كاظم حسن سعيد -
على حافة الغرق: بين مهاجري سبتة وموجات اللجوء العراقي
تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي في العراق يومياً بسلسلة لا تتوقف من القضايا والمشاحنات المحلية؛ بدءاً من مشاجرة بين زائرة إيرانية وأخرى عراقية في كربلاء على مكان الصلاة، مروراً بقرار قيل إن مسؤولاً وضع فيه ملايين الدولارات داخل حاويات تحت أشجار مزرعته ونفقها السري، أو تصريح لافت لمتنفذ رفيع "نحن إيرانيون وطز بالمناصب"، وصولاً إلى قضايا تأخر الرواتب والاستهدافات الأمنية.
هذه الأحداث اليومية المتسارعة تُغرق الشارع العراقي في تفاصيلها، وتجعله يتجاهل كوارث كبرى تقع في مناطق أخرى من العالم. قد يرى العراقيون في تدفق آلاف المهاجرين نحو مدينة "سبتة" حدثاً عابراً، لا لأنهم بلا تعاطف، بل لأنهم مرّوا بتجارب مريرة مماثلة، واشبعوها بحثاً حتى سأموا التفاصيل... وكأن العراقيين خبروا كل أشكال الأزمات حتى هانت أشدّها في وجدانهم.
مؤخراً، وعقب صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية بحظر "الإرجاع الفوري" للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى السواحل أو الجيوب الإسبانية (مثل سبتة ومليلية)، شهدت المنطقة تدفقاً لآلاف المهاجرين، جلّهم من اليافعين. عبر هؤلاء الحدود براً باجتياز الأسلاك الشائكة، أو بحراً عبر القوارب والسباحة مستعينين بإطارات السيارات المطاطية؛ بعضهم يحمل رضعاً، وآخرون يساندون النساء، بينما قضى بعضهم غرقاً في الطريق.
هذا المشهد الإنساني القاسي ليس غريباً على الذاكرة العراقية؛ فبعد سقوط النظام عام 2003، مرّت موجات تدفق المهاجرين واللاجئين العراقيين عبر تركيا باتجاه أوروبا بمراحل متعددة. وكانت الموجة الأولى بين عامي (2006 – 2008) عقب اندلاع العنف الطائفي والتدهور الأمني. أما الموجة الكبرى والأضخم فتجلّت في عامي (2015 – 2016) خلال أزمة اللاجئين الأوروبية، حيث تدفق أكثر من 100 ألف عراقي إلى ألمانيا وحدها.
جاء ذلك الإعصار البشري إثر قرار المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بتبني "سياسة الباب المفتوح" وتعليق العمل باتفاقية دبلن، مُطلقة عبارتها الشهيرة في أغسطس 2015: "Wir schaffen das" ("سننجح في التعامل مع ذلك"). وهي اللحظة التي جعلت من "ميركل" أيقونة حاضرة حتى في التظاهرات العراقية، وتصدّر اسمها الأهازيج والهتافات الشعبية في بغداد.
إن المقارنة بين ما حدث في العراق وما يحدث اليوم على شواطئ سبتة تُظهر كيف يُعيد التاريخ نفسه في صور مختلفة، وكيف يتحول الألم الإنساني إلى مجرد "خبر عابر" لشعب عاش التفاصيل ذاتها وزيادة.
على حافة الغرق: بين مهاجري سبتة وموجات اللجوء العراقي
تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي في العراق يومياً بسلسلة لا تتوقف من القضايا والمشاحنات المحلية؛ بدءاً من مشاجرة بين زائرة إيرانية وأخرى عراقية في كربلاء على مكان الصلاة، مروراً بقرار قيل إن مسؤولاً وضع فيه ملايين الدولارات داخل حاويات تحت أشجار مزرعته ونفقها السري، أو تصريح لافت لمتنفذ رفيع "نحن إيرانيون وطز بالمناصب"، وصولاً إلى قضايا تأخر الرواتب والاستهدافات الأمنية.
هذه الأحداث اليومية المتسارعة تُغرق الشارع العراقي في تفاصيلها، وتجعله يتجاهل كوارث كبرى تقع في مناطق أخرى من العالم. قد يرى العراقيون في تدفق آلاف المهاجرين نحو مدينة "سبتة" حدثاً عابراً، لا لأنهم بلا تعاطف، بل لأنهم مرّوا بتجارب مريرة مماثلة، واشبعوها بحثاً حتى سأموا التفاصيل... وكأن العراقيين خبروا كل أشكال الأزمات حتى هانت أشدّها في وجدانهم.
مؤخراً، وعقب صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية بحظر "الإرجاع الفوري" للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى السواحل أو الجيوب الإسبانية (مثل سبتة ومليلية)، شهدت المنطقة تدفقاً لآلاف المهاجرين، جلّهم من اليافعين. عبر هؤلاء الحدود براً باجتياز الأسلاك الشائكة، أو بحراً عبر القوارب والسباحة مستعينين بإطارات السيارات المطاطية؛ بعضهم يحمل رضعاً، وآخرون يساندون النساء، بينما قضى بعضهم غرقاً في الطريق.
هذا المشهد الإنساني القاسي ليس غريباً على الذاكرة العراقية؛ فبعد سقوط النظام عام 2003، مرّت موجات تدفق المهاجرين واللاجئين العراقيين عبر تركيا باتجاه أوروبا بمراحل متعددة. وكانت الموجة الأولى بين عامي (2006 – 2008) عقب اندلاع العنف الطائفي والتدهور الأمني. أما الموجة الكبرى والأضخم فتجلّت في عامي (2015 – 2016) خلال أزمة اللاجئين الأوروبية، حيث تدفق أكثر من 100 ألف عراقي إلى ألمانيا وحدها.
جاء ذلك الإعصار البشري إثر قرار المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بتبني "سياسة الباب المفتوح" وتعليق العمل باتفاقية دبلن، مُطلقة عبارتها الشهيرة في أغسطس 2015: "Wir schaffen das" ("سننجح في التعامل مع ذلك"). وهي اللحظة التي جعلت من "ميركل" أيقونة حاضرة حتى في التظاهرات العراقية، وتصدّر اسمها الأهازيج والهتافات الشعبية في بغداد.
إن المقارنة بين ما حدث في العراق وما يحدث اليوم على شواطئ سبتة تُظهر كيف يُعيد التاريخ نفسه في صور مختلفة، وكيف يتحول الألم الإنساني إلى مجرد "خبر عابر" لشعب عاش التفاصيل ذاتها وزيادة.