أهم عبارة وردت في خطاب عيد العرش الأخير يوم 29 يوليوز 2026

هذه العبارة هي "حكومة جديدة". وهذه ليست هي المرة الأولى التي تتٍمُّ فيها الإشارة إلى الانتخابات التشريعية في خُطَب الاحتفال بعيد العرش. واليوم، إنه احتفالٌ بالذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء محمد السادس عرشَ أسلافه المُنعَّمين. قد سبق لملك البلاد أن أشار لهذه الانتخابات التَّشريعية في خُطبٍ 2002 و 2025. لكنه لم يذكر هذه العبارة. بل، من بين الأمور التي تركَّز حولها الخطابُ الملكي، هي أن تكون هذه الانتخابات شفافةً، ديمقراطية وتحترم طموحاتِ الشعب المغربي.

إذ، من المتعارف عليه أن الانتخابات التَّشريعية تُعطي، دائما، الصدارةَ، من حيث عدد الأصوات، لأحد الأحزاب السياسية الذي تُسند له رئاسة الحكومة. وهذا الحزبُ المُتصدِّر للانتخابات التَّشريعية، يبحث عن أحزاب سياسية أخرى لتشكيل أغلبية برلمانية مُريحة. ومن هذه الأغلبية البرلمانية، تشكِّل رئاسةُ الحكومةِ، الحكومةَ التي تُناط لها مهمة تدبير الشأن العام، حسب مقتضيات الدستور المغربي.

إذن، عبارة "حكومة جديدة" لم تَرِدْ في خطاب العرش الأخير بمحض الصدفة أو فرضها السياق اللغوي. بل كانت مقصودة، وحسب رأيي الشخصى، الهدف منها، هو القطع la rupture مع الخط السياسي القديم l'ancienne ligne politique، الذي جعل من هذا البلد السعيد بلدا يسير بسرعتين. سرعة لصالح أقليةٌ قليلة une hyperminotité أو oligarchie. وسرعة تهمِّش السواد الأعظم من ساكنة البلاد، إن لم نَقُل كل الناس الخارجين عن نِطاق الأقلية القليلة. والتَّهميش، هنا، يجب إدراكُه، من حيث الاستفادة من الثروة التي ينتِجها اقتصاد البلاد، علما أن هذه الثروة يُساهم في خلقِها كل فردٍ من أفراد المجتمع المغربي، إما بفكرِه أو بعملِه أو بأدائه لوجاباتِه، وعلى رأسِها أداء الضرائب.

والقطع مع الخط السياسي القديم يفرض على "الحكومة الجديدة"، أي على الأحزاب السياسية التي سيُناط بها تدبيرُ الشأن العام، أن تكونَ لها إرادة سياسية قوية للقضاء على الفساد، أو على الأقل، التخفيف من عرقلتِه لمُجريات التنمية بجميع أنواعها.

يكفي الرجوعُ إلى الدستور المغربي، الذي هو أسمى قانون البلاد، لنُلاحِظ أنه، من واجب الأحزاب السياسية أن تؤطِّر المواطنين (رجالاً ونساءً) وتُشرِف على تكوينهم السياسي، على الخصوص. كما نلاحظ أن نفس الدستور ينُصُّ، أولاً، على تخلِيق الحياة العامة، وثانيا، على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

كل هذه المُقتضيات الدستورية، أي تأطيرُ المواطنين وتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يمكن أن تتحقَّقَ إلا إذا كانت، كما سبق الذكرُ، للأحزاب السياسية التي ستُناط بها مهمة تدبير الشأن العام، والمُطبِّعة، حاليا، مع الفساد، إرادة قوية للقطع مع الخط السياسي القديم وتبنِّي مقاربة سياسية جديدة تستنِد، أولا وقبل كل شيء، على الشفافية والديمقراطية.

ونفسُ المُقتضيات الدستورية، تفرض على الأحزاب السياسية، محاربةَ الفساد، الذي هو أول عدو للتنمية بجميع أشكالِها. في نظري، هذا هو الورش الذي، من واجب "الحكومة الجديدة" أن تُطلقَه وتعمل جاهدةً لإنجاحٍه.

