ما أبدأ به هذه المقالة، هو طرحُ السؤال الآتي: "هل العقول البشرية مختلفة، بنيةً structurellement، عن العقول البشرية الأخرى التي كانت، ولا تزال، وراء تقدُّم وتطوُّر وازدهار بلدانها؟
الجواب على هذا السؤال، هو لا، ثم لا، ولاشيءَ غير لا. كل العقول البشرية متشابِهة بيولوجياً وفيزيولوجياً. فأين يوجد الاختلاف؟ يوجد الاختلاف في العقليات، أي في استِعمال العقول، وليس في العقول نفسها. هناك العقليات السليمة النوايا les mentalités bienveillantes، وهناك العقليات التمعفِّنة أو الفاسِدة les mentalités pourries.
الأولى تسعى، دائما، لفعل الخير لها وللآخرين. أما الثانية، فلا يهمُّها إلا تحقيق المصالح الشخصية. أما الآخرون، فلا وجودَ لهم في تفكير وعمل هذه الفئة من العقليات المُتعفِّمة. والأمر يزداد خطورةً وتعفُّناً عند الأحزاب السياسية التي لا يستقيم تدبيرُها للشأن العام إلا حينما تختلط السياسة بالفساد.
ولهذا، فأحزابُنا السياسية اختارت التطبيع مع الفساد، أي اتخاذ القرارات وإصدار السياسات العمومية، التي، من شأنها، أن تقودَ إلى تنمية البلاد وتقدُّمها وتطوُّرها وازدهارها، لكنه تقدُّمٌ أعرج، يجد في طريقه عتراتٍ كبرى ناتِجة عن مشهدٍ سياسي مشحونٍ بالفساد.
وتنمية البلاد وتقدُّمها وتطوُّرُها وازدِهارُها أشياءٌ غير ممكنة ما دام الفسادُ من أكبر العراقيل التي تَحُول دون تنمية البلاد وتطورها وتقدُّمها وازدهارها. بل تدبير الشأن العام في مشهدٍ سياسي مشحون بالفساد، يُضيِّع على خزينةُ الدولة، أموالاً طائلةً، ليس، فقط، على المستوى الجِبائي، ولكن، كذلك، على مستوى تمويل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية. والأموال الطائلة التي تفقدها خزينة الدولة تُقدَّر، حسب الأخصَّائيين الاقتصاديين الذين لهم علاقة ب"الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته" l'instance nationale de la probité, de la prévention et de lutte contre la corruption، ب50 مليار درهم، أي 5000 مليار سنتيم centimes. وهو مبلغٌ مُقدَّر وليس مُحاسباتي، أي لم يتم حسابُه بالتَّدقيق. لكنه يُشكِّل ما نسبتُه من 3,5 إلى 6% من الناتج الداخلي الخام. وهذا رقم ضخمٌ يُخصَمُ من الثروة التي، من المفترض، أن تنتِجَها البلادُ سنويا.
