حسين عبروس - في قلب المتوسط... رحلة إلى أعماق الذات..

في قلب المتوسط... رحلة إلى أعماق الذات
.........
- ليست هذه الصورة مجرّد لحظة عابرة التُقطت فوق مركب فاخر يعوم في قلب البحر الأبيض المتوسط، وإنما هي مشهد يختزل رحلة الإنسان مع ذاته، حين يبتعد عن ضجيج اليابسة ليصغي إلى ذلك الصوت الخافت الذي لا يُسمع إلا في حضرة البحر. هنا، حيث يمتدّ الماء إلى ما لا نهاية، يتقلص العالم بكل صخبه، وتكبر الأسئلة التي طالما أخفاها زحام الحياة.
في هذا الفضاء الأزرق، لا يعود البحر مجرد مساحة مائية، بل يتحول إلى كتابٍ مفتوح، تقرأ في أمواجه فصول العمر، وتستعيد من زرقته وجوهًا غابت، وأماكن رحلت، وأحلامًا كانت يومًا تسكن القلب قبل أن تسرقها الأيام. كل موجة تحمل ذكرى، وكل نسمة بحر توقظ حنينًا قديمًا، حتى يخال المرء أن البحر يحفظ ما نسيته الذاكرة، ويعيده إلينا في هيئة تأمل صامت.
وحين يتوسط المركب هذا الامتداد اللامتناهي، يشعر الإنسان بضآلة الجسد أمام عظمة الكون، لكنه في الوقت نفسه يكتشف اتساع الروح. فعمق البحر، على سعته، لا يشبه عمق الأفكار التي تتزاحم في الرأس؛ لأن الفكر الإنساني قادر على أن يغوص في أسئلة الوجود، وفي معنى الحياة، وفي قيمة الزمن، أكثر مما تغوص السفن في الأعماق. إن البحر يملك عمقًا من الماء، أمّا الإنسان فيحمل في داخله بحارًا من الذكريات، والآمال، والانكسارات، والأسئلة التي لا
ترسو على شاطئ.وفي هذا الهدوء المهيب، يعود القلب إلى طفولته الأولى؛ إلى تلك الأيام التي كان البحر فيها نافذةً للحلم، لا بوابةً للهجرة. كنا نقف على الشاطئ نراقب السفن وهي تبتعد، فنحسبها تمضي إلى بلادٍ لا تعرف الحزن، ونرسم في مخيلتنا عوالم لا تحدها الخرائط. كان البحر يومها وعدًا بالمغامرة، ولم يكن بعدُ عنوانًا للفقد، ولا طريقًا محفوفًا بالموت.
واليوم، ما زال البحر هو البحر، لكن الحكايات تبدلت. صار بالنسبة إلى كثيرين معبرًا إلى الضفة الأخرى، يحملون إليه أعمارهم على قوارب صغيرة، ويضعون أحلامهم في مواجهة الموج والريح والمجهول. ومع ذلك، فإن الحلم الحقيقي لا يكمن في عبور البحر إلى أرض أخرى، بل في أن يعبر الإنسان إلى ذاته، وأن يجد في داخله ضفةً آمنة لا تغرقها العواصف،
ووطنًا لا تقتلع جذوره الغربة.ومن قلب هذا المركب العائم، تبدو الضفة البعيدة قريبةً للعين، لكنها تظل بعيدة عن يقين الروح. فالأوطان ليست دائمًا حيث نصل، وإنما حيث تظل ذاكرتنا معلقة، وحيث يظل القلب يردد أسماء الأماكن الأولى التي شهدت خطواتنا الصغيرة وضحكاتنا الأولى. لذلك، فإن أجمل الرحلات ليست تلك التي تقطعها السفن، بل تلك التي يقطعها الإنسان بين ماضيه وحاضره، وبين ما كان يحلم به وما أصبح عليه.
إن البحر الأبيض المتوسط، الذي شهد عبر آلاف السنين حضاراتٍ وتجاراتٍ وأساطير، ما يزال شاهدًا على أن الإنسان لا يتوقف عن البحث. فمنه عبر الفاتحون، ومنه رحل التجار، وعليه هاجر الشعراء، وفي أعماقه استقرت حكايات لا تُحصى. لكنه يظل يهمس بالحقيقة نفسها: أن الطريق الطويل لا يصنع المعنى، وإنّما الذي يصنعه هو الإنسان حين يحمل في قلبه إيمانًا بالحياة، وقدرةً على تحويل الموج إلى أمل، والحنين إلى طاقة، والذكريات إلى نورٍ يرافقه كلما اتسع الأفق.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...