرار، وعاش سنوات طويلة وهو يحاول أن يقنع الفلسطينيين والعالم بأن بناء المؤسسات، وضبط المال العام، وتحسين الإدارة، وفرض سيادة القانون، يمكن أن يفتح الطريق نحو الدولة.
لهذا، عندما يقول سلام فياض اليوم إن السلطة الوطنية الفلسطينية، بتركيبتها السياسية والهيكلية الحالية، أصبحت غير قابلة للإصلاح، فإن العبارة لا تمر بوصفها نقداً سياسياً عادياً.
إنها أشبه بشهادة مهندس وقف أمام البناء الذي شارك في ترميمه طويلاً، ثم قال أخيراً:
المشكلة لم تعد في الطلاء.
ولا في النوافذ.
ولا في الموظفين الذين يتحركون بين الغرف.
المشكلة في البناء نفسه.
وأنا لا أكتب هذه القراءة بصفتي أستاذاً في العلوم السياسية، ولا أدّعي امتلاك نظريات جاهزة عن أنظمة الحكم وإعادة بنائها.
أكتبها من تجربة عشتها.
عملت في مؤسسات السلطة، وفي مجال الإعلام الرسمي تحديداً.
عملت مع الرئيس ياسر عرفات منذ بيروت، ثم واصلت عملي بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وشاهدت من الداخل كيف تُصنع القرارات، وكيف تتحرك المؤسسات، وكيف يمكن أحياناً للكفاءة والخبرة والمهنية أن تتراجع أمام قوة اللوبي الذي يمسك بمفاصل الحكم.
وعرفت الدكتور سلام فياض منذ توليه حقيبة وزارة المالية، ثم حين أصبح رئيساً للوزراء ووزيراً للمالية.
رأيته رجل إدارة ومالية مخضرماً، يعرف لغة الأرقام والمؤسسات، ويمتلك خبرة حقيقية في تنظيم المال العام وبناء الأجهزة الإدارية.
لكنني رأيت أيضاً كيف يمكن لرجل يمتلك كل هذه الخبرة أن يُحاصر ويُفشل، لا لأنه يفتقر إلى المهنية، بل لأنه لم يكن جزءاً أصيلاً من لوبي القوة الحاكم.
وهنا تقع إحدى أهم خلاصات التجربة الفلسطينية:
قوة الشخص داخل النظام لم تكن دائماً مستمدة من خبرته أو قدرته على الإنجاز.
ولم تكن مرتبطة فقط بنظافة يده أو كفاءته أو معرفته.
كانت مرتبطة، في كثير من الأحيان، بموقعه داخل شبكة النفوذ.
هل هو جزء من اللوبي الذي يحكم؟
هل تحميه مراكز القوة؟
هل يمتلك امتدادات تنظيمية وأمنية ومالية؟
هل يقف خلفه رجال قادرون على إبقائه في موقعه؟
هذه الأسئلة كانت، في لحظات كثيرة، أهم من سؤال:
هل هذا الشخص ناجح في عمله؟
ومن هنا تأتي أهمية تصريحات فياض اليوم.
فالرجل الذي ارتبط اسمه طويلاً بإصلاح المؤسسات، يعترف الآن بأن المؤسسة نفسها، بتركيبتها السياسية والهيكلية الحالية، لم تعد قابلة للإصلاح.
وهذه ليست مجرد مراجعة لأداء الآخرين.
إنها مراجعة، بصورة أو بأخرى، للتجربة التي حمل اسمه جزءاً كبيراً منها.
لقد قامت تجربة سلام فياض على فكرة أن بناء المؤسسات الكفؤة، وفرض سيادة القانون، وضبط المال العام، وتحسين الخدمات، يمكن أن يفتح الطريق نحو الدولة.
لكن الرجل الذي راهن على إصلاح الإدارة يقول اليوم إن الإدارة، مهما بلغت من الكفاءة، لا تكفي.
ولو أصبحت السلطة، كما قال، في مستوى فنلندا من حيث الكفاءة الإدارية، فلن يمنحها ذلك وحده الشرعية اللازمة لتمثيل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
هذه الجملة ليست تفصيلاً عابراً.
إنها انتقال من سؤال الكفاءة إلى سؤال الشرعية.
فقد تكون لديك حكومة من أفضل الخبراء.
وقد تنجح في ضبط المال العام.
وقد تعيد تنظيم الوزارات.
وقد تقدم خدمات أفضل للناس.
لكن ذلك كله لا يمنحها تلقائياً الحق في تمثيلهم أو تقرير مستقبلهم.
فالشرعية ليست شهادة جودة إدارية.
وليست تقريراً يصدر عن مؤسسة مالية دولية.
وليست ثقة تمنحها واشنطن أو بروكسل لحكومة فلسطينية لأنها تدير الأمور بهدوء.
الشرعية، في معناها السياسي، تبدأ من الشعب.
من حقه في الاختيار.
ومن قدرته على المحاسبة.
ومن إمكانه تغيير من يحكمه.
أما الإنجاز، فيأتي بعد ذلك ليحمي الشرعية أو يبددها.
وهنا يظهر تناقض داخل طرح فياض نفسه.
فهو يقول إن الكفاءة الإدارية لا تعوض غياب الشرعية، ثم يعود إلى التأكيد أن الحكومة المقبلة يمكنها اكتساب شرعيتها من الإنجاز وتقديم الخدمات.
لكن الإنجاز لا يصنع الشرعية من العدم.
قد يمنح الحكومة ثقة الناس واحترامهم، لكنه لا يمنحها وحده تفويضاً سياسياً.
الحكومة تستمد حقها في الحكم من الشعب، ثم تثبت استحقاقها لهذا الحق بما تنجزه.
الشرعية يمنحها الاختيار.
وتحميها المحاسبة.
ويجددها الإنجاز.
الطريق الثالث… حين سبقت الأسماء المجتمع
لفهم تصريحات سلام فياض اليوم، لا بد من العودة إلى تجربة «الطريق الثالث».
في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، خاض فياض الانتخابات إلى جانب الدكتورة حنان عشراوي ضمن قائمة حملت هذا الاسم، في محاولة لتقديم بديل مدني وديمقراطي عن الاستقطاب بين فتح وحماس.
لكن القائمة لم تحصل إلا على مقعدين من أصل 132، شغلهما فياض وعشراوي.
لم تكن النتيجة حكماً على كفاءة الرجلين.
سلام فياض كان يمتلك خبرة مالية وإدارية واسعة.
وحنان عشراوي كانت واحدة من أبرز الشخصيات السياسية والفكرية الفلسطينية وأكثرها حضوراً في العالم.
لكن السياسة لا تُبنى بالأسماء وحدها.
ولا تكفي السيرة الذاتية الجيدة لصناعة قوة اجتماعية.
