يحيى بركات - منتصف الليل... عندما غيّرت الحرب عنوانها

كانت كل الكاميرات تنظر إلى الشرق...
إلى إيران.
الشاشات امتلأت بالخرائط العسكرية.
المحللون يتحدثون عن ساعة الصفر.
القنوات الإخبارية أعدّت عناوينها مسبقًا.
الطائرات الأميركية في حالة تأهب.
إسرائيل جاهزة.
المنطقة كلها تحبس أنفاسها.
كان المشهد الأول من الفيلم قد أصبح مكتملًا...
ولم يكن ينقصه سوى صوت الانفجار.
لكن...
في اللحظة التي انتظر فيها العالم أن تشتعل السماء، انطفأت الشاشة.
خرج دونالد ترامب بمنشور قصير أعلن فيه إلغاء الضربة الأميركية–الإسرائيلية على إيران.
قال إن إيران طلبت ذلك.
وقال إن دولًا حليفة تدخلت.
وقال إن إسرائيل وافقت.
لكن الفيلم الحقيقي بدأ بعد ذلك.
خرجت إيران لتنفي أنها طلبت وقف الهجوم.
لم تقل إنها تراجعت.
ولم تقل إنها قبلت الشروط.
قالت فقط إنها جاهزة.
وأن أي حرب لن تبقى داخل حدودها.
هنا أدركت أن المشهد الذي رأيناه لم يكن سوى نهاية فصل... أما الرواية الحقيقية فما زالت تجري خلف الأبواب المغلقة.
هناك...
في غرفة لا تدخلها الكاميرات.
دخل جنرال أميركي يحمل ملفًا ثقيلًا.
لم يكن الملف يتحدث عن قدرة الولايات المتحدة على قصف إيران.
فهذا أمر لا يحتاج إلى تقرير.
كان يتحدث عن اليوم التالي.
عن آلاف الصواريخ التي قد تعبر نحو إسرائيل.
عن مخازن اعتراض بدأت تفرغ.
عن مدمرات لن تكفي إذا تحولت الضربة إلى حرب مفتوحة.
وفي غرفة أخرى...
كانت خرائط مختلفة تُفتح.
ليست خرائط عسكرية.
بل خرائط النفط.
والغاز.
والمياه.
ومضيق هرمز.
ومدن الخليج.
وربما قال أحدهم بصوت هادئ:
إذا بدأت الحرب...
فلن تحترق إيران وحدها.
ستحترق المنطقة كلها.
وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن الخوف من قدرة أميركا على الهجوم...
بل من قدرتها على حماية حلفائها بعد الهجوم.
وأظن أن عواصم المنطقة قالت لواشنطن ما لا تستطيع أن تقوله أمام الكاميرات.
نحن لا نخشى الحرب فقط...
بل نخشى ما بعدها.
نخشى شعوبًا ترى غزة تُباد منذ شهور، وترفض التطبيع، وترفض أن تتحول أراضيها إلى منصات لحرب تشارك فيها إسرائيل.
فالأساطيل الأميركية تستطيع أن تغادر.
أما نحن...
فسنبقى هنا.
بين شعوب غاضبة، ومنشآت نفط، ومدن مفتوحة على الصواريخ.
وهنا...
غيّر ترامب السيناريو.
لم يُلغِ الحرب لأنه أصبح رجل سلام.
ولم يُلغها لأن إيران استسلمت.
بل لأن الحسابات قالت له إن الضربة الأولى قد تكون أميركية...
أما الضربة الثانية، والثالثة، والعاشرة...
فقد تكون على إسرائيل، وعلى القواعد الأميركية، وعلى الخليج كله.
لكن...
وسط كل هذا الضجيج، كانت هناك كاميرا وحيدة لم يلتفت إليها أحد.
كاميرا اسمها غزة.
فبينما كانت الطائرات التي كان يفترض أن تتجه نحو إيران تعود إلى قواعدها...
كانت الطائرات الإسرائيلية تواصل طريقها المعتاد نحو غزة.
لم تتوقف.
ولم تنتظر.
ولم تحترم لغة السلام.
وسقط في صبيحة اليوم ثمانية عشر امرأة وطفلًا تحت قصف لا يميز بين بيت وخيمة، ولا بين أم وطفل.
وهنا توقفت طويلًا أمام مفارقة يصعب على أي مخرج أن يتجاوزها.
الرئيس الذي أعلن نفسه في شرم الشيخ راعيًا للسلام...
