يحيى بركات - حين استدار العالم...

الكاميرا التي دخلت غرفة القرار...
الخصم الذي لا يُقصف
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
لم يعد السياسي وحده من يكتب التاريخ.
ولم يعد الصحفي أول من يروي الحكاية.
في السنوات الأخيرة، دخل لاعب جديد إلى قلب السياسة العالمية.
هادئ...
لا يقود جيشًا.
ولا يترشح للانتخابات.
ولا يجلس في مجلس الأمن.
لكنه أصبح يدخل إلى أكثر الغرف سرية في العالم.
المخرج الوثائقي.
في الماضي، كانت الكاميرا تنتظر خروج السياسي من الاجتماع لتسأله: ماذا حدث؟
أما اليوم...
فقد أصبحت الكاميرا داخل الاجتماع نفسه.
ترى.
وتسمع.
وتسجل.
وحين ينتهي السياسي من صناعة الحدث...
تبدأ الكاميرا بصناعة ذاكرته.
لهذا، لم أتوقف طويلًا أمام وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام.
توقفت أمام الكاميرا التي رافقته سنوات طويلة.
الكاميرا التي دخلت بيته، وطائرته، وسيارته، ومكتبه، ورحلاته بين واشنطن وتل أبيب والرياض وكييف.
كأنها كانت تعرف أن الرجل سيرحل...
لكن ما سجلته سيبقى.
كان كثيرون في عالمنا العربي يرون ليندسي غراهام بالصورة نفسها.
السياسي الأمريكي الأكثر انحيازًا لإسرائيل.
الصديق الأقرب لبنيامين نتنياهو.
وأحد أكثر الأصوات مطالبة بالحروب والعقوبات والضغوط.
كل ذلك صحيح.
لكنه ليس الحقيقة كلها.
لأن الرجل نفسه كان يتحدث عن حل الدولتين.
بدت العبارة، لأول وهلة، متناقضة.
كيف يجتمع أكثر المدافعين عن إسرائيل مع قيام دولة فلسطينية؟
لكن التناقض كان ظاهريًا فقط.
غراهام لم يكن يرى الدولة الفلسطينية كما يراها الفلسطينيون.
لم يكن يتحدث عن إنهاء الاحتلال لأنه ظلم.
ولم يكن ينطلق من حق الفلسطينيين في الحرية.
كان ينطلق من سؤال آخر:
كيف نحمي إسرائيل من نفسها؟
كان يرى أن ابتلاع الضفة الغربية كلها سيقود إسرائيل إلى مأزق تاريخي.
إما أن تمنح ملايين الفلسطينيين حقوقًا كاملة، فتفقد أغلبيتها اليهودية.
وإما أن تحرمهم تلك الحقوق، فتتحول، أمام العالم، إلى دولة فصل عنصري.
لهذا لم يكن يدافع عن الدولة الفلسطينية...
بل كان يدافع عن المشروع الصهيوني نفسه.
وهنا بدأت أفهم أن الصهيونية ليست فكرة واحدة.
داخلها مدارس.
وخلافات.
ورؤى تتصارع بصمت.
هناك من يريد إسرائيل التي تكبر.
وهناك من يريد إسرائيل التي تبقى.
في الوقت الذي كان فيه غراهام يغادر المسرح...
كان بنيامين نتنياهو يشد الرحال إلى واشنطن.
وصفت الصحافة الإسرائيلية هذه الزيارة بأنها ربما أخطر زيارة في حياته السياسية.
لم تكن مجرد زيارة إلى البيت الأبيض.
بل محاولة لإنقاذ مرحلة كاملة.
كان يريد إقناع دونالد ترامب بأن تبقى الولايات المتحدة شريكًا في حرب مفتوحة، وأن العودة إلى التصعيد تخدم المشروعين معًا، الإسرائيلي والأمريكي، في لحظة انتخابية شديدة الحساسية.
ثم اتجه إلى جنازة غراهام.
لم يكن يودع صديقًا فقط.
كان يودع أحد أهم الجسور التي ربطت إسرائيل، لعقود، بمراكز القرار في واشنطن.
لكن بينما كانت العدسات تلاحق موكب الجنازة...
كان مشهد آخر يتشكل في شوارع نيويورك.
متظاهرون يهتفون ضد زيارة نتنياهو.
لا باعتباره رئيس حكومة.
بل باعتباره متهمًا بارتكاب جرائم حرب.
وحين رد باتهامهم بمعاداة السامية...
جاءه جواب لم يكن أحد يتوقع سماعه في أمريكا قبل سنوات:
لسنا ضد اليهود...
نحن ضد جرائم الحرب.
وضد الإبادة.
توقفت طويلًا أمام هذه الجملة.
لأنها لم تكن ردًا على نتنياهو فقط.
كانت إعلانًا بأن شيئًا عميقًا بدأ يتغير داخل المجتمع الأمريكي.
وأنا أتابع كل ذلك، عاد بي الزمن إلى أستاذي وصديقي الراحل، المخرج الفلسطيني الكبير مصطفى أبو علي.
كان يقول إن السينما السياسية لا تكتفي بتصوير الحدث.
بل تبحث عن الإنسان الذي يصنع الحدث...
والإنسان الذي يدفع ثمنه.
ومنذ أن حملت الكاميرا، وأنا أحاول أن أمشي في هذا الطريق.
في رمال السوافي...
كنت أبحث عن الإنسان الفلسطيني الذي تحاول الحرب أن تمحو ملامحه.
وفي الأيام المشتركة...
كنت أبحث عن المسافة التي يمكن أن يلتقي فيها البشر قبل أن تفرقهم السياسة.