كان «الطريق الثالث» عنواناً جذاباً، لكنه لم يتحول إلى طريق يسير فيه الناس.
لم ينشأ من حركة اجتماعية ممتدة في القرى والمخيمات والجامعات والنقابات والبلديات.
لم يحمله شباب ونساء وعمال ومثقفون ومزارعون رأوا أنفسهم شركاء في بنائه.
ولم يمتلك شبكة اجتماعية وتنظيمية تستطيع منافسة فتح وحماس، بما تملكانه من تاريخ طويل ومؤسسات وامتدادات تنظيمية وعائلية واجتماعية.
دخل «الطريق الثالث» الانتخابات من أعلى.
من برنامج ونخبة وشخصيات محترمة.
بينما دخلت القوتان الكبيرتان من تاريخ طويل، وتنظيمات راسخة، وشبكات نفوذ ممتدة.
كانت الأسماء قد وصلت إلى صندوق الاقتراع، لكن الفكرة لم تكن قد وصلت بعد إلى المجتمع.
وهذه ليست ملاحظة نوجهها إلى تجربة مضت وانتهت.
إنها أحد الأسباب التي تجعلني أقول اليوم إن البرامج السياسية لا يجوز أن تكتبها مجموعة من الخبراء ثم تعرضها على الناس قبل الانتخابات.
وأقول ذلك لا لأن مشاركة الناس عبارة جميلة تصلح للخطب، بل لأن التجارب السابقة أثبتت أن البرنامج الذي لا يولد من المجتمع يبقى ملكاً لمن كتبه، ولا يتحول إلى قوة يحملها الناس ويدافعون عنها.
لقد جُرّبت القوائم التي تُبنى حول أسماء معروفة.
وجُرّبت البرامج التي تصوغها النخب في غرف مغلقة.
وجُرّبت التحالفات التي تظهر قبيل الانتخابات، ثم تختفي بعدها.
وجُرّبت الحكومات التي تتحدث باسم الناس من دون أن يكون الناس شركاء في اختيارها أو تحديد أولوياتها.
وفشلت هذه التجارب، لا لأن كل ما جاء فيها كان سيئاً، بل لأنها بدأت من الأعلى، ثم بحثت عن المجتمع في نهاية الطريق.
لذلك، حين أقول إننا نريد برامج يشارك الناس في كتابتها، فإنني لا أطرح فكرة نظرية أو شعاراً مثالياً.
أنا أستخلص درساً من تجاربنا.
البرنامج الذي يشارك المزارع في كتابة ما يتعلق بالأرض، ويشارك العامل في صياغة حقوق العمل، وتشارك المرأة في تحديد مكانتها وحقوقها، ويشارك الشباب في رسم مستقبلهم، ويشارك المثقف والفنان والأكاديمي في بناء الهوية والرؤية الوطنية، يصبح برنامجاً يملكه المجتمع.
أما البرنامج الذي يكتبه الخبراء وحدهم، مهما بلغت جودته، فقد يبقى وثيقة ممتازة لا تجد من يحملها.
هل السلطة غير قابلة للإصلاح… أم أن وظيفتها انتهت؟
حين يقول فياض إن السلطة لم تعد قابلة للإصلاح، تبرز أسئلة لا تقل أهمية عن العبارة نفسها.
هل يقصد أن القيادة الحالية لا تريد الإصلاح؟
أم أن البنية القانونية والسياسية التي تراكمت طوال العقود الماضية أصبحت تمنع أي إصلاح حقيقي؟
أم أن السلطة، بوظيفتها التي تأسست في إطار اتفاق أوسلو، وصلت إلى نهايتها التاريخية، ولم تعد قادرة على التحول إلى دولة أو إلى أداة تحرر وطني؟
الفارق بين هذه الاحتمالات كبير.
إذا كانت المشكلة في القيادة، يمكن تغيير القيادة.
وإذا كانت المشكلة في القوانين والمؤسسات، يمكن إعادة بنائها.
أما إذا كانت المشكلة في الوظيفة التي أُنشئت السلطة من أجلها، فإننا لا نكون أمام أزمة إصلاح، بل أمام ضرورة إعادة تعريف النظام السياسي كله.
ومن واقع التجربة، لا أعتقد أن المشكلة كانت يوماً في غياب الكفاءات الفلسطينية.
لدينا خبراء واقتصاديون وإداريون وأكاديميون ومثقفون يمتلكون خبرات كبيرة.
لكن المشكلة كانت دائماً في السؤال التالي:
هل تستطيع الكفاءة أن تعمل خارج شبكة الولاء والنفوذ؟
لقد حاول فياض أن يبني قوة للإدارة والمال والقانون.
لكن لوبي القوة الحاكم كان أقدر على حماية مصالحه، وأشد تمسكاً بمواقعه، وأكثر قدرة على تعطيل من لا يدخل في شبكته.
ولهذا، لم يكن إفشال فياض دليلاً على ضعف الرجل الإداري والمالي، بقدر ما كان دليلاً على أن النظام لا يسمح للإدارة بأن تصبح أقوى من السياسة، ولا للمؤسسة بأن تصبح أقوى من شبكة النفوذ.
كان المطلوب أن تخضع المؤسسة للقوة الحاكمة، لا أن تخضع القوة الحاكمة للمؤسسة.
وحين حاولت الإدارة أن تضع قواعد على حركة المال والقرار، اصطدمت بمن اعتادوا أن يكون القرار والمال جزءاً من نفوذهم.
وهذه هي المعضلة التي تجعل الإصلاح من الداخل شديد الصعوبة.
لأن الإصلاح لا يواجه أخطاء إدارية فقط.
إنه يواجه مصالح استقرت، ومواقع قوة تكونت، وعلاقات ترى في الإصلاح تهديداً مباشراً لوجودها.
اتفاق بكين… وحدة الفصائل أم استعادة الشعب؟
يستند فياض في رؤيته إلى «إعلان بكين»، الذي توافق فيه عدد من الفصائل الفلسطينية، بما فيها فتح وحماس والجهاد الإسلامي، على العمل من أجل وحدة وطنية، وتفعيل الإطار القيادي الموحد، وتشكيل حكومة توافق تتولى شؤون غزة والضفة وإعادة الإعمار والتحضير للانتخابات.
وهو محق في أن تعطيل الاتفاق أضاع فرصة مهمة.
ومحق في أن أي نظام سياسي فلسطيني جديد لا يمكن بناؤه بإقصاء حماس أو الجهاد أو أي قوة حقيقية موجودة في المجتمع.
لكن السؤال الأعمق هو:
هل اجتماع الفصائل يعيد الشرعية إلى الشعب، أم يعيد توزيع السلطة بين الفصائل؟
الفصائل جزء أصيل من الشعب الفلسطيني ومن تاريخه السياسي والنضالي.
