ليلى تبّاني -لا تقتل المؤلف. كي تجعل نصّه جثّة على طاولة التأويل.. قراءة في قراءة الناقد العراقي الدكتور حسين القاصد لرواية " مستر ولا شيء" للروائي

لا تقتل المؤلف. كي تجعل نصّه جثّة على طاولة التأويل.. قراءة في قراءة الناقد العراقي الدكتور حسين القاصد لرواية " مستر ولا شيء" للروائي واسيني لعرج




يخيّل إلي كقارئة أن أجمل لحظة يعيشها الكاتب هي تلك التي يقرأ فيها دراسة جديدة عن عمله، فيقول : " لم أفكر في هذا المعنى حين كتبت، لكنّني أراه الآن في النص، وأقتنع بأنّه كان كذلك " .

تلك اللّحظة التي يكتشف فيها كاتب النّص حياة جديدة لنصّه لا تشكّل دهشة فحسب ، إنّما هي اللّحظة التي يغادر فيها النص سلطة مؤلّفه ليبدأ حياته الخلاّقة . والسبب في اعتقادي ، أنّ الكاتب حين يكتب لا يُفرغ في النص كل ما يعيه، وإنّما يكتب بما يعيه وبما لا يعيه معا ، تكتب ذاكرته كما يكتب خياله، ويكتب وعيه بحضور لاوعيه، وتشاكسه لغته أحيانا فتسكب ألفاظا سخيّة المعاني ،متشظّية الدلالات ، فتفيض بأكثر مما يقصد هو نفسه . ولذات السبب كان النص الفلسفي و الأدبي منذ القدم أكبر من صاحبه ، لأنّ الكتابة في كنهها ، ليست تقريرا معرفيا، بقدر ما هي كائن حيّ يتنفّس داخل اللغة، وينمو بعد أن يغادر صاحبه .

لعلّ القارئ للمقال يستغرب هذا المدخل الفضفاض ، الذي ألبسته لغة زادت عن حاجتى لتبرير مقالي ، والحقيقة وأنا أقرأ دراسة الدكتور "حسين القاصد" عن رواية "مستر ولاشي" للروائي الدكتور واسيني لعرج ، حدث معي ما يشبه الفلاش باك . فاستحضرت أحداث الرواية التي قرأتها لأكثر من مرّة ، ووجدت نفسي وكأنّني أقرؤها لأوّل مرّة ، والسبب خلف ذلك يعود إلى كفاءة القارىء ذاته وتعدّد ثقافاته ، بدا ذلك واضحا ، إثر قراءتي لمقال الدكتور القاصد التحليلية في رواية مستر ولا شيء ، وجدتها قراءة تمتلك جرأة معرفية واضحة، وثقافة واسعة، وأدوات نقدية حديثة، وتحاول أن تكشف ما هو مستتر خلف الألفاظ والأسماء والرموز. ولذلك فإنّ أوّل ما ينبغي الاعتراف به هو أنّ المقال ليس قراءة انطباعية، وإنّما هو مشروع تأويلي جريء، يستند إلى اللسانيات والسيميائيات والنقد الثقافي ، ويبحث عن العلاقات الخفية بين اللغة والهوية والسلطة والجوائز العالمية.

فكانت بداية المقال، في تقديري، من أجمل البدايات في التحليلات التي تناولت النص ، حيث التقط العلاقة الصوتية بين نوفل آل فريد وألفريد نوبل، ورأى أنّ الرواية تؤسس منذ صفحاتها الأولى لهذا التشابه الذي لا يقف عند حدود التلاعب اللّغوي ، بل يتحوّل إلى محرك سردي يقود الشخصية إلى هوسها بالجائزة العالمية . وهذه بالفعل قراءة يبرّرها النص نفسه، لأن الرواية تبني جانبا مهمّا من حركتها على هذا التوازي الاسمي، حتّى بدا الاسم نفسه قدرا يطارد صاحبه .

غير أنّ ما شدني أكثر لم يكن ذكاء الفكرة وحده ، وإنما الطريقة التي راحت تتوسّع بها حتى غدت كل كلمة داخل الرواية مشروعا سيميائيا مستقلاّ، وكل اسم علامة ثقافية، وكل شخصية رمزا مغلقا، وكل حدث إحالة إلى بنية ثقافية كبرى . وهنا بدأت أتساءل: أين ينتهي النص؟ وأين يبدأ الناقد؟

ممّا لا شك فيه ، أنّ الناقد له الحقّ في أن يكتشف في النص ما لم يقصده الكاتب بوعي ، بل إن هذه واحدة من وظائف النقد الكبرى والتي تنصّ عليها نظريات النقد ما بعد الحداثي او الميتاسردي . فيحدث أن يقرأ الكاتب دراسة عن عمله، فيبتسم قائلا: "لم أفكر في هذا حين كتبت، لكنّ معناه يتجلّى فعلا في النص...". وهذا ليس عيبا أو انهزاما للمؤلف، بل انتصار للنص، لأنّ النصوص العظيمة تحتوي على فائض من المعنى يتجاوز لحظة إنتاجها قد أطلق عليه بما يمليه علي جموح ثقتي ، بما يعرف بجموح المعنى . غير أن الأمر هنا وفي هاته القراءة بالذات مختلف ، لأنّ الفائض لم يقف عند حدود المعنى بل تجاوزها إلى فائض في التأويل، حيث يصبح زخم النظريات هو الذي يقود القراءة بدل أن يقودها النص .

