منال ياسين - كنت أتمنى

كان زمان عندنا برنامج إذاعي اسمه «كنتُ أتمنّى»، وكان المذيع ينطقها بالفصحى، بتلك النبرة الهادئة التي ما زالت عالقة في أذني: «كنتُ أتمنّى...».

لا أعرف لماذا ظل هذا البرنامج مؤثرًا في حياتي إلى هذا الحد، لكنني كثيرًا ما أجلس مع نفسي وأردد الجملة بالطريقة نفسها. ليست ندمًا على ما مضى، وإنما أمنيات لم يكتب لها أن تتحقق.

ومن بين تلك الأمنيات... كنت أتمنى ألا يكون للأستاذ حسني الإتلاتي فضلٌ عليّ.

وقبل أن يسيء أحد فهم هذه الجملة، دعوني أوضح مقصدي.

كنت أتمنى ألا أكون مدينة له بجميل، حتى أستطيع أن أقول فيه ما أراه بكل حرية، ويكون إنصافي له خالصًا من أي شبهة ردِّ جميل أو مجاملة. كنت أتمنى أن أبقى بعيدة تمامًا عن دائرة عطاياه وفيض كرمه، حتى لا يظن أحد أن كلماتي مجرد وفاء لدين في عنقي.



لكن الحقيقة أن الرجل جعل ذلك مستحيلًا.

هو إنسان كما أراد الله للإنسان أن يكون. وهبه موهبة الشعر، ومنحه نفسًا كريمة رحيمة، تشعر بالضعفاء، وتنحاز للمقهورين، وتفرح لنجاح الآخرين كما لو كان نجاحها الشخصي. وأعطاه قلبًا مفتوحًا للجميع، لا يعرف الضغينة، ولا يسكنه الحسد، ولا يخشى زوال نعمة؛ لأنه يؤمن أن الأرزاق والمواهب بيد الله وحده. ثم أسبغ عليه قبولًا وهيبةً وشموخًا، لا يفسدها كبر ولا غرور.

وأظل أتساءل...

كيف يمتلك إنسان كل هذه القدرة على حب الخير للآخرين؟ وكيف يفرح بنجاحهم بكل هذا الصدق؟ وكيف ينشغل بأحلام المبتدئين ومخاوفهم، وكأنها أحلامه هو؟ ولماذا؟

ربما لأن بعض البشر لا يعيشون لأنفسهم فقط.

كنت أتمنى ألا يكون بيني وبينه أي سابق فضل، حتى يكون إنصافي له أكثر تجردًا. تمامًا كما تمنيت كثيرًا أن يكون بعض من أحببتهم أقل جمالًا، وأقل قيمة، وأقل مكانة، حتى يطمئنوا إلى أن محبتي لهم لم تكن يومًا لمميزاتهم، وإنما لذواتهم.

ربما لم ينل الشاعر حسني الإتلاتي من الشهرة ما يليق بقامته، لكنه نال ما هو أبقى من الشهرة وأعمق أثرًا. فقد استطاع أن يلعب دور البطولة في حياة كل من اقترب منه، وأن يترك في النفوس ما لا تتركه الأضواء، ولا تصنعه المنصات، ولا تمنحه العناوين الكبيرة. لقد اختار، أو لعل القدر اختار له، ألا يكون نجمًا بعيدًا يراه الناس من علٍ، بل إنسانًا بينهم، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يربت على كتف هذا، ويأخذ بيد ذاك، ويضيء الطريق لآخرين دون أن ينتظر منهم تصفيقًا أو اعترافًا.

فالشهرة قد تجعل اسم الإنسان معروفًا، أما النبل فيجعل غيابه مؤلمًا، ووجوده نعمة. وهناك فرق شاسع بين من يعرفه الناس... ومن يعرفون به معنى الإنسان.

وحين يُكتب العمر في ميزان الله، فلن تُحصى بعدد القصائد التي قيلت، ولا بعدد التصفيقات التي سُمعت، وإنما بعدد القلوب التي أضاءها الإنسان في طريقه. وتلك بطولة لا تمنحها الشهرة، ولا تنتزعها الأيام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...