تقول الأسطورة إن بودا وبست كانا عاشقين فرّق بينهما نهر عظيم كما لدينا في أكثر من مدينة مثل قصة عشق مولاي بوسلهام وللا ميمونة. كانت بودا تسكن التلال، تتأمل العالم من قلاعها الصامتة وتحمل في حجارتها حكمة الماضي، أما بست فكان يقيم في السهل، قريبا من الأسواق والمقاهي وضجيج البشر، تجري في شوارعه رغبة لا تهدأ في الحياة.
تنظر بودا كل مساء إلى أضواء بست المرتعشة على الماء، بينما يرفع بست عينيه نحو القلعة المضيئة في الأعالي. كانا متقابلين وقريبين، لكن كل واحد منهما ظل يعيش وحدته على ضفة، كأن النهر خلقهما لكي يتأملا بعضهما من بعيد.
وحين طال الفراق، مدّتا أيديهما فوق الماء، فولد جسر سيتشيني. كان الجسر عهدًا بين ضفتين قررتا أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة. عبر الناس فوقه، لكن العاشقين وحدهما كانا يعرفان أن كل خطوة عليه تقرّب قلبًا من قلب. ومن اتحادهما وُلدت بودابست: مدينة تحمل في اسمها ذاكرة الانقسام وقوة اللقاء. احتفظت بودا بصمت التلال والقلاع، واحتفظ بست بحيوية الشوارع والبرلمان والمقاهي. أما الدانوب، الحارس القديم لسرّهما، فيواصل جريانه.
ظللت أتأمل هذا الانقسام الذي صنع اسم المدينة وهويتها: بودا وبست، مدينتان لم تتّحدا إداريًا إلا سنة 1873، لكنهما ظلّتا، في المخيال، ضفّتين لروح واحدة. شعرت كما لو أنني أعبر بين طريقتين في النظر إلى العالم: واحدة تستعيد الماضي من أعلى، وأخرى تختبر الحاضر في الشوارع والساحات والمقاهي.
صعدت نحو قلعة بودا، حيث تبدو المدينة من الأعلى كصفحة واسعة كتب التاريخ فوقها نصوصه المتراكبة. بالقرب من كنيسة ماتياس وحصن الصيادين، ينطق الحجر بأزمنة الملوك والمغول والعثمانيين وملكية آل هابسبورغ. فالعمارة ليست سجلًا بريئًا.. كل سلطة مرت من هنا تركت بناءً وهدمت آخر، غيّرت اسم ساحة أو أعادت كتابة دلالة نصب. وبذلك أصبحت بودابست نصًا مفتوحًا تتصارع داخله الذاكرات: ذاكرة المملكة المجرية، وذاكرة الحكم العثماني، وبهاء الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم جراح النازية والاحتلال السوفياتي وانتفاضة سنة 1956.
على الضفة الأخرى، كان البرلمان المجري يرتفع بمحاذاة الدانوب كأنه سفينة حجرية ضخمة رست على حافة التاريخ. قبابه وأبراجه القوطية تعكس جمالًا معماريًا مبهرا يعبّر عن رغبة أمة في أن تمنح نفسها صورة مهيبة في لحظة تأسيس حديثة. بُني البرلمان في أوج الإمبراطورية النمساوية المجرية، فجمع بين تمجيد الماضي القومي والإعلان عن حضور سياسي داخل إمبراطورية متعددة الشعوب والهويات.
وحين حل المساء، انعكست أضواء البرلمان على صفحة الدانوب، فبدت صورته في الماء أكثر هشاشة من المبنى نفسه. كان الحجر في الأعلى ثابتًا، فيما كانت صورته ترتجف مع حركة النهر. قلت في نفسي إن هذه المسافة بين المبنى وظله تختصر علاقة السلطة بالتاريخ: تبني السلطة قصورها كي تبدو دائمة، ثم يأتي الزمن فيحوّل صلابتها إلى انعكاس متحرك. البرلمان، بما يمثله من قانون وسيادة واستمرار، كان واقفًا بهبته على الضفة، لكن صورته في الماء كانت تقول إن التاريخ أقوى من كل عمارة شُيّدت لمقاومته.
