عبد علي حسن - النقد الثقافي وموت المؤلف

تُعدّ مقولة موت المؤلف، التي ارتبطت برولان بارت ثم تعززت في بعض أطروحات التفكيك، من أكثر المقولات النقدية إثارةً للجدل وسوء الفهم في النقد المعاصر ، فقد ذهب بعض الدارسين إلى تعميمها على مختلف المناهج، حتى بدا وكأن كل مقاربة حديثة تُقصي المؤلف لصالح النص أو القارئ ، ومن هنا نشأ الالتباس في فهم علاقة النقد الثقافي بهذه المقولة، إذ ظنّ فريقٌ أنه يواصل إقصاء المؤلف، مع أن اشتغاله على الأنساق الثقافية المضمرة يجعله يعود إلى المؤلف بوصفه ذاتًا ثقافية واجتماعية تُسهم في إنتاج تلك الأنساق، لا بوصفه سلطةً تفرض المعنى النهائي للنص ، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هذه العلاقة بعيدًا عن الأحكام التعميمية ، اذ إن هذه من النقاط التي وقع فيها خلطٌ عند بعض الدارسين. فالنقد الثقافي، بخلاف النقد البنيوي الخالص، لا يستطيع أن يستغني عن المؤلف استغناءً كاملاً، لأن جزءًا من مشروعه يقوم على تتبع العلاقة بين النص ومنتجه والبيئة الثقافية التي أنتجته ، صحيح أن الناقد الثقافي لا يتعامل مع المؤلف بوصفه السلطة النهائية في تفسير النص، لكنه أيضًا لا يلغيه كما توحي القراءة الحرفية لمقولة "موت المؤلف" ، ولذلك فإن مساواة النقد الثقافي بمقولة بارت مساواة تحتاج إلى كثير من التحفظ، حتى عند عبد الله الغذامي نفسه الذي أفاد من بارت ودريدا إجرائيًا، لكنه تجاوزهما عندما جعل النسق الثقافي محور القراءة، وهو نسق لا ينفصل عن منتجه الاجتماعي والتاريخي .
لقد ظهر مفهوم «موت المؤلف» في سياق التحولات البنيوية وما بعدها بوصفه اعتراضًا على هيمنة القراءة التي تجعل من نية المؤلف المرجع النهائي لتفسير النص، وقد صاغ رولان بارت هذا المفهوم ليحرر النص من سلطة صاحبه، معلنًا أن ولادة القارئ لا تتحقق إلا بموت المؤلف، ثم جاءت التفكيكية مع جاك دريدا لتزيد من تقويض فكرة المركز والثبات، فأصبح المعنى مؤجلًا باستمرار، لا يستقر عند قصد المؤلف ولا عند بنية واحدة مغلقة ، وقد أسهمت هذه الرؤية في إحداث تحول جذري في الدراسات الأدبية، إذ انتقلت العناية من البحث عن مقاصد الكاتب إلى تحليل آليات إنتاج المعنى داخل اللغة نفسها، غير أن انتقال هذه المقولة إلى النقد الثقافي العربي أثار إشكالية معرفية تتمثل في مدى صلاحية «موت المؤلف» داخل منهج يقوم أساسًا على الكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة التي تنتجها المجتمعات عبر النصوص. فالنقد الثقافي، بخلاف البنيوية الصارمة، لا يكتفي بتحليل البنية اللغوية، وإنما يتعامل مع النص بوصفه حدثًا ثقافيًا تتداخل في إنتاجه اللغة والسلطة والتاريخ والمؤسسات الاجتماعية والوعي الجمعي، الأمر الذي يجعل إقصاء المؤلف إقصاءً كاملاً أمرًا يصعب الدفاع عنه من الناحية الإجرائية ، ذلك أن النسق المضمر لا يولد من فراغ، وإنما يتجسد من خلال ذات منتجة تشكلت داخل بيئة ثقافية معينة، حتى وإن كانت هذه الذات لا تعي جميع الأنساق التي تعيد إنتاجها ، ومن هنا فإن النقد الثقافي لا يبحث عن المؤلف بوصفه مصدرًا للحقيقة أو مرجعًا نهائيًا