لكنها ليست الشعب كله.
وليست قياداتها، مهما كانت شرعيتها التنظيمية أو تاريخها، بديلاً دائماً عن إرادة الفلسطينيين.
المشكلة الفلسطينية لم تعد فقط انقساماً بين فتح وحماس.
إنها أيضاً انقسام بين المجتمع والنظام السياسي.
وبين الناس والمؤسسات.
وبين الأجيال الجديدة وقيادات تشكلت في أزمنة مختلفة، ثم بقيت في مواقعها بينما تغير كل شيء من حولها.
لقد جرى اختزال الشعب في الفصائل.
ثم اختُزلت الفصائل في قياداتها.
ثم اختُزلت القيادة في دائرة ضيقة.
وفي النهاية، أصبح المواطن آخر من يعرف، وآخر من يُسأل، وأول من يدفع الثمن.
لذلك، يمكن للإطار القيادي الموحد أن يكون جسراً ضرورياً للمرحلة الانتقالية.
لكن لا يجوز أن يتحول إلى مصدر جديد للشرعية فوق المجتمع.
دوره أن يعيد القرار إلى الشعب، لا أن يتقاسمه نيابة عنه.
حكومة الكفاءات… من يحميها من لوبي القوة؟
يقترح فياض تشكيل حكومة كفاءات مستقلة وغير حزبية، تتولى إدارة غزة والضفة، وملفات الإغاثة والإعمار، وتحسين حياة الناس، والتحضير لانتخابات عامة.
والاقتراح يبدو منطقياً.
فالفلسطينيون يحتاجون، خصوصاً بعد الدمار الهائل في غزة، إلى حكومة قادرة على حماية المال العام، وإدارة الإعمار بشفافية، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والبيوت والمؤسسات، بعيداً عن المحاصصة الفصائلية.
لكن تجربتنا تقول إن اختيار الكفاءات لا يكفي.
السؤال ليس فقط:
من هم الوزراء؟
السؤال أيضاً:
من يحميهم عندما يصطدمون بمراكز النفوذ؟
من يمنع اللوبي الحاكم من إفشالهم؟
من يعطيهم القدرة على تطبيق القانون على القوي قبل الضعيف؟
ومن يضمن ألا تتحول استقلاليتهم إلى مجرد وصف على الورق؟
لقد رأينا كيف يمكن للخبير أن يدخل الحكومة محملاً بالخطط والبرامج، ثم يكتشف أن القرار الحقيقي موجود في مكان آخر.
ورأينا كيف يستطيع مسؤول أقل خبرة وأضعف مهنية أن يكون أقوى من وزير كامل الصلاحيات، لمجرد أنه جزء من شبكة القوة التي تحكم.
ولهذا، فإن حكومة الكفاءات لا تكون حلاً إلا إذا تغيرت البيئة السياسية التي تعمل فيها.
لا يكفي أن نستبدل الأشخاص.
يجب أن نغير القواعد التي تحدد من يملك القرار، وكيف يمارسه، ومن يحاسب من، ومن يستطيع تعطيل القانون.
كما أن عبارة «حكومة مستقلة» لا تكفي.
من يختار أعضاءها؟
من يضع برنامجها؟
من يراقبها؟
إلى من تعود في القرارات الكبرى؟
قد يكون الوزير مستقلاً تنظيمياً، لكنه جاء بقرار فصائلي أو برعاية إقليمية أو دولية.
وقد لا يحمل بطاقة حزبية، لكنه لا يملك قدرة حقيقية على مواجهة مراكز النفوذ.
لذلك، فإن أي حكومة انتقالية يجب أن تقوم على برنامج وطني معلن، ومرجعية واضحة، ورقابة مجتمعية، وسقف زمني محدد، والتزام لا يحتمل التأويل بإجراء الانتخابات.
وإلا تحولت المرحلة الانتقالية إلى مرحلة دائمة أخرى.
فالسلطة الفلسطينية نفسها وُلدت بوصفها سلطة انتقالية لخمس سنوات.
ثم مضت أكثر من ثلاثة عقود، وكبر المؤقت حتى ابتلع المستقبل.
مجلس الأمن… القرار الذي يحتاج إلى قوة تحمله
يقترح فياض تجاوز المفاوضات الثنائية غير المتكافئة، والعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن يعترف صراحة بحق الشعب الفلسطيني في دولة ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967، بما يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
وهذه محاولة مهمة لتصحيح الخلل الذي قام عليه اتفاق أوسلو.
فالفلسطيني اعترف بإسرائيل.
أما إسرائيل فلم تعترف بالدولة الفلسطينية.
واعترفت منظمة التحرير بالطرف الذي يحتل الأرض، بينما بقي حق الشعب صاحب الأرض موضوعاً للتفاوض المفتوح.
لكن القرار الدولي، مهما كانت أهميته، لا يولد من الصياغة القانونية وحدها.
إسرائيل لا تملك حق النقض داخل مجلس الأمن، لكنها تملك من النفوذ في واشنطن ما جعل الفيتو الأميركي يؤدي الوظيفة نفسها مرات كثيرة.
لذلك، فإن الوصول إلى قرار ملزم يحتاج إلى ميزان سياسي يجعل تعطيله مكلفاً.
يحتاج إلى وحدة فلسطينية حقيقية.
وإلى استراتيجية دبلوماسية تستند إلى القانون الدولي والمحاكم الدولية والجمعية العامة.
وإلى توسيع عزلة إسرائيل.
وإلى استثمار التحول الكبير الذي شهده الرأي العام العالمي بعد حرب الإبادة على غزة.
لقد تغير العالم.
انكسرت أجزاء واسعة من الصورة التي صنعتها إسرائيل لنفسها.
لكن هذا التحول الأخلاقي لا يصبح قوة سياسية من تلقاء نفسه.
يحتاج إلى مشروع فلسطيني موحد وقادر على التقاطه وتنظيمه وتحويله إلى ضغط وقرارات وموازين جديدة.
قرار مجلس الأمن يمكن أن يكون تتويجاً لهذا التحول.
لكنه لا يستطيع أن يصنعه وحده.
من أين تبدأ إعادة البناء؟
أتفق مع سلام فياض في جوهر تشخيصه.
الأزمة ليست أزمة وزير ضعيف يمكن استبداله بوزير أكثر كفاءة.
وليست أزمة حكومة يمكن إنقاذها بتعديل وزاري.
وليست مشكلة إدارية تُحل بإعادة ترتيب المكاتب وتغيير بعض القوانين.
لقد وصل النظام السياسي الفلسطيني، بصيغته الحالية، إلى طريق مسدود.
لكن اختلافي الأساسي معه يبدأ من نقطة الانطلاق.
فياض يبدأ من القيادة.
ثم الفصائل.
ثم الحكومة.