المغرب يعاني من الفساد، خصوصا، منذ بداية الستينيات. ومعاناتُه هذه دامت أكثر من نصفِ قرن، علماً أن هذا الفسادَ لا يزال ينخر مرافقَ الدولة المغربية إلى يومنا هذا، رغم ما سنته هذه الدولة من قوانين وما أنشأته من مؤسسات دستورية تُحارِب الفسادَ بكيفية مباشرة أو غير مباشِرة. ومعاناة الشعب المغربي يمكن تلخيصُها في التساؤلات التالية:
1.ألم يحِنْ موعدُ إنقاذ البلاد من عرقلة entrave الفساد لكل محاولات النهوض بالبلاد وتقدُّمها وازدهارِها، ونحن على مسافة قريبة من الانتخابات التَّشريعية خلال شهر شتنبر المُقبل؟
2.فإلى متى سيبقى مشهدُنا السياسي فاسِداً حتى النخاع، وهل الشعبُ المغربي، كغيرِه من الشعوب، لا يستحق مشهداً سياسياً خاليا أو يكاد من الفساد؟
3.ألم تكن لِقيادات أحزابٍِنا السياسية غيرة une jalousie على هذا الوطن، مقارنةً بأوطان أخرى تقدَّمت وتطوَّرت وازدهرت؟
4.وهل العقول البشرية les raisons humaines هي التي تُنتِج تقدُّمَ البلاد وتطوُّرَها وازدهارَها أم العقليات les mentalités؟
وهذه التساؤلات، نفسُها، يمكن تلخيصُها في تساؤلٍ واحدٍ، وهو الآتي : "هل أحزابُنا السياسية لا يوجد في صفوفِها "المهدي المٌنتظَر"، أي السياسي الذي بإمكانه تنظيف مشهدنا السياسي من الفساد، ونشر في أركانِه العدلَ الإنصافَ والشفافيةَ والديمقراطيةَ؟
قد نبحث في صفوف أحزابنا السياسية التي يفوق عددُها ثلاثين حزبا، لن نجد لهذا البروفايل le profil، أي "المهدي المنتظر" أو السياسي المُنقِد، أثراً. لماذا؟
أولا، لأن أحزابَنا السياسية أصبحت مليئةً بالأعياد les dignitaires الذين، بوُجودِهم داخلَ هذه الأحزاب، يُشكِّلون ضمانةً une garantie لحصد أكبر عددٍ من الأصوات أثناءَ الانتخابات، وبالأخص، الانتخابات التَّشريعية.
ثانياً، بمجرد ما أصبحت الأحزاب السياسية تستقطِب الأعيانَ، غادرها المُثقَّفون، أي المفكِّرون les intellectuels والمُنظِّرون les théoriciens والاختصاصيون في علم الاجتماع la sociologie والفلسفة والاقتصاد والأنثروبولوجيا l'anthropologie…
حينها، أصبحت كل أحزابِنا السياسية عبارة عن مجموعة من الانتهازيين les opportunistes، بما فيهم القيادات الحزبية، همُّهم الوحيد، هو احتلالُ كراسي السلطة، لتطبيق تصرفاتِهم المتَعفِّنة، المُخالِفة لمبادئ الحزب وإيديولوجياه.
وعلى ذكر المبادئ والإيديولوجيا الحزبية، أريد أن أثيرَ الانتباهَ إلى أن أحزابنا السياسية تتشابه من حيث هدف وجودِها في الساحة السياسية. وهذا الهدف يمكن اختزالُه، كما سبق الذكرُ، في احتلالِ كراسي السلطة. أقول "احتلال" وليس الوصول إلى هذه الكراسي، بطرق مشروعة.
وإذا كانت أحزابُنا السياسة تتشابه من حيث الهدف الوحيد، فما هو الفرق بينها؟ الفرق بينها يوجد في التَّسميات الجوفاء، أي الفارِغة من المعنى والمضمون، والتي تتناقض مع المُمارسات السياسية للأحزاب، على أرض الواقع. حينها لم يعد بإمكان للمواطنين (رجالاً ونساءً) التَّمييز بين الحزب اليميني واليساري أو الحزب الليبرالي libéral أو السلطوي autoritaire أو الحزب الاشتراكي أو الشيوعي والحزب ذي المرجعية الدينية…
وخيرُ مثالٍ يمكن الاستشهادُ به، هو إشراك حزب التقدُّم والاشتراكية الذي، عادةً له مرجعية يسارية قد نقول مُتطرِّفة، إن لم نقل شيوعية، في الحكومة التي ترأسها حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية. إنهما مرجعيتان متناقضتان، فكراً وعملاً. ومع ذلك، هاتان المرجعيتان المتناقضتان، لم تمنعا الحزبين من الاشتراك، في نفس الحكومة لتدبير الشأن العام. إن دلَّ هذا التناقض على شيءٍ، إنما يدل على أن أحزابَنا السياسية لم تعد لها لا مبادئ ولا إيديولوجيا خاصة بها. ما يهمُّها، هو احتلالُ كراسي السلطة، بطريقة أو أخرى. حينها، تصبح الطريقة، مشروعة أو غير مشروعة، هي التي يركِّز عليها الحزب السياسي، لكَسب أكبر عدد من الأصوات.
