الإصلاح الوطني ضرورة وجودية... وخارطة طريق لإنقاذ النظام السياسي الفلسطيني

الإصلاح الوطني ضرورة وجودية... وخارطة طريق لإنقاذ النظام السياسي الفلسطيني

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم تعد الأزمات التي يواجهها الفلسطينيون، من شح المحروقات وتعثر صرف الرواتب إلى تراجع الخدمات الأساسية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مجرد أزمات طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية أو حلول مالية مؤقتة، بل باتت تعكس أزمة بنيوية عميقة تضرب بنية النظام السياسي والإداري، وتكشف الحاجة الملحة إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها الكفاءة والشفافية وسيادة القانون والشراكة الوطنية.

فما تشهده الساحة الفلسطينية اليوم لا يمكن فصله عن واقع الاحتلال الإسرائيلي الذي يوظف الاقتصاد والموارد والخدمات العامة أدواتٍ للعقاب الجماعي والابتزاز السياسي، ولا عن الانقسام الداخلي الذي استنزف طاقات الشعب الفلسطيني، وأضعف مؤسساته، وأفقد النظام السياسي الكثير من قدرته على المبادرة وصناعة القرار، في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.

ومن هنا، فإن أي حديث عن إعادة تشكيل القيادة الفلسطينية أو البحث في صيغ انتقالية لإدارة المرحلة المقبلة يجب ألا يُختزل في تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع المواقع، بل ينبغي أن يكون مدخلاً لإطلاق مشروع إصلاح وطني شامل، يعيد بناء المؤسسات، ويجدد الشرعيات، ويعزز المشاركة السياسية، ويحافظ على وحدة القرار الوطني، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لحماية المشروع الوطني الفلسطيني من مخاطر التآكل والتهميش.

إن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة مفصلية هي الأخطر منذ عقود. فحكومة الاحتلال تواصل تنفيذ مشروعها القائم على الضم الزاحف، وتسريع الاستيطان، وفرض الوقائع على الأرض، وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، مستغلة حالة الانقسام الفلسطيني، وضعف الأداء المؤسسي، وانشغال النظام السياسي بإدارة الأزمات اليومية بدلاً من إدارة الصراع وفق رؤية استراتيجية شاملة.

وفي المقابل، يشهد الإقليم إعادة تشكيل للتحالفات وموازين القوى، بينما يتجه النظام الدولي نحو مزيد من الاستقطاب والتنافس بين القوى الكبرى، الأمر الذي يفرض على الفلسطينيين امتلاك رؤية وطنية موحدة، ومؤسسات قادرة على استثمار التحولات الدولية والإقليمية، وتحويلها إلى فرص سياسية وقانونية ودبلوماسية تخدم الحقوق الوطنية الفلسطينية، بدلاً من أن تتحول إلى تحديات إضافية.

إن الحفاظ على الشرعية الوطنية، التي تمثل أساس الاعتراف العربي والدولي بالتمثيل الفلسطيني، لا يعني الجمود أو مقاومة التغيير، بل يفرض إطلاق عملية إصلاح مؤسسي حقيقية تستند إلى الشراكة الوطنية، وتستجيب لمتطلبات المرحلة، وتعالج مواطن الخلل التي تراكمت بفعل سنوات طويلة من الأزمات السياسية والمالية والإدارية.

لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة مشروع وطني متكامل، ومن منطق ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن الإدارة التقليدية إلى الحوكمة الرشيدة، بحيث تصبح الكفاءة، والنزاهة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة القانون، معايير حاكمة لإدارة الشأن العام، بعيداً عن المحاصصة أو الاعتبارات الفئوية الضيقة.

ولتحقيق ذلك، فإن خارطة الطريق الوطنية للإصلاح ينبغي أن تستند إلى مجموعة من الأولويات الاستراتيجية، في مقدمتها إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف القوى والفصائل والشخصيات الوطنية المستقلة ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف التوافق على رؤية سياسية جامعة، تعيد الاعتبار للشراكة الوطنية، وتضع أسساً واضحة لإدارة المرحلة المقبلة.