ثم يصل، في نهاية الطريق، إلى المجتمع والانتخابات.
أما أنا فأرى أن البداية يجب أن تكون من المجتمع نفسه.
وهذا الرأي لم أصل إليه من كتاب في العلوم السياسية.
وصلت إليه من التجربة.
من مشاهدة مشاريع كثيرة تبدأ من أعلى ثم تفشل في الوصول إلى الناس.
ومن قوائم انتخابية صنعتها النخب ثم اكتشفت أنها لا تملك قاعدة اجتماعية.
ومن برامج كتبت بلغة ممتازة، لكنها بقيت أوراقاً لأن المجتمع لم يشارك في صياغتها.
ومن حكومات ضمت كفاءات حقيقية، ثم حوصرت لأنها لم تكن جزءاً من لوبي القوة.
ومن مؤسسات حاولت أن تصبح أقوى من الأشخاص، فوجدت أن الأشخاص المحميين بالشبكات أقوى من المؤسسات.
لهذا أقول إننا نريد برامج يشارك الناس في كتابتها.
ليس لأن كل مواطن يجب أن يصبح خبيراً في الاقتصاد أو القانون، بل لأن الناس يعرفون مشاكلهم وأولوياتهم، ولأن البرنامج الذي لا يشعر المجتمع أنه شريك في بنائه لن يتحول إلى قوة سياسية أو أخلاقية تحميه.
نريد أن يشارك المزارعون في كتابة ما يتعلق بالأرض والصمود.
وأن يشارك العمال في صياغة السياسات التي تمس حقوقهم.
وأن تشارك النساء في تحديد موقعهن وحقوقهن، لا أن يُمنحن كوتة ثم يُطلب منهن الصمت.
وأن يشارك الشباب في رسم المستقبل الذي سيعيشونه.
وأن يشارك الفنانون والمثقفون والأكاديميون في بناء الهوية والرؤية الوطنية.
نريد مرشحين يولدون من المجتمع.
لا أسماء تختارها غرف مغلقة، ثم تُعرض على الناس قبل الانتخابات بأسابيع.
نريد معايير معلنة تجعل خدمة الناس والنزاهة والكفاءة والتاريخ الوطني أهم من القرب من مراكز القوة.
فالمشكلة في تجربتنا لم تكن غياب الرجال والنساء القادرين.
المشكلة أن أصحاب الكفاءة ظلوا في كثير من الأحيان أضعف من أصحاب النفوذ.
وأن من يقف داخل اللوبي الحاكم كان أقدر على البقاء من صاحب الخبرة والمهنية.
لهذا، لا يكفي أن نقول إننا نريد حكومة كفاءات.
يجب أن نبني نظاماً يجعل الكفاءة أقوى من الواسطة.
والقانون أقوى من اللوبي.
والمؤسسة أقوى من الفرد.
والشعب أقوى من الجميع.
نريد انتخابات تشريعية ورئاسية، وانتخابات لمجلس وطني يمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
انتخابات لا تعيد توزيع المقاعد فقط، بل تعيد بناء منظمة التحرير، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والقيادة، وتمنح الشعب سلطة الاختيار والمحاسبة والتغيير.
ونريد دستوراً لا تكتبه لجنة ثم تعرضه على الناس، بل يولد من نقاش وطني واسع.
لأن الدستور ليس نصاً قانونياً فقط.
إنه العقد الذي يحدد من يملك السلطة، وكيف تُمارس، وكيف يمنع الشعب تحولها إلى ملكية خاصة.
لسنا بحاجة إلى مهندس جديد فقط
تكمن أهمية تصريحات سلام فياض في أنها تعلن نهاية وهم ظل يرافق التجربة الفلسطينية طويلاً:
وهم أن تحسين الإدارة يمكن أن يعوض غياب السياسة.
وأن بناء المؤسسات يمكن أن يستمر بينما تتآكل الشرعية.
وأن حكومة الخبراء تستطيع أن تحمل وحدها مشروعاً وطنياً.
لقد وصل مهندس الإصلاح إلى استنتاج مهم:
لا يمكن إصلاح الغرف إذا كانت قواعد البيت تتصدع.
لكن تجربتنا تقول أيضاً إن المهندس، مهما بلغت خبرته، لا يستطيع أن يبني إذا كان لوبي القوة يهدم ما يبنيه، أو يمنعه من الاقتراب من الأساسات.
سلام فياض لم يفشل لأنه لم يعرف الإدارة أو المال.
لقد كان، في تقديري، واحداً من أكثر من تولوا هذه المواقع خبرة ومهنية.
لكنه اصطدم بنظام كانت فيه قوة الأشخاص لا تقاس دائماً بما يعرفونه أو بما ينجزونه، بل بمدى قربهم من شبكة الحكم وقدرتها على حمايتهم.
وهذه هي العبرة الأهم.
لسنا بحاجة فقط إلى شخص أكثر كفاءة.
ولا إلى حكومة جديدة تحمل الأسماء نفسها بصورة مختلفة.
ولا إلى طريق ثالث بين فتح وحماس تصنعه نخبة محترمة ثم تطلب من الناس السير خلفها.
نحن بحاجة إلى طريق يشارك المجتمع الفلسطيني في فتحه منذ الخطوة الأولى.
طريق لا يكون فيه الشعب جمهوراً ينتظر ظهور القادة على الشاشة.
ولا كتلة تصويت تُستدعى كل عشرين عاماً.
ولا ضحية يُطلب منها الصمود بينما يقرر الآخرون مصيرها.
نحتاج إلى مشهد جديد.
تتراجع فيه الكاميرا عن المنصة.
وتخرج من غرفة الاجتماعات.
وتمر في ممرات المؤسسات التي عرفناها طويلاً.
ثم تنزل إلى الشارع والجامعة والمخيم والقرية.
وهناك يظهر أصحاب الحكاية الحقيقيون.
السلطة يمكن إعادة هيكلتها.
والحكومة يمكن تغييرها.
والفصائل يمكن أن تتصالح.
لكن الوطن لا يستعيد روحه إلا عندما يستعيد الشعب موقعه بوصفه مصدر الشرعية، وصاحب القرار، والسلطة الأولى والأخيرة.
عندها فقط تصبح المهنية أقوى من الولاء.
والخبرة أقوى من الواسطة.
والمؤسسة أقوى من اللوبي.
وعندها لا يكون الإصلاح طلاءً جديداً على جدار قديم.
بل تأسيساً جديداً لبيت بناه الفلسطينيون بأيديهم…
وبقيت مفاتيحه في جيوبهم.
يحيى بركات
27/7/2026
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
لم يكن سلام فياض يتحدث هذه المرة من خارج البيت.
لم يكن معارضاً يقف عند الباب، ولا مراقباً يطل على السلطة من بعيد، ولا سياسياً وجد في الأزمة فرصة لتصفية حساب قديم.
