المستشار بهاء المري - أرأيتَ أنَّ الأدب القضائي لا يسكن ساحات الجنايات وحدها؟ سردية المرافعات المدنية في أدب القضاء

قد يسبق إلى الذهن، عند الحديث عن الأدب القضائي وفن المرافعة، أن ميدانه الطبيعي هو ساحات محاكم الجنايات؛ حيث تتزاحم العواطف، وتتجسد الشخصيات، وتتصارع الروايات، ويقف المترافع بين مشهد الجريمة وصورة المجني عليه والمتهم، فيبني من الوقائع قصة قانونية تستهدف التأثير والإقناع.

غير أن هذا التصور، على ما فيه من وجاهة، لا يستوعب حقيقة الأدب القضائي في تمامه؛ فالسرد القانوني ليس حكرًا على القضايا الجنائية، ولا ترتبط قيمته بوجود الدماء أو المآسي الإنسانية، وإنما يمتد كذلك إلى ساحات القضاء المدني؛ حيث تبدو الوقائع أكثر تجريدًا، والمسائل أكثر اتصالًا بالنصوص والمراكز القانونية، ومع ذلك يظل المترافع في حاجة إلى بناء رواية قانونية تقود القاضي من الفرض الواقعي إلى الحل القضائي.

فالمرافعة المدنية، وإن غلب عليها الطابع القانوني المجرد، لا تخلو من البناء السردي؛ إذ يعيد المحامي تنظيم عناصر النزاع، وتحديد موضع الخلاف، وعرض مساره الفقهي والقضائي، حتى يغدو الحكم نتيجة منطقية لهذا البناء المتدرج. فهي لا تسرد الأشخاص ومآسيهم، وإنما تسرد تطور فكرة قانونية حتى تبلغ غايتها.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما ورد في مذكرة الأستاذ سليمان حافظ المحامي، إذ لم يعرض المسألة القانونية في صورة قاعدة مجردة، وإنما صاغها في صورة سؤال يفتح باب البحث، فقال:

"بيعانِ أحدُهما من مورِّث، والثاني من وارث عن عينٍ بذاتها، وبيعُ الوارث أسبقُ تسجيلًا، فأيُّهما أحقُّ بالتفضيل؟ وأيُّ المشتريين تملَّك؟ المشتري من المورِّث أم المشتري من الوارث؟"

فهو يبدأ من واقعة محددة، ثم يحولها إلى إشكال قانوني، ثم يقود القارئ إلى موضع الخلاف، فيقول:

"قد يُقال إن العقد الأسبق تسجيلًا هو العقد الأحق بالتفضيل، غير أن نظرية التفاضل بالتسجيل لا محل لها ما لم يكن البيعان صادرين من مالك واحد."

ثم يستعرض مراحل تطور المسألة:

"وقع خلاف فيما مضى على هذه المسألة... وتزاحمت الأحكام بين الرأيين، وانقسم الفقهاء المصريون حتى طرحت المسألة أمام محكمة النقض وأصدرت فيها حكمًا أخذ بالرأي الثاني ووضع نهاية للخلاف السابق."

وهنا تتجلى خصوصية السرد في المرافعة المدنية؛ فالمحامي لا يبني شخصية بقدر ما يبني مسألة، ولا يرتب أحداثًا زمنية بقدر ما يرتب مراحل فكرية. تبدأ الرواية بواقعة البيع، ثم تتعقد عند ظهور التعارض بين المركزين القانونيين، ثم تبلغ ذروتها عند اختلاف الفقه والقضاء، وتنتهي بالحل الذي استقر عليه قضاء النقض.

ومن ثم فإن السرد في المرافعة المدنية لا يقل شأنًا عن السرد في المرافعة الجنائية، وإن اختلفت أدواته ووسائله.

ففي المجال الجنائي تكون الشخصيات والدوافع وتسلسل الأفعال هي محور البناء، أما في المجال المدني فتكون العلاقات القانونية، والأوصاف، والمراكز المتعارضة هي عناصر الرواية. غير أن الغاية واحدة في الحالتين: إعادة تنظيم الوقائع أو الأفكار في صورة تمنحها المعنى القانوني، وتجعل الحجة أكثر وضوحًا وقدرة على الإقناع.

وهكذا يتبين أن الأدب القضائي أوسع من أن يُحصر في المرافعات الجنائية؛ فهو حاضر حيثما وجد عقل قانوني يعيد صياغة الواقع، ويرتب عناصره، ويحول القضية من ملف أوراق إلى بناء فكري متماسك يقود إلى العدالة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...