د. محمد الشرقاوي - أزمة الهجرة... شجرة تغطي خلفها الغابة

قبل قرابة عشرة أعوام، تناولت في إحدى محاضراتي في الرباط معضلة تآكل رأس المال السياسي بين الدولة والمجتمع، وكيف أن الخطاب الحكومي لم يعد يقنع الرأي العام، وخاصة فئات الشباب، حول الجدوى من خطط التنمية. فأضحى مشروع الهجرة من المغرب بكل السبل الممكنة، وحتى المحفوفة بالمخاطر، بمثابة البديل المنطقي بين سائر الأجيال.

كلّما اعتدّ الخطاب الرسمي بما يعتبره منجزات اقتصادية وسياسية، يعقد الأفراد مقارنات بين أوضاعهم المعيشية وأوضاع أقرانهم في المجتمع، ويخلصون إلى أنهم يعانون ما يصنف على أنه حرمان نسبي Relative Deprivation، الذي بلور فكرتَه عدد من المنظرين منهم عالم الاجتماع البريطاني والتر رونسيمان Walter Runciman الذي ركز على وجود أربعة شروط مسبقة للحرمان النسبي:
١) الشخص "أ" لا يملك الشيء "باء"
٢) الشخص "أ يعرف أشخاصًا آخرين يملكون الشيء "باء"
٣) الشخص "أ" يرغب في امتلاك الشيء "باء"
٤) الشخص "أ" يعتقد أن الحصول على الشيء "باء" أمر واقعي.

الراغبون في الهجرة يعقدون مقارنتين: إحداهما سلبية وأخرى إيجابية. مقارنة داخلية مع أقرانهم الذين ولدوا بملعقة من ذهب في أفواههم أو من ابتسم لهم الحظ بمستوى معيشي جيد. ومقارنة خارجية يتخيلون من خلالها أنهم لو كانوا في أوروبا، فسيحصلون على رواتب عالية ويحققون ذواتهم ماديا ومعنويا.

عندما يعتدّ المغرب بأنه بلدٍ الحداثة والعمران والتنمية الاقتصادية، واستضافة المونديال والمشاريع الكبرى، يحدث مفعول بوميرانغ Boomerang عندما يخلص الأفراد إلى أن أوضاعهم المعيشية أقل من المستوى الذي ينبغي أن يكون وفق معدلات الاقتصاد الكلي لدى الدولة. وهذا ما يفسر الفرق في سرديات الاحتجاج لدى جيل زي والأجيال السابقة.

هي معضلة بنيوية لم تواجهها السياسات العامة التي اتبعتها حكومات أخنوش وبن كيران والفاسي وجطو وبقية الحكومات الحزبية وحكومات التكنوقراط السابقة. ولم يبادر النموذج التنموي بتحديد آلية ناجعة لتحقيق التنمية البشرية وتمكين الفرد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...