ولهذا، لجأت أحزابُنا السياسية لاستِقطاب أكبر عدد من الأعيان للانضمامٍ إلى صفوفِها، كضمانة لحَشد ما يمكن من الأصوات لصالح هذا الحزب أو ذاك. حينها، لا وجودَ، في الحزب السياسي، لِما كان يُسمَّى، في الماضي، ب"المناضلين" les militants. كما يتِمُّ إلغاءُ النقاش العمومي الذي كان واحداً من خصائض ألأحزاب السياسية.
والغريب في الأمر أن فقدانَ هذا النوعِ من الأحزاب السياسية، للمبادئ والإيديولوجيا، ينعكس على تنظيمِها الداخلي، إذ تنعدِم، في تسييرها، الشفافيةُ والديمقراطيةُ الداخليةُ. لماذا؟
لأن أحزابَنا السياسية مؤلفةٌ من الأعيان. والأعيان مصالِحهم متضاربة، إن لم نقل متعارِضة. هذا يسعى للحصول على الحصانة البرلمانية، وهذا يسعى للاغتناء السريع، وهذا يريد الاستفادة من الريع… وباختصار، كل عضوٍ من الأعيان "يغني على ليلاه"، وفقط، على ليلاه… وعليه، الحزب السياسي يصبِح ملكا للأعيان، تتضارب فيه مصالِحُهم.
ولهذا، فأي حزبٍ سياسيي يعتمد على الأعيان، فهو حزبٌ فاسِدٌ وفاقدٌ للمصداقية la crédibilité. فهو مُجبرٌ عل التَّطبيع مع الفساد لأن أعيانَه فاسٍدون. حينها، يُفتَح الباب واسعاً على مصراعيه لكل ما يساعِد على انتشار الفساد وما يترتَّب عنه من زبونية clientélisme ومحسوبية népotisme. حينها تُعطى الامتيازات les avantages والصَّفقات les transactions والرُّخصُ les autorisations لِمَن لا يستحقُّها. والغريب في الأمر أنه لا أحدَ يُحرِّك ساكِِنا أمامَ هذه التجاوزات les dépassements أو les transgressions، لا النيابة العامة، ولا الأحزاب السياسية نفسها.
وهذا مافعلته الحكومة الحالية، إذ ضربت عرضَ الحائط تضارُبَ مصالِح وزرائها الذين يملكون شركات تنتمي للقطاع الخاص. ومع ذلك، مكَّنتهم هذه الحكومة من صفقات عمومية، ضدا في خدمة الصالح العام. كما سمحت باستيراد الأبقار والأغنام، وخصَّصت لهذا الاستيراد دعماً ماليا يُقدَّر بمليارات الدراهم. لكن أغلبَ المستفيدين ليسوا من "الكسابة". بل من فئة "باك صاحبي" وما جاورهم. لهذا، عوض أن ينخفض ثمنُ اللحم في الأسواق، ازداد، وبالتالي، لم يعد للدَّعم المِلياري فائدة.
وفي ختام هذه المقالة، سأجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "أين هو المهدي المُنتظر، المُنقِد السياسي؟"
الجواب هو أن "المهدي المنتظر" لن يأتيَ، ولن يُنقِدَ البلادَ من الفساد، ما دامت أحزابُنا السياسية مُطبِّعةً مع الفساد، وما دامت مليئة بالاعيان، وما دامت بعيدةً كل البُعد عن الديمقراطية الداخلية والديمقراطية التي يريد الشعبُ المغربي أن تكون واحدةً من مُميَّزات مشهدِنا السياسي، وما دام حاملو المبادئ والديمقراطية، إما ماتوا، من أمثال عبد الرحيم بوعبيد ومحمد كسوس ومحمد العابد الجابري وعلي يهته… وآخرين، وحملوا معهم النِّضالَ، وإما هاجروا الأحزاب السياسية عندما امتلأت بالأعيان. لك الله يا وطني!