في مواضع عديدة، شعرت أن الدكتور القاصد طرق مداخل الرواية وهو مزود بجهاز مفاهيمي زاخر ...اللسانيات، والسيميائيات، والنقد الثقافي، والبينية، والهوية الهجينة، ثم أخذ يبحث داخل النص عمّا يؤكد هذا الجهاز. ومن هنا بدا لي أنّ المقال لا يكتفي بشرح الرواية ، بل يسعى إلى إعادة إنتاجها وفق أفقه النظري الخاص، حتّى خُيّل إليّ أن الناقد يقول للكاتب ، دون أن يقصد : "كان ينبغي أن تكون روايتك هكذا ".

و الحق أن ليس في ذلك ما يعيب الناقد من حيث المبدأ، فكل قراءة هي في جانب منها إعادة كتابة للنص بتكريس مبدأ رولان بارت " موت المؤلّف"، غير أن الفرق يبقى قائما بين قراءة تكتشف الإمكانات الكامنة في العمل، وقراءة تُسقط عليه شبكة من الدلالات التي تأتي من خارج بنيته. فحين يربط الناقد، مثلا، بين اسم "شميسة" وخداع الضوء، أو يجعل من "زها" تجسيدا للضمير المقموع، أو يفسّر تشوّهات بنات نوفل كلّها بوصفها العقاب الرمزي لكاتب يعيش في برج عاجي، فإنّنا نكون أمام تأويلات ممكنة، لكنّها ليست بالضرورة تأويلات يفرضها النص نفسه . فيكون هنا قد ألبس المعنى رداء يفيض عنها ، وتنحصر تأويلاته في دائرة الاحتمالات لتمنع قطع اليقينيات .

لعل هذه هي النقطة التي تجعلني أميّز بين نوعين من القراءة ، قراءة تستخرج من النص ما هو كامن فيه وإن لم يقصده الكاتب صراحة، وقراءة تجعل النص يقول ما تريده نظرية الناقد . ففي الحالة الأولى يكون الناقد أشبه بمن اكتشف معدنا نفيسا مخبوءا في أعماق الأرض ، أمّا في الثانية فإنه يحمل معه المعدن من الخارج ثم يضعه في باطن الأرض ، ثمّ يقنعنا بأنّه كان موجودا منذ البداية . وشتّان بين من يستجلي ما تعذّر ظهوره ، وبين من يوهم بما هو ليس جليا ...!

في هذا المضمار تجرّني قراءة القاصد إلى دراسة أجريتها حول إمبرتو إيكو ، فذكرتني بما حذّر منه هذا الأخير ، حين تحدّث عن الإفراط في التأويل، فالنص، في نظره جامع مانع ، لا يحتكر معنى واحدا، لكنّه أيضا لا يسمح بكلّ المعاني . فحرية القارئ لا تعني غياب حدود النص، وإلاّ تميّع النص وسُلب معناه الأصلي . ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن قراءة الدكتور حسين القاصد قراءة ممتعة ومثيرة، لأنّها لا تتعامل مع الرواية بوصفها حكاية نمطية ، وإنما بوصفها شبكة من العلامات الثقافية . غير أن ما كنت أتمناه هو أن يترك للنص أحيانا فرصة ليتنفّس بعيدا عن كثافة المصطلحات . فقد بدا لي في بعض المواضع أنّ المفاهيم تسبق الشواهد، وأن فائض المصطلحات يزيد عن الحاجة إلى الأدلة النصية، حتّى بدت بعض العبارات أقرب إلى الزينة الأكاديمية منها إلى الأداة التحليلية .

ولعلّ أكثر ما أثار انتباهي أن المقال، وهو يضيء جوانب عديدة من الرواية، أغفل قضايا أراها أكثر مركزية في عالم الكاتب ، مثل السخرية العميقة من الوسط الثقافي، ونقد صناعة الجوائز المحلية والعالمية، والحدود الملتبسة بين الحلم والهلوسة، والميتاسرد الذي يجعل الرواية تتأمّل فعل الكتابة نفسه، والسخرية من تضخّم صورة الكاتب في مخيلته. وهي موضوعات كان يمكن أن تمنح القراءة توازنا أكبر بين البعد النظري والبعد الروائي . ومع ذلك، فإن المقال يظلّ يكرّس حقيقة لا يمكن تجاوزها أو إغفالها ، وهي أن النصوص الكبيرة لا تنتهي عند مؤلّفها . فالكاتب يمنح النص ميلاده، أما حياته اللاحقة فتتشكّل في عيون القراء والنقاد . وقد يقرأ ناقد رواية فيكتشف فيها معنى لم يخطر للمؤلف ساعة الكتابة، فيعترف المؤلف بذلك ويقتنع به، لكن ليس لدرجة أن يبلغ التأويل من الجرأة حدّا يجعل الكاتب نفسه يبتسم وهو يقول : "أشكرك... لقد عرّفتني برواية لم أكن أعلم أنني كتبتها ..."

أرى ومن الباب الأوسع لغايات الأدب ، انّ عظمتة تكمن في هذا السجال الجميل بين المؤلف والقارئ ، فلا المؤلف يملك المعنى كله، ولا القارئ يملك حرية لا حدود لها. ليبقى النص هو الحكم الأخير، وهو الذي يفتح أبوابا بعينها ويغلق أخرى . وكل قراءة عظيمة هي التي توسّع أفق هذا النص دون أن تكسر حدوده، وتكشف إمكاناته دون أن تستبدلها بإمكانات القارئ وحده . وعندئذ لا يعود النقد مجرد شرح للنص، بل يصبح حوارا معه، وحوارا مع مؤلّفه، وحوارا مع نفسه أيضا، وهو في الحقيقة أسمى و أجمل وأكمل ما يمكن أن تهبه القراءة للأدب .



ليلى تبّاني ــــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...