كاظم حسن سعيد - رحيل الكاتبة والفنانة ساترابي: سادنة الذاكرة البصرية والشهادة السردية

رحلت عن عالمنا في الرابع من يونيو 2026 بالعاصمة الفرنسية باريس، الفنانة والكاتبة والمخرجة الإيرانية-الفرنسية مرجان ساترابي عن عمر يناهز السادسة والخمسين، تاركةً خلفها تجربة استثنائية في إعادة صياغة الذاكرة السياسية والذاتية عبر الصورة والكلمة.

وُلدت ساترابي في مدينة رشت الإيرانية عام 1969 ونشأت في طهران داخل أسرة ذات توجهات فكرية وسياسية متفتحة. شهدت طفولتها المبكرة التحولات العاصفة لثورة عام 1979، وهو ما شكل وعيها الأولي بالصراع بين السلطة والحرية الفردية. وفي سن المراهقة، انتقلت إلى النمسا لمتابعة دراستها وتجنب التداعيات السياسية في بلادها، حيث عاشت تجربة الاغتراب الثقافي والعزلة الاجتماعية، قبل أن تعود لاحقاً لتدرس الفنون الجميلة في إيران، ثم تستقر نهائياً في فرنسا لتصوغ هويتها الأدبية والفنية كواحدة من أبرز الأصوات النسوية والثقافية المهاجرة في المشهد الأوروبي، وصولاً إلى انتخابها عضواً في أكاديمية الفنون الجميلة الفرنسية عام 2024.

تُصنّف ساترابي روائيةً بالمعنى البنائي والدلالي، لكن ضمن جنس الرواية المصورة (Graphic Novel) والنص الشريط المرسوم (Bande Dessinée)، وليس عبر الرواية النثرية الكلاسيكية. ويُعد هذا التمييز الشكلي جوهرياً في فهم بنيتها الأسلوبية؛ إذ لم تكتب نصوصاً مجردة، بل صاغت متوناً تعتمد على التلاحم التام بين اللسان المكتوب من حوارات وتعليق سردي، وبين الرسم التعبيري بالأبيض والأسود الحاد. وفي هذا الجنس، لا تتجاور الصورة والنص تجاوراً توضيحياً كالأدب الموجه للأطفال، ولا تُعامل الصورة كغلاف أو زينة ملحقة، بل تشكّل «الكادر» الرسوماتي كجزء لا يتجزأ من المفهوم البصري للسرد، ليكون الناقل الأساسي للفضاء الزماني والمكاني والتعابير النفسية للشخصيات، بينما يتكفل النص بالصوت الداخلي والحوارات.

تجلت هذه الرؤية في روايتها "برسيبوليس , وهي سيرة ذاتية سردية ورواية تكوينية (Bildungsroman) وثقت فيها طفولتها ونشأتها وسط التحولات التاريخية في إيران ومحاولات الفرد الحفاظ على استقلاله الذاتي. أحدثت هذه الرواية -التي تحولت عام 2007 إلى فيلم رسوم متحركة حصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي- نقلة نوعية في الاعتراف الأكاديمي والنقدي بالرواية المصورة كجنس أدبي رفيع قادر على حمل القضايا التاريخية والسياسية المعقدة.

وامتد متدفقاً هذا النسيج السردي البصري في أعمال أخرى بارزة، مثل "تطريزات" ( التي تناولت الحيز الخاص للمرأة وتفكيك مفاهيم التقاليد بأسلوب تهكمي ساخر، و**"دجاج بالبرقوق" التي استحضرت فيها النوستالجيا الإيرانية عبر حكاية شقيق جدها الموسيقي، والتي حولتها لاحقاً إلى فيلم روائي. ولم ينفصل نتاجها عن موقفها المدني؛ حيث ظلت حريصة على الدفاع عن حقوق المرأة والحريات الحيوية، وتوجت ذلك بمشاركتها في تحرير وتنسيق كتاب "امرأة، حياة، حرية" عام 2023 لدعم الحراك النسوي في بلادها.

رحلت مرجان ساترابي بعد أن أخرجت الرواية المصورة من إطارها الترفيهي المحض إلى فضاء التوثيق التاريخي والنقد السياسي والشهادة الإنسانية، معتمدة على القماش المزدوج بين الكلمة والصورة، تاركةً أثراً أدبياً وبصرياً يرسخ اسمها كإحدى أهم القامات التي جعلت من الرسم نثراً، ومن النثر خطاً بائناً في جدارية الأدب المعاصر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...