الجواب على هذا السؤال، هو لا، ثم لا، ولاشيءَ غير لا. كل العقول البشرية متشابِهة بيولوجياً وفيزيولوجياً. فأين يوجد الاختلاف؟ يوجد الاختلاف في العقليات، أي في استِعمال العقول، وليس في العقول نفسها. هناك العقليات السليمة النوايا les mentalités bienveillantes، وهناك العقليات التمعفِّنة أو الفاسِدة les mentalités pourries.
الأولى تسعى، دائما، لفعل الخير لها وللآخرين. أما الثانية، فلا يهمُّها إلا تحقيق المصالح الشخصية. أما الآخرون، فلا وجودَ لهم في تفكير وعمل هذه الفئة من العقليات المُتعفِّمة. والأمر يزداد خطورةً وتعفُّناً عند الأحزاب السياسية التي لا يستقيم تدبيرُها للشأن العام إلا حينما تختلط السياسة بالفساد.
ولهذا، فأحزابُنا السياسية اختارت التطبيع مع الفساد، أي اتخاذ القرارات وإصدار السياسات العمومية، التي، من شأنها، أن تقودَ إلى تنمية البلاد وتقدُّمها وتطوُّرها وازدهارها، لكنه تقدُّمٌ أعرج، يجد في طريقه عتراتٍ كبرى ناتِجة عن مشهدٍ سياسي مشحونٍ بالفساد.
وتنمية البلاد وتقدُّمها وتطوُّرُها وازدِهارُها أشياءٌ غير ممكنة ما دام الفسادُ من أكبر العراقيل التي تَحُول دون تنمية البلاد وتطورها وتقدُّمها وازدهارها. بل تدبير الشأن العام في مشهدٍ سياسي مشحون بالفساد، يُضيِّع على خزينةُ الدولة، أموالاً طائلةً، ليس، فقط، على المستوى الجِبائي، ولكن، كذلك، على مستوى تمويل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية. والأموال الطائلة التي تفقدها خزينة الدولة تُقدَّر، حسب الأخصَّائيين الاقتصاديين الذين لهم علاقة ب"الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته" l'instance nationale de la probité, de la prévention et de lutte contre la corruption، ب50 مليار درهم، أي 5000 مليار سنتيم centimes. وهو مبلغٌ مُقدَّر وليس مُحاسباتي، أي لم يتم حسابُه بالتَّدقيق. لكنه يُشكِّل ما نسبتُه من 3,5 إلى 6% من الناتج الداخلي الخام. وهذا رقم ضخمٌ يُخصَمُ من الثروة التي، من المفترض، أن تنتِجَها البلادُ سنويا.
المغرب يعاني من الفساد، خصوصا، منذ بداية الستينيات. ومعاناتُه هذه دامت أكثر من نصفِ قرن، علماً أن هذا الفسادَ لا يزال ينخر مرافقَ الدولة المغربية إلى يومنا هذا، رغم ما سنته هذه الدولة من قوانين وما أنشأته من مؤسسات دستورية تُحارِب الفسادَ بكيفية مباشرة أو غير مباشِرة. ومعاناة الشعب المغربي يمكن تلخيصُها في التساؤلات التالية:
1.ألم يحِنْ موعدُ إنقاذ البلاد من عرقلة entrave الفساد لكل محاولات النهوض بالبلاد وتقدُّمها وازدهارِها، ونحن على مسافة قريبة من الانتخابات التَّشريعية خلال شهر شتنبر المُقبل؟
2.فإلى متى سيبقى مشهدُنا السياسي فاسِداً حتى النخاع، وهل الشعبُ المغربي، كغيرِه من الشعوب، لا يستحق مشهداً سياسياً خاليا أو يكاد من الفساد؟
3.ألم تكن لِقيادات أحزابٍِنا السياسية غيرة une jalousie على هذا الوطن، مقارنةً بأوطان أخرى تقدَّمت وتطوَّرت وازدهرت؟
