عبدالمنعم الهراق - اقتباس من كتابي الجديد المقرر صدوره قريبا...

في أروقة المكتبة ، محتسب الفهرسة يفض النزاع..
دخل "كليلة ودمنة" إلى قاعة المخطوطات بخطوات متسارعة، صخبه يسبقه، ورائحة الحبر القديم تتصاعد من صفحاته الغاضبة ؛ ألقى بنفسه أمام منصة " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون "سادن الفهارس، وقاضي التراث الذي لا تخفى عليه غامضة.
قال "كليلة ودمنة " بصوت تملؤه الجرأة والمرارة: يا شيخ الفهارس ومجرد المتون ، أرفع إليك مظلمتي من بعض مطابع هذا الزمان ؛ لقد استمرأ الناشرون التدليس، وخطوا على غلافي بخط عريض: تأليف: عبد الله بن المقفع ! أين حقي؟ وأين حق الفيلسوف الحكيم بيدبا الذي نسج حكاياتي في ظلمات الهند ليُصلح بها عوج الملوك؟ كيف يُسلب صاحب الفكرة حق الخلود ليُمنح لترجمان؟
اعتدل "كشف الظنون " في جلسته، ونظر بعين العارف المتأنّي، ثم قلب بين يديه طرة المخطوط القديم، وقال بنبرة هادئة كالماء: يا صديقي أهدئ من فوران حبرك! لن يسلب أحد قط بيدبا عرشه؛ فالفكرة الأولى هي الروح، وحروف البدايات هي الوشم الذي لا يمحوه الزمان ؛ الفلسفة هندية، والروح شرقية، والخلود كُتب لمن خط الحكمة أول مرة على ألسنة الطير والبهائم لتهذيب النفوس وإصلاح الأخلاق.
ولكن.. إنصافا للتاريخ، اسمع مني: لقد أتيت إلينا بلسان فارسي ، فكساك ابن المقفع ببلاغته ثوبا من الديباج العربي ، فكان بعثا جديدا لروحك ، ولم يكن مجرد ناقلٍ للحروف ، صاغك بلغة يسري فيها السحر، حتى أصبحت بغلافك العربي أشهر منك بأصلك الهندي!
اطمئن فالناشرون وإن جرت أقلامهم باختصار اسم "ابن المقفع" على غلافك، يعلمون في قرارة أرواحهم أن الحكمة هندية واللسان عربي ، ولولا ذاك المترجم الفذ الذي وضع روحه في حبره، لربما بقيت حبيس الرفوف الشرقية ولم تطبق شهرتك الآفاق.
خرج "كليلة ودمنة " من القاعة وقد سكن روعه ، مطمئنا إلى أن الحقيقة لا تضيع في زحام المطابع ، وكل قارئ له ، سيتذكر أنه لا يقرأ مجرد صفحات ، لكنه سيجد نفسه أمام حكمة بيدبا الهندي حين التقت بـعبقرية ابن المقفع ؛ فكانت النتيجة أدبا لا يموت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...