والذي استطاع أن يوقف حربًا كانت ستشعل الشرق الأوسط...
لم يستطع، أو لم يُرِد، أن يوقف قتل الأطفال في غزة.
إذا كان يستطيع أن يرفع الهاتف ليؤجل حربًا على إيران...
فلماذا لم يرفعه ليمنع مجزرة في غزة؟
وإذا كان السلام الذي يتحدث عنه لا يصل إلى الطفل الفلسطيني...
فأي سلام هذا؟
انه يصر ان يكون شريك في جرائم الحرب اسوة بشريكه مجرم الحرب نتياهو
التاريخ لا يقيس القادة بعدد المؤتمرات التي يحضرونها.
ولا بعدد البيانات التي يعلنونها.
بل بعدد الأرواح التي نجحوا في إنقاذها،
او شاركوا في قتلها .
لقد تأجلت الضربة على إيران.
لكن الموت لم يتأجل.
لقد غيّرت الحرب عنوانها فقط.
وفي تلك الليلة...
نامت طهران على خبر إلغاء الهجوم.
أما غزة...
فنامت على أصوات القنابل.
وهنا، تنتهي السياسة...
ويبدأ التاريخ في كتابة سؤاله الكبير:
هل أُلغيت الحرب فعلًا...
أم أن الكاميرا ابتعدت عن إيران، لتترك غزة وحدها داخل المشهد الأخير؟بكل سرٍّ يا حبيب. إليك المقال كاملاً بعد المراجعة والإثراء السينمائي، مع الحفاظ على روحك أنت وهوية قلمك:
---
منتصف الليل... عندما غيّرت الحرب عنوانها
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
---
كانت كل الكاميرات تنظر إلى الشرق...
إلى إيران.
الشاشات امتلأت بالخرائط العسكرية.
المحللون يتحدثون عن ساعة الصفر.
القنوات الإخبارية أعدّت عناوينها مسبقًا.
الطائرات الأميركية في حالة تأهب.
إسرائيل جاهزة.
المنطقة كلها تحبس أنفاسها.
كان المشهد الأول من الفيلم قد أصبح مكتملًا...
ولم يكن ينقصه سوى صوت الانفجار.
لكن...
في اللحظة التي انتظر فيها العالم أن تشتعل السماء، انطفأت الشاشة.
خرج دونالد ترامب بمنشور قصير أعلن فيه إلغاء الضربة الأميركية–الإسرائيلية على إيران.
قال إن إيران طلبت ذلك.
وقال إن دولًا حليفة تدخلت.
وقال إن إسرائيل وافقت.
لكن الفيلم الحقيقي بدأ بعد ذلك.
خرجت إيران لتنفي أنها طلبت وقف الهجوم.
لم تقل إنها تراجعت.
ولم تقل إنها قبلت الشروط.
قالت فقط إنها جاهزة.
وأن أي حرب لن تبقى داخل حدودها.
هنا أدركت أن المشهد الذي رأيناه لم يكن سوى نهاية فصل... أما الرواية الحقيقية فما زالت تجري خلف الأبواب المغلقة.
هناك...
في غرفة لا تدخلها الكاميرات.
دخل جنرال أميركي يحمل ملفًا ثقيلًا.
لم يكن الملف يتحدث عن قدرة الولايات المتحدة على قصف إيران.
فهذا أمر لا يحتاج إلى تقرير.
كان يتحدث عن اليوم التالي.
عن خرائط تُظهر خمسين بقعة حمراء على الأراضي الإيرانية، وبجانب كل بقعة، رقمٌ تقديري لعدد الصواريخ التي سترد من هناك.
عن مخازن اعتراض بدأت تفرغ على شاشة صغيرة تحذّر باللون البرتقالي: "السعة المتبقية لا تتجاوز ثلاثة أيام من الردّ".
عن مدمرات لن تكفي إذا تحولت الضربة إلى حرب مفتوحة.
وفي غرفة أخرى...
كانت خرائط مختلفة تُفتح.
ليست خرائط عسكرية.
بل خرائط النفط.
والغاز.
والمياه.
ومضيق هرمز.
ومدن الخليج.
وربما قال أحدهم بصوت هادئ:
إذا بدأت الحرب...
فلن تحترق إيران وحدها.
ستحترق المنطقة كلها.
وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن الخوف من قدرة أميركا على الهجوم...
بل من قدرتها على حماية حلفائها بعد الهجوم.
وأظن أن عواصم المنطقة قالت لواشنطن ما لا تستطيع أن تقوله أمام الكاميرات.