4.وهل العقول البشرية les raisons humaines هي التي تُنتِج تقدُّمَ البلاد وتطوُّرَها وازدهارَها أم العقليات les mentalités؟
وهذه التساؤلات، نفسُها، يمكن تلخيصُها في تساؤلٍ واحدٍ، وهو الآتي : "هل أحزابُنا السياسية لا يوجد في صفوفِها "المهدي المٌنتظَر"، أي السياسي الذي بإمكانه تنظيف مشهدنا السياسي من الفساد، ونشر في أركانِه العدلَ الإنصافَ والشفافيةَ والديمقراطيةَ؟
قد نبحث في صفوف أحزابنا السياسية التي يفوق عددُها ثلاثين حزبا، لن نجد لهذا البروفايل le profil، أي "المهدي المنتظر" أو السياسي المُنقِد، أثراً. لماذا؟
أولا، لأن أحزابَنا السياسية أصبحت مليئةً بالأعياد les dignitaires الذين، بوُجودِهم داخلَ هذه الأحزاب، يُشكِّلون ضمانةً une garantie لحصد أكبر عددٍ من الأصوات أثناءَ الانتخابات، وبالأخص، الانتخابات التَّشريعية.
ثانياً، بمجرد ما أصبحت الأحزاب السياسية تستقطِب الأعيانَ، غادرها المُثقَّفون، أي المفكِّرون les intellectuels والمُنظِّرون les théoriciens والاختصاصيون في علم الاجتماع la sociologie والفلسفة والاقتصاد والأنثروبولوجيا l'anthropologie…
حينها، أصبحت كل أحزابِنا السياسية عبارة عن مجموعة من الانتهازيين les opportunistes، بما فيهم القيادات الحزبية، همُّهم الوحيد، هو احتلالُ كراسي السلطة، لتطبيق تصرفاتِهم المتَعفِّنة، المُخالِفة لمبادئ الحزب وإيديولوجياه.
وعلى ذكر المبادئ والإيديولوجيا الحزبية، أريد أن أثيرَ الانتباهَ إلى أن أحزابنا السياسية تتشابه من حيث هدف وجودِها في الساحة السياسية. وهذا الهدف يمكن اختزالُه، كما سبق الذكرُ، في احتلالِ كراسي السلطة. أقول "احتلال" وليس الوصول إلى هذه الكراسي، بطرق مشروعة.
وإذا كانت أحزابُنا السياسة تتشابه من حيث الهدف الوحيد، فما هو الفرق بينها؟ الفرق بينها يوجد في التَّسميات الجوفاء، أي الفارِغة من المعنى والمضمون، والتي تتناقض مع المُمارسات السياسية للأحزاب، على أرض الواقع. حينها لم يعد بإمكان للمواطنين (رجالاً ونساءً) التَّمييز بين الحزب اليميني واليساري أو الحزب الليبرالي libéral أو السلطوي autoritaire أو الحزب الاشتراكي أو الشيوعي والحزب ذي المرجعية الدينية…
وخيرُ مثالٍ يمكن الاستشهادُ به، هو إشراك حزب التقدُّم والاشتراكية الذي، عادةً له مرجعية يسارية قد نقول مُتطرِّفة، إن لم نقل شيوعية، في الحكومة التي ترأسها حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية. إنهما مرجعيتان متناقضتان، فكراً وعملاً. ومع ذلك، هاتان المرجعيتان المتناقضتان، لم تمنعا الحزبين من الاشتراك، في نفس الحكومة لتدبير الشأن العام. إن دلَّ هذا التناقض على شيءٍ، إنما يدل على أن أحزابَنا السياسية لم تعد لها لا مبادئ ولا إيديولوجيا خاصة بها. ما يهمُّها، هو احتلالُ كراسي السلطة، بطريقة أو أخرى. حينها، تصبح الطريقة، مشروعة أو غير مشروعة، هي التي يركِّز عليها الحزب السياسي، لكَسب أكبر عدد من الأصوات.