كان يتحدث كرجل دخل المبنى من أبوابه كلها.
عمل وزيراً للمالية.
ثم رئيساً للحكومة ووزيراً للمالية.
وعرف الممرات والغرف والخزائن ومراكز القرار، وعاش سنوات طويلة وهو يحاول أن يقنع الفلسطينيين والعالم بأن بناء المؤسسات، وضبط المال العام، وتحسين الإدارة، وفرض سيادة القانون، يمكن أن يفتح الطريق نحو الدولة.
لهذا، عندما يقول سلام فياض اليوم إن السلطة الوطنية الفلسطينية، بتركيبتها السياسية والهيكلية الحالية، أصبحت غير قابلة للإصلاح، فإن العبارة لا تمر بوصفها نقداً سياسياً عادياً.
إنها أشبه بشهادة مهندس وقف أمام البناء الذي شارك في ترميمه طويلاً، ثم قال أخيراً:
المشكلة لم تعد في الطلاء.
ولا في النوافذ.
ولا في الموظفين الذين يتحركون بين الغرف.
المشكلة في البناء نفسه.
وأنا لا أكتب هذه القراءة بصفتي أستاذاً في العلوم السياسية، ولا أدّعي امتلاك نظريات جاهزة عن أنظمة الحكم وإعادة بنائها.
أكتبها من تجربة عشتها.
عملت في مؤسسات السلطة، وفي مجال الإعلام الرسمي تحديداً.
عملت مع الرئيس ياسر عرفات منذ بيروت، ثم واصلت عملي بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وشاهدت من الداخل كيف تُصنع القرارات، وكيف تتحرك المؤسسات، وكيف يمكن أحياناً للكفاءة والخبرة والمهنية أن تتراجع أمام قوة اللوبي الذي يمسك بمفاصل الحكم.
وعرفت الدكتور سلام فياض منذ توليه حقيبة وزارة المالية، ثم حين أصبح رئيساً للوزراء ووزيراً للمالية.
رأيته رجل إدارة ومالية مخضرماً، يعرف لغة الأرقام والمؤسسات، ويمتلك خبرة حقيقية في تنظيم المال العام وبناء الأجهزة الإدارية.
لكنني رأيت أيضاً كيف يمكن لرجل يمتلك كل هذه الخبرة أن يُحاصر ويُفشل، لا لأنه يفتقر إلى المهنية، بل لأنه لم يكن جزءاً أصيلاً من لوبي القوة الحاكم.
وهنا تقع إحدى أهم خلاصات التجربة الفلسطينية:
قوة الشخص داخل النظام لم تكن دائماً مستمدة من خبرته أو قدرته على الإنجاز.
ولم تكن مرتبطة فقط بنظافة يده أو كفاءته أو معرفته.
كانت مرتبطة، في كثير من الأحيان، بموقعه داخل شبكة النفوذ.
هل هو جزء من اللوبي الذي يحكم؟
هل تحميه مراكز القوة؟
هل يمتلك امتدادات تنظيمية وأمنية ومالية؟
هل يقف خلفه رجال قادرون على إبقائه في موقعه؟
هذه الأسئلة كانت، في لحظات كثيرة، أهم من سؤال:
هل هذا الشخص ناجح في عمله؟
ومن هنا تأتي أهمية تصريحات فياض اليوم.
فالرجل الذي ارتبط اسمه طويلاً بإصلاح المؤسسات، يعترف الآن بأن المؤسسة نفسها، بتركيبتها السياسية والهيكلية الحالية، لم تعد قابلة للإصلاح.
وهذه ليست مجرد مراجعة لأداء الآخرين.
إنها مراجعة، بصورة أو بأخرى، للتجربة التي حمل اسمه جزءاً كبيراً منها.
لقد قامت تجربة سلام فياض على فكرة أن بناء المؤسسات الكفؤة، وفرض سيادة القانون، وضبط المال العام، وتحسين الخدمات، يمكن أن يفتح الطريق نحو الدولة.
لكن الرجل الذي راهن على إصلاح الإدارة يقول اليوم إن الإدارة، مهما بلغت من الكفاءة، لا تكفي.
ولو أصبحت السلطة، كما قال، في مستوى فنلندا من حيث الكفاءة الإدارية، فلن يمنحها ذلك وحده الشرعية اللازمة لتمثيل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
هذه الجملة ليست تفصيلاً عابراً.
إنها انتقال من سؤال الكفاءة إلى سؤال الشرعية.
فقد تكون لديك حكومة من أفضل الخبراء.
وقد تنجح في ضبط المال العام.
وقد تعيد تنظيم الوزارات.
وقد تقدم خدمات أفضل للناس.
لكن ذلك كله لا يمنحها تلقائياً الحق في تمثيلهم أو تقرير مستقبلهم.
فالشرعية ليست شهادة جودة إدارية.
وليست تقريراً يصدر عن مؤسسة مالية دولية.
وليست ثقة تمنحها واشنطن أو بروكسل لحكومة فلسطينية لأنها تدير الأمور بهدوء.
الشرعية، في معناها السياسي، تبدأ من الشعب.
من حقه في الاختيار.
ومن قدرته على المحاسبة.
ومن إمكانه تغيير من يحكمه.
أما الإنجاز، فيأتي بعد ذلك ليحمي الشرعية أو يبددها.
وهنا يظهر تناقض داخل طرح فياض نفسه.
فهو يقول إن الكفاءة الإدارية لا تعوض غياب الشرعية، ثم يعود إلى التأكيد أن الحكومة المقبلة يمكنها اكتساب شرعيتها من الإنجاز وتقديم الخدمات.
لكن الإنجاز لا يصنع الشرعية من العدم.
قد يمنح الحكومة ثقة الناس واحترامهم، لكنه لا يمنحها وحده تفويضاً سياسياً.
الحكومة تستمد حقها في الحكم من الشعب، ثم تثبت استحقاقها لهذا الحق بما تنجزه.
الشرعية يمنحها الاختيار.
وتحميها المحاسبة.
ويجددها الإنجاز.
الطريق الثالث… حين سبقت الأسماء المجتمع
لفهم تصريحات سلام فياض اليوم، لا بد من العودة إلى تجربة «الطريق الثالث».
في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، خاض فياض الانتخابات إلى جانب الدكتورة حنان عشراوي ضمن قائمة حملت هذا الاسم، في محاولة لتقديم بديل مدني وديمقراطي عن الاستقطاب بين فتح وحماس.
لكن القائمة لم تحصل إلا على مقعدين من أصل 132، شغلهما فياض وعشراوي.
لم تكن النتيجة حكماً على كفاءة الرجلين.
سلام فياض كان يمتلك خبرة مالية وإدارية واسعة.