غير بعيد عنه، على حافة النهر، تنتصب أحذية حديدية تذكّر باليهود الذين أعدمهم الفاشيون المجريون خلال الحرب العالمية الثانية وأُلقيت أجسادهم في الدانوب. وحده فراغها يتألم. تبدو كما لو أن أصحابها ابتعدوا لحظة وسيعودون، لكن النهر يعرف أنهم لن يعودوا. وقفت أمامها عاجزًا عن الفصل بين جمال المكان ووحشية ما حدث فيه. كان البرلمان قريبًا، بأضوائه وهيبته، وكانت الأحذية الصامتة تطرح عليه سؤالًا أخلاقيًا صارخا: ما قيمة الدولة إن لم تحمِ الإنسان؟
وفي شوارع بست، كانت واجهات المباني تحمل بقايا زمن أراد أن يجعل الجمال أسلوبًا للحياة. مبانٍ مزخرفة، شرفات أنيقة، ساحات فسيحة ومقاهٍ تستعيد شيئًا من الوهج الثقافي للإمبراطورية. في مقهى نيويورك، حيث يلتقي الترف المعماري بذاكرة الأدباء والصحافيين.. لكن ذلك البهاء كان يحمل في داخله مفارقته الخاصة. فالإمبراطوريات تبني المسارح والمقاهي والقصور كي تقنع نفسها بأنها خالدة، بينما تنمو في هوامشها أسئلة القوميات والعدالة والحرية. كان القرن العشرون ينتظر بودابست بكل عنفه: حربان عالميتان، فاشية، محرقة، حصار، هيمنة سوفياتية، ثم انتفاضة 1956 التي خرج فيها المجريون مطالبين بالحرية قبل أن تسحقهم الدبابات.
وأنا أعبر شارع أندراشي، وأتوقف أمام المبنى المعروف بـ«بيت الرعب»، أدركت كيف يمكن للمكان الواحد أن يخدم سلطتين متعارضتين في الشعارات ومتشابهتين في وسائل القمع. فقد استخدمه الفاشيون، ثم استعملته الشرطة السرية في الحقبة الشيوعية. تغيّرت الرايات، لكن الزنازين بقيت نفسها، فالاستبداد يستطيع أن يتحدث باسم الأمة أو الطبقة أو الأمن، لكنه ينتهي دائمًا إلى الباب المغلق والخوف والاعتراف المنتزع بالقوة.
عدت إلى الدانوب في المساء. كانت القوارب تمر ببطء، والجسور تشتعل بالأضواء، والمدينة تستعيد صورتها السياحية الآسرة. بين بودا وبيست، أدركت أن المدينة تتوحد لأنها قبلت أن تعيش انقسامها وأن تبني فوقه الجسور. وربما كان ذلك درسها الأعمق: فكل إنسان يحمل داخله بوداه وبيسته وعليه أن يقيم جسرا للتواصل وللمحبة بينهما..
تنظر بودا كل مساء إلى أضواء بست المرتعشة على الماء، بينما يرفع بست عينيه نحو القلعة المضيئة في الأعالي. كانا متقابلين وقريبين، لكن كل واحد منهما ظل يعيش وحدته على ضفة، كأن النهر خلقهما لكي يتأملا بعضهما من بعيد.
وحين طال الفراق، مدّتا أيديهما فوق الماء، فولد جسر سيتشيني. كان الجسر عهدًا بين ضفتين قررتا أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة. عبر الناس فوقه، لكن العاشقين وحدهما كانا يعرفان أن كل خطوة عليه تقرّب قلبًا من قلب. ومن اتحادهما وُلدت بودابست: مدينة تحمل في اسمها ذاكرة الانقسام وقوة اللقاء. احتفظت بودا بصمت التلال والقلاع، واحتفظ بست بحيوية الشوارع والبرلمان والمقاهي. أما الدانوب، الحارس القديم لسرّهما، فيواصل جريانه.
ظللت أتأمل هذا الانقسام الذي صنع اسم المدينة وهويتها: بودا وبست، مدينتان لم تتّحدا إداريًا إلا سنة 1873، لكنهما ظلّتا، في المخيال، ضفّتين لروح واحدة. شعرت كما لو أنني أعبر بين طريقتين في النظر إلى العالم: واحدة تستعيد الماضي من أعلى، وأخرى تختبر الحاضر في الشوارع والساحات والمقاهي.
صعدت نحو قلعة بودا، حيث تبدو المدينة من الأعلى كصفحة واسعة كتب التاريخ فوقها نصوصه المتراكبة. بالقرب من كنيسة ماتياس وحصن الصيادين، ينطق الحجر بأزمنة الملوك والمغول والعثمانيين وملكية آل هابسبورغ. فالعمارة ليست سجلًا بريئًا.. كل سلطة مرت من هنا تركت بناءً وهدمت آخر، غيّرت اسم ساحة أو أعادت كتابة دلالة نصب. وبذلك أصبحت بودابست نصًا مفتوحًا تتصارع داخله الذاكرات: ذاكرة المملكة المجرية، وذاكرة الحكم العثماني، وبهاء الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم جراح النازية والاحتلال السوفياتي وانتفاضة سنة 1956.