كما تقتضي المرحلة إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير آليات عملها بما يعزز المشاركة والتمثيل، إلى جانب تنفيذ إصلاح إداري شامل يعيد هيكلة المؤسسات العامة، ويرسخ مبادئ الرقابة والمساءلة، ويكافح الفساد، ويرشد الإنفاق العام، ويعزز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

وفي الجانب الاقتصادي، لم يعد مقبولاً استمرار الارتهان للاقتصاد الإسرائيلي، بل أصبح من الضروري اعتماد استراتيجية اقتصادية وطنية تقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، ودعم القطاعين الزراعي والصناعي، وتوسيع بيئة الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتعزيز مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي، بما يقلل من هشاشة الاقتصاد الفلسطيني في مواجهة سياسات الاحتلال.

ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح في ظل استمرار الانقسام. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً سياسياً، وإنما شرط وجودي لحماية المشروع الوطني، واستعادة قوة الموقف الفلسطيني، وتوحيد المؤسسات، وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتصاعدة.

وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة إلى تطوير استراتيجية دبلوماسية وقانونية متكاملة، تستثمر المكانة القانونية لدولة فلسطين، وتفعّل أدوات القانون الدولي، والقرارات الأممية، وآليات المساءلة الدولية، بما يعزز عزل سياسات الاحتلال، ويحشد مزيداً من الدعم الدولي للحقوق الوطنية الفلسطينية.

كما يبقى تجديد الشرعيات عبر انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ووطنية، متى توفرت الظروف التي تكفل مشاركة جميع أبناء الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتهم أبناء القدس، استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً لا غنى عنه، مع ضرورة توفير الضمانات الكفيلة بعدم تمكين الاحتلال من تعطيل الإرادة الشعبية أو مصادرة حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم.

إن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بتبديل الوجوه، وإنما بقدرة النظام السياسي على إعادة بناء مؤسساته وفق أسس الدولة الحديثة، وترسيخ استقلال القضاء، وصون الحقوق والحريات، وإشراك الكفاءات الوطنية في صناعة القرار، وتكريس مبدأ المساءلة باعتباره الضمانة الأساسية لحسن الإدارة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

واليوم، يحتاج الفلسطينيون إلى عقد وطني جديد يعيد صياغة العلاقة بين القيادة والشعب، ويؤسس لمرحلة يكون فيها المواطن شريكاً في صنع القرار، والمؤسسات خاضعة للمساءلة، والبرنامج الوطني قائماً على الوحدة، والمقاومة السياسية والقانونية والدبلوماسية، وتعزيز مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي.

إن معركة الفلسطينيين ليست معركة محروقات أو رواتب أو موازنات مالية، بل هي معركة وجود وهوية وحق أصيل في تقرير المصير. ومن هنا، فإن حماية المشروع الوطني تبدأ بإصلاح البيت الفلسطيني من الداخل، وتجديد مؤسساته، واستعادة ثقة المواطن، وتوحيد القرار الوطني، وبناء منظومة حكم حديثة قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة مشروع التحرر الوطني، واستثمار المتغيرات العربية والإقليمية والدولية لصالح تثبيت الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

إن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة وطنية شاملة، يكون عنوانها الإصلاح لا الإقصاء، والشراكة لا الانفراد، وتجديد الشرعية عبر الآليات الوطنية والديمقراطية، لأن قوة الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال تبدأ من قوة مؤسساته، ووحدة قراره، وصلابة جبهته الداخلية. فالأمم التي تمتلك مؤسسات راسخة، ورؤية استراتيجية موحدة، وإرادة سياسية جامعة، هي وحدها القادرة على تجاوز الأزمات، وصناعة مستقبلها، مهما بلغت جسامة التحديات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...