وحنان عشراوي كانت واحدة من أبرز الشخصيات السياسية والفكرية الفلسطينية وأكثرها حضوراً في العالم.
لكن السياسة لا تُبنى بالأسماء وحدها.
ولا تكفي السيرة الذاتية الجيدة لصناعة قوة اجتماعية.
كان «الطريق الثالث» عنواناً جذاباً، لكنه لم يتحول إلى طريق يسير فيه الناس.
لم ينشأ من حركة اجتماعية ممتدة في القرى والمخيمات والجامعات والنقابات والبلديات.
لم يحمله شباب ونساء وعمال ومثقفون ومزارعون رأوا أنفسهم شركاء في بنائه.
ولم يمتلك شبكة اجتماعية وتنظيمية تستطيع منافسة فتح وحماس، بما تملكانه من تاريخ طويل ومؤسسات وامتدادات تنظيمية وعائلية واجتماعية.
دخل «الطريق الثالث» الانتخابات من أعلى.
من برنامج ونخبة وشخصيات محترمة.
بينما دخلت القوتان الكبيرتان من تاريخ طويل، وتنظيمات راسخة، وشبكات نفوذ ممتدة.
كانت الأسماء قد وصلت إلى صندوق الاقتراع، لكن الفكرة لم تكن قد وصلت بعد إلى المجتمع.
وهذه ليست ملاحظة نوجهها إلى تجربة مضت وانتهت.
إنها أحد الأسباب التي تجعلني أقول اليوم إن البرامج السياسية لا يجوز أن تكتبها مجموعة من الخبراء ثم تعرضها على الناس قبل الانتخابات.
وأقول ذلك لا لأن مشاركة الناس عبارة جميلة تصلح للخطب، بل لأن التجارب السابقة أثبتت أن البرنامج الذي لا يولد من المجتمع يبقى ملكاً لمن كتبه، ولا يتحول إلى قوة يحملها الناس ويدافعون عنها.
لقد جُرّبت القوائم التي تُبنى حول أسماء معروفة.
وجُرّبت البرامج التي تصوغها النخب في غرف مغلقة.
وجُرّبت التحالفات التي تظهر قبيل الانتخابات، ثم تختفي بعدها.
وجُرّبت الحكومات التي تتحدث باسم الناس من دون أن يكون الناس شركاء في اختيارها أو تحديد أولوياتها.
وفشلت هذه التجارب، لا لأن كل ما جاء فيها كان سيئاً، بل لأنها بدأت من الأعلى، ثم بحثت عن المجتمع في نهاية الطريق.
لذلك، حين أقول إننا نريد برامج يشارك الناس في كتابتها، فإنني لا أطرح فكرة نظرية أو شعاراً مثالياً.
أنا أستخلص درساً من تجاربنا.
البرنامج الذي يشارك المزارع في كتابة ما يتعلق بالأرض، ويشارك العامل في صياغة حقوق العمل، وتشارك المرأة في تحديد مكانتها وحقوقها، ويشارك الشباب في رسم مستقبلهم، ويشارك المثقف والفنان والأكاديمي في بناء الهوية والرؤية الوطنية، يصبح برنامجاً يملكه المجتمع.
أما البرنامج الذي يكتبه الخبراء وحدهم، مهما بلغت جودته، فقد يبقى وثيقة ممتازة لا تجد من يحملها.
هل السلطة غير قابلة للإصلاح… أم أن وظيفتها انتهت؟
حين يقول فياض إن السلطة لم تعد قابلة للإصلاح، تبرز أسئلة لا تقل أهمية عن العبارة نفسها.
هل يقصد أن القيادة الحالية لا تريد الإصلاح؟
أم أن البنية القانونية والسياسية التي تراكمت طوال العقود الماضية أصبحت تمنع أي إصلاح حقيقي؟
أم أن السلطة، بوظيفتها التي تأسست في إطار اتفاق أوسلو، وصلت إلى نهايتها التاريخية، ولم تعد قادرة على التحول إلى دولة أو إلى أداة تحرر وطني؟
الفارق بين هذه الاحتمالات كبير.
إذا كانت المشكلة في القيادة، يمكن تغيير القيادة.
وإذا كانت المشكلة في القوانين والمؤسسات، يمكن إعادة بنائها.
أما إذا كانت المشكلة في الوظيفة التي أُنشئت السلطة من أجلها، فإننا لا نكون أمام أزمة إصلاح، بل أمام ضرورة إعادة تعريف النظام السياسي كله.
ومن واقع التجربة، لا أعتقد أن المشكلة كانت يوماً في غياب الكفاءات الفلسطينية.
لدينا خبراء واقتصاديون وإداريون وأكاديميون ومثقفون يمتلكون خبرات كبيرة.
لكن المشكلة كانت دائماً في السؤال التالي:
هل تستطيع الكفاءة أن تعمل خارج شبكة الولاء والنفوذ؟
لقد حاول فياض أن يبني قوة للإدارة والمال والقانون.
لكن لوبي القوة الحاكم كان أقدر على حماية مصالحه، وأشد تمسكاً بمواقعه، وأكثر قدرة على تعطيل من لا يدخل في شبكته.
ولهذا، لم يكن إفشال فياض دليلاً على ضعف الرجل الإداري والمالي، بقدر ما كان دليلاً على أن النظام لا يسمح للإدارة بأن تصبح أقوى من السياسة، ولا للمؤسسة بأن تصبح أقوى من شبكة النفوذ.
كان المطلوب أن تخضع المؤسسة للقوة الحاكمة، لا أن تخضع القوة الحاكمة للمؤسسة.
وحين حاولت الإدارة أن تضع قواعد على حركة المال والقرار، اصطدمت بمن اعتادوا أن يكون القرار والمال جزءاً من نفوذهم.
وهذه هي المعضلة التي تجعل الإصلاح من الداخل شديد الصعوبة.
لأن الإصلاح لا يواجه أخطاء إدارية فقط.
إنه يواجه مصالح استقرت، ومواقع قوة تكونت، وعلاقات ترى في الإصلاح تهديداً مباشراً لوجودها.
اتفاق بكين… وحدة الفصائل أم استعادة الشعب؟
يستند فياض في رؤيته إلى «إعلان بكين»، الذي توافق فيه عدد من الفصائل الفلسطينية، بما فيها فتح وحماس والجهاد الإسلامي، على العمل من أجل وحدة وطنية، وتفعيل الإطار القيادي الموحد، وتشكيل حكومة توافق تتولى شؤون غزة والضفة وإعادة الإعمار والتحضير للانتخابات.
وهو محق في أن تعطيل الاتفاق أضاع فرصة مهمة.
ومحق في أن أي نظام سياسي فلسطيني جديد لا يمكن بناؤه بإقصاء حماس أو الجهاد أو أي قوة حقيقية موجودة في المجتمع.