ومن واجبها، كذلك، أن تتصدَّى هذه الأحزاب للفساد، مهما كلَّفها هذا الواجب من معاناة ومن صراعات مع لوبيات الفساد التي امتدَّت أذرعُ نفوذها ses tentacules داخلَ المجتمع المغربي، وانطلاقاً من المقولة المغربية المشهورة "ماوَاعْرْ غِيرْ لْبْدو". و"ماوَعْرْ غِيرْ لْبْدو"، هو الذي يتطلب من الأحزاب السياسية أن تتسلَّحَ بإرادةٍ سياسية قوية.

غير أن الأحزاب السياسية التي صمَّمت أن تتصدى للفساد، عليها أن أن تتصدَّى لهذا الفساد في عقر بيتها، تطبيقاً للمقولة الفرنسية charité bien ordonnée commence par soi-même، أي قبل أن تتصدى للفساد في المجتمع المغربي، عليها أن تتصدَّى له في عُقرِ ديارها. وهذا يقتضي منها، عوض أن تُطبِّعَ معه، أن تقومَ بمُحاربَته.

وهنا، يُطرَج سؤالٌ له أهمية أخلاقية وسياسية. أخلاقية، لأن نُبلَ الأخلاق لا يمكن أن يتساكنَ مع الفساد. سياسية، لأن السياسة النبيلة لا يمكن أن تنجحَ في مشهدٍ سياسي مشحون بالفساد. والسياسة النبيلة لا تستقيم إلا إذا كان للأحزاب السياسية قيادات (رجالاً ونساءً) تُحبُّ وطنَها وتعمل لخدمة الصالِح العام.

والسؤال المطروح، هنا، هو : "كيف تقضي الأحزاب السياسية على الفساد، أو على الأقل، التخفيف من وَقعِه السلبي على التنمية، أولا، في عقر ديارها، وثانيا، في المجتمع المغربي؟"

ستقضي على الفساد أو تقلِّلُ من انعكاسِه السلبي على التنمية، أولا وقبل كل شيء، باحترام مضامين الدستور، والسعي إلى تطبيق القانون، ولاشيءَ غير القانون. دون أن ننسى أن "الفسادَ يولِّد الفسادَ". بمعنى أن المجتمع والأحزاب السياسية يتأثران، الأول بالثانية، والثانية بالأول.

مثلا، إذا أعطت الأحزاب السياسية، المسؤولة عن تدبير الشأن العام، لأحد الأعيان امتيازا لا يستحقه، فالأعيان الآخرون يريدون نفسَ الامتياز. وبصفة عامة، كل فرد نال حقّاً (امتيازا) لا يستحقه، فإن الآخرين يريدون نيلَه ولو تمَّ هذا النَّيلُ بطريقة غير مشروعة، أي مُخالِفة للقانون. ولهذا قلت، أعلاه، "الفساد يُولّد الفسادَ" la corruption engendre .la corruption

وهكذا، يُصبح المجتمعُ يعيش في "حلَقَة مفرغة" un cercle vicieux يصعب الخروجُ منها، لأن هذه الحلَقة يوجدُ بداخِلها سببُ أو أسباب استمرارِها. بمعنى أن الأحزاب السياسية تولِّد الفساد بعدم مُحاربتِه والمجتمع يُساهم في توليد هذا الفساد بضمان أسباب استِمرارِه.

والنتيجةُ المُترتِّبة عن عدم محاربة الفساد، والتي لا يرضاها أي مواطن (رجل أو امرأة) غيور على بلاده، ويُريد لها الخيرَ، هو الهروب الجماعي لألاف الشباب والأطفال نحو المدينتين المُحتلَّتين من طرَف إسبانيا، سبتة ومليلية. فعلى "الحكومة الجديدة" أن تُدركَ أن هذا الهروب الجماعي هو، في الحقيقة، ناتجٌ عن السياسة التي اتَّبعتها الأحزاب السياسية التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، منذ الستينيات إلى يومنا هذا. وهذه السياسة التي همَّشت وتهمِّش ملاين الشباب والأطفال، هي التي، من واجب "الحكومة الجديدة" أن تُغيِّرَها!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...