على الضفة الأخرى، كان البرلمان المجري يرتفع بمحاذاة الدانوب كأنه سفينة حجرية ضخمة رست على حافة التاريخ. قبابه وأبراجه القوطية تعكس جمالًا معماريًا مبهرا يعبّر عن رغبة أمة في أن تمنح نفسها صورة مهيبة في لحظة تأسيس حديثة. بُني البرلمان في أوج الإمبراطورية النمساوية المجرية، فجمع بين تمجيد الماضي القومي والإعلان عن حضور سياسي داخل إمبراطورية متعددة الشعوب والهويات.
وحين حل المساء، انعكست أضواء البرلمان على صفحة الدانوب، فبدت صورته في الماء أكثر هشاشة من المبنى نفسه. كان الحجر في الأعلى ثابتًا، فيما كانت صورته ترتجف مع حركة النهر. قلت في نفسي إن هذه المسافة بين المبنى وظله تختصر علاقة السلطة بالتاريخ: تبني السلطة قصورها كي تبدو دائمة، ثم يأتي الزمن فيحوّل صلابتها إلى انعكاس متحرك. البرلمان، بما يمثله من قانون وسيادة واستمرار، كان واقفًا بهبته على الضفة، لكن صورته في الماء كانت تقول إن التاريخ أقوى من كل عمارة شُيّدت لمقاومته.
غير بعيد عنه، على حافة النهر، تنتصب أحذية حديدية تذكّر باليهود الذين أعدمهم الفاشيون المجريون خلال الحرب العالمية الثانية وأُلقيت أجسادهم في الدانوب. وحده فراغها يتألم. تبدو كما لو أن أصحابها ابتعدوا لحظة وسيعودون، لكن النهر يعرف أنهم لن يعودوا. وقفت أمامها عاجزًا عن الفصل بين جمال المكان ووحشية ما حدث فيه. كان البرلمان قريبًا، بأضوائه وهيبته، وكانت الأحذية الصامتة تطرح عليه سؤالًا أخلاقيًا صارخا: ما قيمة الدولة إن لم تحمِ الإنسان؟
وفي شوارع بست، كانت واجهات المباني تحمل بقايا زمن أراد أن يجعل الجمال أسلوبًا للحياة. مبانٍ مزخرفة، شرفات أنيقة، ساحات فسيحة ومقاهٍ تستعيد شيئًا من الوهج الثقافي للإمبراطورية. في مقهى نيويورك، حيث يلتقي الترف المعماري بذاكرة الأدباء والصحافيين.. لكن ذلك البهاء كان يحمل في داخله مفارقته الخاصة. فالإمبراطوريات تبني المسارح والمقاهي والقصور كي تقنع نفسها بأنها خالدة، بينما تنمو في هوامشها أسئلة القوميات والعدالة والحرية. كان القرن العشرون ينتظر بودابست بكل عنفه: حربان عالميتان، فاشية، محرقة، حصار، هيمنة سوفياتية، ثم انتفاضة 1956 التي خرج فيها المجريون مطالبين بالحرية قبل أن تسحقهم الدبابات.
وأنا أعبر شارع أندراشي، وأتوقف أمام المبنى المعروف بـ«بيت الرعب»، أدركت كيف يمكن للمكان الواحد أن يخدم سلطتين متعارضتين في الشعارات ومتشابهتين في وسائل القمع. فقد استخدمه الفاشيون، ثم استعملته الشرطة السرية في الحقبة الشيوعية. تغيّرت الرايات، لكن الزنازين بقيت نفسها، فالاستبداد يستطيع أن يتحدث باسم الأمة أو الطبقة أو الأمن، لكنه ينتهي دائمًا إلى الباب المغلق والخوف والاعتراف المنتزع بالقوة.
عدت إلى الدانوب في المساء. كانت القوارب تمر ببطء، والجسور تشتعل بالأضواء، والمدينة تستعيد صورتها السياحية الآسرة. بين بودا وبيست، أدركت أن المدينة تتوحد لأنها قبلت أن تعيش انقسامها وأن تبني فوقه الجسور. وربما كان ذلك درسها الأعمق: فكل إنسان يحمل داخله بوداه وبيسته وعليه أن يقيم جسرا للتواصل وللمحبة بينهما..