لكن السؤال الأعمق هو:
هل اجتماع الفصائل يعيد الشرعية إلى الشعب، أم يعيد توزيع السلطة بين الفصائل؟
الفصائل جزء أصيل من الشعب الفلسطيني ومن تاريخه السياسي والنضالي.
لكنها ليست الشعب كله.
وليست قياداتها، مهما كانت شرعيتها التنظيمية أو تاريخها، بديلاً دائماً عن إرادة الفلسطينيين.
المشكلة الفلسطينية لم تعد فقط انقساماً بين فتح وحماس.
إنها أيضاً انقسام بين المجتمع والنظام السياسي.
وبين الناس والمؤسسات.
وبين الأجيال الجديدة وقيادات تشكلت في أزمنة مختلفة، ثم بقيت في مواقعها بينما تغير كل شيء من حولها.
لقد جرى اختزال الشعب في الفصائل.
ثم اختُزلت الفصائل في قياداتها.
ثم اختُزلت القيادة في دائرة ضيقة.
وفي النهاية، أصبح المواطن آخر من يعرف، وآخر من يُسأل، وأول من يدفع الثمن.
لذلك، يمكن للإطار القيادي الموحد أن يكون جسراً ضرورياً للمرحلة الانتقالية.
لكن لا يجوز أن يتحول إلى مصدر جديد للشرعية فوق المجتمع.
دوره أن يعيد القرار إلى الشعب، لا أن يتقاسمه نيابة عنه.
حكومة الكفاءات… من يحميها من لوبي القوة؟
يقترح فياض تشكيل حكومة كفاءات مستقلة وغير حزبية، تتولى إدارة غزة والضفة، وملفات الإغاثة والإعمار، وتحسين حياة الناس، والتحضير لانتخابات عامة.
والاقتراح يبدو منطقياً.
فالفلسطينيون يحتاجون، خصوصاً بعد الدمار الهائل في غزة، إلى حكومة قادرة على حماية المال العام، وإدارة الإعمار بشفافية، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والبيوت والمؤسسات، بعيداً عن المحاصصة الفصائلية.
لكن تجربتنا تقول إن اختيار الكفاءات لا يكفي.
السؤال ليس فقط:
من هم الوزراء؟
السؤال أيضاً:
من يحميهم عندما يصطدمون بمراكز النفوذ؟
من يمنع اللوبي الحاكم من إفشالهم؟
من يعطيهم القدرة على تطبيق القانون على القوي قبل الضعيف؟
ومن يضمن ألا تتحول استقلاليتهم إلى مجرد وصف على الورق؟
لقد رأينا كيف يمكن للخبير أن يدخل الحكومة محملاً بالخطط والبرامج، ثم يكتشف أن القرار الحقيقي موجود في مكان آخر.
ورأينا كيف يستطيع مسؤول أقل خبرة وأضعف مهنية أن يكون أقوى من وزير كامل الصلاحيات، لمجرد أنه جزء من شبكة القوة التي تحكم.
ولهذا، فإن حكومة الكفاءات لا تكون حلاً إلا إذا تغيرت البيئة السياسية التي تعمل فيها.
لا يكفي أن نستبدل الأشخاص.
يجب أن نغير القواعد التي تحدد من يملك القرار، وكيف يمارسه، ومن يحاسب من، ومن يستطيع تعطيل القانون.
كما أن عبارة «حكومة مستقلة» لا تكفي.
من يختار أعضاءها؟
من يضع برنامجها؟
من يراقبها؟
إلى من تعود في القرارات الكبرى؟
قد يكون الوزير مستقلاً تنظيمياً، لكنه جاء بقرار فصائلي أو برعاية إقليمية أو دولية.
وقد لا يحمل بطاقة حزبية، لكنه لا يملك قدرة حقيقية على مواجهة مراكز النفوذ.
لذلك، فإن أي حكومة انتقالية يجب أن تقوم على برنامج وطني معلن، ومرجعية واضحة، ورقابة مجتمعية، وسقف زمني محدد، والتزام لا يحتمل التأويل بإجراء الانتخابات.
وإلا تحولت المرحلة الانتقالية إلى مرحلة دائمة أخرى.
فالسلطة الفلسطينية نفسها وُلدت بوصفها سلطة انتقالية لخمس سنوات.
ثم مضت أكثر من ثلاثة عقود، وكبر المؤقت حتى ابتلع المستقبل.
مجلس الأمن… القرار الذي يحتاج إلى قوة تحمله
يقترح فياض تجاوز المفاوضات الثنائية غير المتكافئة، والعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن يعترف صراحة بحق الشعب الفلسطيني في دولة ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967، بما يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
وهذه محاولة مهمة لتصحيح الخلل الذي قام عليه اتفاق أوسلو.
فالفلسطيني اعترف بإسرائيل.
أما إسرائيل فلم تعترف بالدولة الفلسطينية.
واعترفت منظمة التحرير بالطرف الذي يحتل الأرض، بينما بقي حق الشعب صاحب الأرض موضوعاً للتفاوض المفتوح.
لكن القرار الدولي، مهما كانت أهميته، لا يولد من الصياغة القانونية وحدها.
إسرائيل لا تملك حق النقض داخل مجلس الأمن، لكنها تملك من النفوذ في واشنطن ما جعل الفيتو الأميركي يؤدي الوظيفة نفسها مرات كثيرة.
لذلك، فإن الوصول إلى قرار ملزم يحتاج إلى ميزان سياسي يجعل تعطيله مكلفاً.
يحتاج إلى وحدة فلسطينية حقيقية.
وإلى استراتيجية دبلوماسية تستند إلى القانون الدولي والمحاكم الدولية والجمعية العامة.
وإلى توسيع عزلة إسرائيل.
وإلى استثمار التحول الكبير الذي شهده الرأي العام العالمي بعد حرب الإبادة على غزة.
لقد تغير العالم.
انكسرت أجزاء واسعة من الصورة التي صنعتها إسرائيل لنفسها.
لكن هذا التحول الأخلاقي لا يصبح قوة سياسية من تلقاء نفسه.
يحتاج إلى مشروع فلسطيني موحد وقادر على التقاطه وتنظيمه وتحويله إلى ضغط وقرارات وموازين جديدة.
قرار مجلس الأمن يمكن أن يكون تتويجاً لهذا التحول.
لكنه لا يستطيع أن يصنعه وحده.
من أين تبدأ إعادة البناء؟
أتفق مع سلام فياض في جوهر تشخيصه.
الأزمة ليست أزمة وزير ضعيف يمكن استبداله بوزير أكثر كفاءة.
وليست أزمة حكومة يمكن إنقاذها بتعديل وزاري.
وليست مشكلة إدارية تُحل بإعادة ترتيب المكاتب وتغيير بعض القوانين.
لقد وصل النظام السياسي الفلسطيني، بصيغته الحالية، إلى طريق مسدود.