نحن لا نخشى الحرب فقط...
بل نخشى ما بعدها.
نخشى شعوبًا ترى غزة تُباد منذ شهور، وترفض التطبيع، وترفض أن تتحول أراضيها إلى منصات لحرب تشارك فيها إسرائيل.
فالأساطيل الأميركية تستطيع أن تغادر.
أما نحن...
فسنبقى هنا.
بين شعوب غاضبة، ومنشآت نفط، ومدن مفتوحة على الصواريخ.
وهنا...
غيّر ترامب السيناريو.
لم يُلغِ الحرب لأنه أصبح رجل سلام.
ولم يُلغها لأن إيران استسلمت.
بل لأن الحسابات قالت له إن الضربة الأولى قد تكون أميركية...
أما الضربة الثانية، والثالثة، والعاشرة...
فقد تكون على إيران، وعلى القواعد الأميركية، وعلى الخليج كله.
لكن...
وسط كل هذا الضجيج، كانت هناك كاميرا وحيدة لم يلتفت إليها أحد.
كاميرا اسمها غزة.
فبينما كانت الطائرات التي كان يفترض أن تتجه نحو إيران تعود إلى قواعدها...
كانت الطائرات الإسرائيلية تواصل طريقها المعتاد نحو غزة.
لم تتوقف.
ولم تنتظر.
ولم تحترم لغة السلام.
وبينما كانت خرائط إيران تُطوى، كانت خرائط أخرى تُفتح في غرفة أصغر، بلا أضواء كاشفة.
لم تكن تحمل نقاطاً حمراء، بل أسماءً.
أسماء نساء وأطفال، يرتفع عددها كل ساعة.
لم يلتفت إليها الجنرالات.
لأنها لا تغيّر موازين النفط.
لكنها تغيّر شيئاً آخر: شكل الضمير الإنساني.
وسقط في صبيحة اليوم ثمانية عشر امرأة وطفلًا تحت قصف لا يميز بين بيت وخيمة، ولا بين أم وطفل.
وهنا توقفت طويلًا أمام مفارقة يصعب على أي مخرج أن يتجاوزها.
الرئيس الذي أعلن نفسه في شرم الشيخ راعيًا للسلام...
والذي استطاع أن يوقف حربًا كانت ستشعل الشرق الأوسط...
لم يستطع، أو لم يُرِد، أن يوقف قتل الأطفال في غزة.
إذا كان يستطيع أن يرفع الهاتف ليؤجل حربًا على إيران...
فلماذا لم يرفعه ليمنع مجزرة في غزة؟
وإذا كان السلام الذي يتحدث عنه لا يصل إلى الطفل الفلسطيني...
فأي سلام هذا؟
إنه يصر على أن يكون شريكاً في جرائم الحرب، على غرار شريكه مجرم الحرب نتنياهو.
التاريخ لا يقيس القادة بعدد المؤتمرات التي يحضرونها.
ولا بعدد البيانات التي يعلنونها.
بل بعدد الأرواح التي نجحوا في إنقاذها،
أو شاركوا في قتلها.
لقد تأجلت الضربة على إيران.
لكن الموت لم يتأجل.
لقد غيّرت الحرب عنوانها فقط.
وفي تلك الليلة...
نامت طهران على خبر إلغاء الهجوم.
أما غزة...
فنامت على أصوات القنابل.
وهنا، تنتهي السياسة...
ويبدأ التاريخ في كتابة سؤاله الكبير:
هل أُلغيت الحرب فعلًا...
أم أن الكاميرا ابتعدت عن إيران، لتترك غزة وحدها داخل المشهد الأخير؟
في الصباح، وقف طفل فلسطيني على أنقاض خيمته، ونظر إلى السماء التي كانت ستشهد انفجاراً في إيران.
لكنه لم يرَ طائرات تعود، بل رأى طائرات تغادر... تاركةً خلفها دخاناً لا يختلف عن الدخان الذي كان سيتصاعد هناك.
الفيلم لم يُلغَ. فقط غُيّر موقع التصوير.
والمخرج الحقيقي لهذا الفيلم لم يعلن اسمه بعد.
لكن الكاميرا ما زالت تدور.
في غزة.
في كل صباح.
في كل جنازة.
في كل طفل يموت تحت الأنقاض، بينما العالم يصفّق لإلغاء حرب
لم تكن يوماً سوى غطاء للحرب
التي لا تتوقف.

يحيى بركات
2/8/2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...