ولهذا، لجأت أحزابُنا السياسية لاستِقطاب أكبر عدد من الأعيان للانضمامٍ إلى صفوفِها، كضمانة لحَشد ما يمكن من الأصوات لصالح هذا الحزب أو ذاك. حينها، لا وجودَ، في الحزب السياسي، لِما كان يُسمَّى، في الماضي، ب"المناضلين" les militants. كما يتِمُّ إلغاءُ النقاش العمومي الذي كان واحداً من خصائض ألأحزاب السياسية.
والغريب في الأمر أن فقدانَ هذا النوعِ من الأحزاب السياسية، للمبادئ والإيديولوجيا، ينعكس على تنظيمِها الداخلي، إذ تنعدِم، في تسييرها، الشفافيةُ والديمقراطيةُ الداخليةُ. لماذا؟
لأن أحزابَنا السياسية مؤلفةٌ من الأعيان. والأعيان مصالِحهم متضاربة، إن لم نقل متعارِضة. هذا يسعى للحصول على الحصانة البرلمانية، وهذا يسعى للاغتناء السريع، وهذا يريد الاستفادة من الريع… وباختصار، كل عضوٍ من الأعيان "يغني على ليلاه"، وفقط، على ليلاه… وعليه، الحزب السياسي يصبِح ملكا للأعيان، تتضارب فيه مصالِحُهم.
ولهذا، فأي حزبٍ سياسيي يعتمد على الأعيان، فهو حزبٌ فاسِدٌ وفاقدٌ للمصداقية la crédibilité. فهو مُجبرٌ عل التَّطبيع مع الفساد لأن أعيانَه فاسٍدون. حينها، يُفتَح الباب واسعاً على مصراعيه لكل ما يساعِد على انتشار الفساد وما يترتَّب عنه من زبونية clientélisme ومحسوبية népotisme. حينها تُعطى الامتيازات les avantages والصَّفقات les transactions والرُّخصُ les autorisations لِمَن لا يستحقُّها. والغريب في الأمر أنه لا أحدَ يُحرِّك ساكِِنا أمامَ هذه التجاوزات les dépassements أو les transgressions، لا النيابة العامة، ولا الأحزاب السياسية نفسها.
وهذا مافعلته الحكومة الحالية، إذ ضربت عرضَ الحائط تضارُبَ مصالِح وزرائها الذين يملكون شركات تنتمي للقطاع الخاص. ومع ذلك، مكَّنتهم هذه الحكومة من صفقات عمومية، ضدا في خدمة الصالح العام. كما سمحت باستيراد الأبقار والأغنام، وخصَّصت لهذا الاستيراد دعماً ماليا يُقدَّر بمليارات الدراهم. لكن أغلبَ المستفيدين ليسوا من "الكسابة". بل من فئة "باك صاحبي" وما جاورهم. لهذا، عوض أن ينخفض ثمنُ اللحم في الأسواق، ازداد، وبالتالي، لم يعد للدَّعم المِلياري فائدة.
وفي ختام هذه المقالة، سأجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "أين هو المهدي المُنتظر، المُنقِد السياسي؟"
الجواب هو أن "المهدي المنتظر" لن يأتيَ، ولن يُنقِدَ البلادَ من الفساد، ما دامت أحزابُنا السياسية مُطبِّعةً مع الفساد، وما دامت مليئة بالاعيان، وما دامت بعيدةً كل البُعد عن الديمقراطية الداخلية والديمقراطية التي يريد الشعبُ المغربي أن تكون واحدةً من مُميَّزات مشهدِنا السياسي، وما دام حاملو المبادئ والديمقراطية، إما ماتوا، من أمثال عبد الرحيم بوعبيد ومحمد كسوس ومحمد العابد الجابري وعلي يهته… وآخرين، وحملوا معهم النِّضالَ، وإما هاجروا الأحزاب السياسية عندما امتلأت بالأعيان. لك الله يا وطني!