لكن اختلافي الأساسي معه يبدأ من نقطة الانطلاق.
فياض يبدأ من القيادة.
ثم الفصائل.
ثم الحكومة.
ثم يصل، في نهاية الطريق، إلى المجتمع والانتخابات.
أما أنا فأرى أن البداية يجب أن تكون من المجتمع نفسه.
وهذا الرأي لم أصل إليه من كتاب في العلوم السياسية.
وصلت إليه من التجربة.
من مشاهدة مشاريع كثيرة تبدأ من أعلى ثم تفشل في الوصول إلى الناس.
ومن قوائم انتخابية صنعتها النخب ثم اكتشفت أنها لا تملك قاعدة اجتماعية.
ومن برامج كتبت بلغة ممتازة، لكنها بقيت أوراقاً لأن المجتمع لم يشارك في صياغتها.
ومن حكومات ضمت كفاءات حقيقية، ثم حوصرت لأنها لم تكن جزءاً من لوبي القوة.
ومن مؤسسات حاولت أن تصبح أقوى من الأشخاص، فوجدت أن الأشخاص المحميين بالشبكات أقوى من المؤسسات.
لهذا أقول إننا نريد برامج يشارك الناس في كتابتها.
ليس لأن كل مواطن يجب أن يصبح خبيراً في الاقتصاد أو القانون، بل لأن الناس يعرفون مشاكلهم وأولوياتهم، ولأن البرنامج الذي لا يشعر المجتمع أنه شريك في بنائه لن يتحول إلى قوة سياسية أو أخلاقية تحميه.
نريد أن يشارك المزارعون في كتابة ما يتعلق بالأرض والصمود.
وأن يشارك العمال في صياغة السياسات التي تمس حقوقهم.
وأن تشارك النساء في تحديد موقعهن وحقوقهن، لا أن يُمنحن كوتة ثم يُطلب منهن الصمت.
وأن يشارك الشباب في رسم المستقبل الذي سيعيشونه.
وأن يشارك الفنانون والمثقفون والأكاديميون في بناء الهوية والرؤية الوطنية.
نريد مرشحين يولدون من المجتمع.
لا أسماء تختارها غرف مغلقة، ثم تُعرض على الناس قبل الانتخابات بأسابيع.
نريد معايير معلنة تجعل خدمة الناس والنزاهة والكفاءة والتاريخ الوطني أهم من القرب من مراكز القوة.
فالمشكلة في تجربتنا لم تكن غياب الرجال والنساء القادرين.
المشكلة أن أصحاب الكفاءة ظلوا في كثير من الأحيان أضعف من أصحاب النفوذ.
وأن من يقف داخل اللوبي الحاكم كان أقدر على البقاء من صاحب الخبرة والمهنية.
لهذا، لا يكفي أن نقول إننا نريد حكومة كفاءات.
يجب أن نبني نظاماً يجعل الكفاءة أقوى من الواسطة.
والقانون أقوى من اللوبي.
والمؤسسة أقوى من الفرد.
والشعب أقوى من الجميع.
نريد انتخابات تشريعية ورئاسية، وانتخابات لمجلس وطني يمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
انتخابات لا تعيد توزيع المقاعد فقط، بل تعيد بناء منظمة التحرير، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والقيادة، وتمنح الشعب سلطة الاختيار والمحاسبة والتغيير.
ونريد دستوراً لا تكتبه لجنة ثم تعرضه على الناس، بل يولد من نقاش وطني واسع.
لأن الدستور ليس نصاً قانونياً فقط.
إنه العقد الذي يحدد من يملك السلطة، وكيف تُمارس، وكيف يمنع الشعب تحولها إلى ملكية خاصة.
لسنا بحاجة إلى مهندس جديد فقط
تكمن أهمية تصريحات سلام فياض في أنها تعلن نهاية وهم ظل يرافق التجربة الفلسطينية طويلاً:
وهم أن تحسين الإدارة يمكن أن يعوض غياب السياسة.
وأن بناء المؤسسات يمكن أن يستمر بينما تتآكل الشرعية.
وأن حكومة الخبراء تستطيع أن تحمل وحدها مشروعاً وطنياً.
لقد وصل مهندس الإصلاح إلى استنتاج مهم:
لا يمكن إصلاح الغرف إذا كانت قواعد البيت تتصدع.
لكن تجربتنا تقول أيضاً إن المهندس، مهما بلغت خبرته، لا يستطيع أن يبني إذا كان لوبي القوة يهدم ما يبنيه، أو يمنعه من الاقتراب من الأساسات.
سلام فياض لم يفشل لأنه لم يعرف الإدارة أو المال.
لقد كان، في تقديري، واحداً من أكثر من تولوا هذه المواقع خبرة ومهنية.
لكنه اصطدم بنظام كانت فيه قوة الأشخاص لا تقاس دائماً بما يعرفونه أو بما ينجزونه، بل بمدى قربهم من شبكة الحكم وقدرتها على حمايتهم.
وهذه هي العبرة الأهم.
لسنا بحاجة فقط إلى شخص أكثر كفاءة.
ولا إلى حكومة جديدة تحمل الأسماء نفسها بصورة مختلفة.
ولا إلى طريق ثالث بين فتح وحماس تصنعه نخبة محترمة ثم تطلب من الناس السير خلفها.
نحن بحاجة إلى طريق يشارك المجتمع الفلسطيني في فتحه منذ الخطوة الأولى.
طريق لا يكون فيه الشعب جمهوراً ينتظر ظهور القادة على الشاشة.
ولا كتلة تصويت تُستدعى كل عشرين عاماً.
ولا ضحية يُطلب منها الصمود بينما يقرر الآخرون مصيرها.
نحتاج إلى مشهد جديد.
تتراجع فيه الكاميرا عن المنصة.
وتخرج من غرفة الاجتماعات.
وتمر في ممرات المؤسسات التي عرفناها طويلاً.
ثم تنزل إلى الشارع والجامعة والمخيم والقرية.
وهناك يظهر أصحاب الحكاية الحقيقيون.
السلطة يمكن إعادة هيكلتها.
والحكومة يمكن تغييرها.
والفصائل يمكن أن تتصالح.
لكن الوطن لا يستعيد روحه إلا عندما يستعيد الشعب موقعه بوصفه مصدر الشرعية، وصاحب القرار، والسلطة الأولى والأخيرة.
عندها فقط تصبح المهنية أقوى من الولاء.
والخبرة أقوى من الواسطة.
والمؤسسة أقوى من اللوبي.
وعندها لا يكون الإصلاح طلاءً جديداً على جدار قديم.
بل تأسيساً جديداً لبيت بناه الفلسطينيون بأيديهم…
وبقيت مفاتيحه في جيوبهم.
يحيى بركات
27/7/2026