وفي بيت الله...
دخلت إلى قلب حصار كنيسة المهد، لا لأصور الحجارة، بل الإنسان المحاصر داخلها.
ثم جاء ريتشل... ضمير أمريكي.
هناك اكتشفت شيئًا لم يغادرني حتى اليوم.
بعد عروض الفيلم في الجامعات الأمريكية، لم أجد شبابًا يكرهون الفلسطينيين.
وجدت شبابًا لا يعرفون الفلسطينيين أصلًا.
اكتشفت أن المشكلة لم تكن في الضمير الأمريكي...
بل في المعرفة الأمريكية.
كانت الرواية الفلسطينية غائبة.
أما اليوم...
فإن الجيل نفسه، أو الجيل الذي جاء بعده، لم يعد ينتظر فيلمًا واحدًا ليعرف الحقيقة.
الحقيقة أصبحت تصله كل يوم.
عبر هاتفه.
وعبر الصحفيين المستقلين.
وعبر السينما الوثائقية.
وعبر صور غزة التي خرجت من تحت الركام إلى العالم كله.
وهنا أدركت أن المعركة التي خضناها بالكاميرا قبل عشرين عامًا، بدأت تؤتي ثمارها اليوم، ولكن على نطاق لم نكن نتخيله.
وفي مكان آخر...
كان أليكس هولدر يصور ليندسي غراهام.
وهنا التقت فكرتان.
مصطفى أبو علي كان يريد للكاميرا أن تدخل إلى الإنسان الذي يدفع ثمن القرار.
وأليكس هولدر دخل بكاميرته إلى الإنسان الذي يشارك في صناعة القرار.
الطريقان مختلفان...
لكن الغاية واحدة.
أن تكشف الكاميرا ما لا تقوله البيانات الرسمية.
وهنا تغير معنى السينما الوثائقية.
لم تعد تنتظر انتهاء الحرب.
أصبحت تجلس داخل الغرفة التي تُتخذ فيها قرارات الحرب.
لكن الاستدارة الحقيقية لم تكن في الكاميرا.
ولا في غراهام.
ولا في نتنياهو.
كانت في مكان آخر.
لسنوات طويلة، خاض نتنياهو حروبه مع الجيوش العربية.
ثم مع الانتفاضات.
ثم مع حماس.
ثم مع حزب الله.
ثم مع إيران.
اعتقد، مع مرور الوقت، أنه نجح في تحييد معظم خصومه.
الجيوش العربية لم تعد كما كانت.
وحماس وحزب الله تلقيا ضربات موجعة.
والسلطة الفلسطينية تعيش أزمتها.
وغزة تعرضت لواحدة من أبشع الحروب في التاريخ الحديث ،
ابادة على مرئه من العالم
لكن...
كلما اتسعت دائرة الدمار...
اتسعت، في المقابل، دائرة الرفض في العالم.
وهنا ظهر الخصم الذي لم يكن موجودًا في أي غرفة عمليات.
جيل كامل من الشباب الأمريكي.
جيل لم يتعرف إلى فلسطين عبر الخطب.
بل عبر الصور.
وعبر جرائم حرب في بث حي ومباشر
وعبر الجامعات.
وعبر الأفلام الوثائقية.
وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وعبر أطفال غزة.
هذا الجيل لا يمكن اغتياله.
ولا قصفه.ولا حصاره.
ولا اتهامه كله بمعاداة السامية.
ولهذا، ربما لم يكن نتنياهو ذاهبًا إلى واشنطن من أجل ترامب وحده.
كان ذاهبًا إلى أمريكا التي تتغير.
إلى جيل جديد بدأ يدخل المجالس البلدية، والكونغرس، والجامعات، والإعلام.
جيل أصبح زهران ممداني أحد رموزه، لكنه ليس رمزه الوحيد.
جيل لم يعد يقبل أن تكون معارضة الإبادة تهمة.
بل أصبحت معارضة الإبادة، بالنسبة إليه، واجبًا أخلاقيًا.
ربما ينجح نتنياهو في إقناع ترامب.
وربما يفشل.
وربما تبدأ حرب جديدة.
لكن هناك حربًا أخرى خرجت من يد الجميع.
حرب الرواية.
لقد اكتشفت إسرائيل، للمرة الأولى منذ قيامها، أن القوة العسكرية تستطيع أن تهدم مدينة...
لكنها لا تستطيع أن تمنع فكرة من أن تكبر.
ولا تستطيع أن تمنع فيلمًا وثائقيًا من أن يهز ضمير جيل.
ولا تستطيع أن تمنع طالبًا في جامعة أمريكية من أن يغير نظرته إلى فلسطين.
وربما لهذا...
لم يعد أخطر ما يواجه المشروع الصهيوني منشأة نووية في إيران.
فالمنشآت يمكن قصفها.
والصواريخ يمكن اعتراضها.
والقادة يمكن اغتيالهم.
أما هذا الجيل...
فلا يمكن قصفه.
ولا اغتياله.
ولا إسكات أسئلته.
إنه القنبلة التي لا تنفجر فوق مدينة...
بل داخل الرواية التي عاش عليها المشروع الصهيوني منذ أكثر من سبعة عقود.
كل الإمبراطوريات كانت تخشى الجيوش.
لكنها كانت تبدأ بالانكسار...
حين يتغير وعي الناس.
وربما كانت هذه هي اللحظة التي استدار فيها العالم.
حين اكتشف بنيامين نتنياهو أن أخطر خصومه...
لم يعد يحمل بندقية.
بل يحمل حقيقة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
28/7/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...