للتفسير، وإنما بوصفه وسيطًا ثقافيًا يحمل داخله آثار المجتمع الذي ينتمي إليه، ويعيد إنتاج قيمه وتمثلاته ورؤاه بصورة واعية أو لا واعية ، ولهذا فإن استبعاد المؤلف استبعادًا مطلقًا يؤدي إلى فقدان أحد أهم المسارات التي تمكن الناقد من تفسير تشكل النسق الثقافي، لأن النسق لا يعيش خارج الذوات التي تحمله ولا خارج السياقات التي تنتجه ، إن المؤلف في النقد الثقافي ليس فردًا معزولًا يمتلك عبقرية مستقلة عن التاريخ، بل هو نتاج شبكة معقدة من العلاقات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ولذلك فإن العودة إليه ليست عودة إلى النوايا النفسية أو الاعترافات الشخصية، وإنما هي عودة إلى موقعه داخل البنية الثقافية التي أنتجت النص. ومن هنا يمكن القول إن النقد الثقافي لم يحي المؤلف بالمعنى التقليدي، كما أنه لم يقتله بالمعنى الذي أراده بارت، وإنما أعاد تعريف وظيفته داخل العملية النقدية ، وهذا ما يفسر أن كثيرًا من الدراسات الثقافية الغربية اهتمت بالسير الذاتية والرسائل واليوميات والوثائق التاريخية لأنها تكشف عن تشكل الخطابات الثقافية، لا لأنها تمنح تفسيرًا نهائيًا للنصوص ، وإذا انتقلنا إلى المشروع النقدي لعبد الله الغذامي وجدنا أن بعض القراءات ذهبت إلى أنه تبنى مقولة موت المؤلف تبنيًا كاملاً متأثرًا ببارت ودريدا، غير أن القراءة المتأنية لمشروعه تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا ، فالغذامي بالفعل أفاد من منجزات البنيوية وما بعدها، واستثمر فكرة تحرير النص من سلطة التفسير الأحادي، لكنه عندما انتقل إلى النقد الثقافي جعل محور اهتمامه الكشف عن النسق المضمر، والنسق بطبيعته لا يمكن فصله عن الثقافة التي أنتجته، ولا عن الذوات التي تعيد إنتاجه داخل المجتمع ، ولذلك فإن الغذامي لم يكن معنياً بإلغاء المؤلف، وإنما بإلغاء سلطته التأويلية، وهذان أمران مختلفان ، فسلطة المؤلف شيء ووجوده بوصفه عنصرًا من عناصر تشكل الخطاب الثقافي شيء آخر. ، ان المؤلف في النقد الثقافي يتحول من مالك للمعنى إلى موضوع للدراسة، ومن مصدر للتفسير إلى أثر من آثار الثقافة، وبذلك يبقى حاضرًا ولكن بوظيفة جديدة تختلف عن الوظيفة التي منحها له النقد التقليدي ، وهذا التحول ينسجم مع طبيعة الدراسات الثقافية التي لا تنظر إلى الإنسان باعتباره ذاتًا مستقلة، بل بوصفه نتاجًا لخطابات متعددة تتقاطع فيها السلطة والمعرفة والإيديولوجيا ، و من ثم فإن المؤلف يصبح شاهدًا على الثقافة أكثر من كونه مفسرًا للنص، ويصبح النص شاهدًا على المؤلف والثقافة معًا ، ولعل أوضح دليل على ذلك أن الناقد الثقافي حين يحلل تمثيلات المرأة أو السلطة أو القبيلة أو الطبقة أو الدين أو المركز والهامش داخل النص، فإنه لا يستطيع أن يفصل هذه التمثيلات عن موقع المؤلف الاجتماعي والثقافي، لأن هذا الموقع يفسر كيفية تشكل الخطاب، وإن لم يكن وحده المسؤول عن معناه ، ولهذا فإن العلاقة بين النص والمؤلف في النقد الثقافي علاقة جدلية وليست علاقة تبعية؛ فالنص يكشف المؤلف كما يكشف المجتمع، والمؤلف يكشف الثقافة بقدر ما تكشفه الثقافة نفسها، كما أن مفهوم النسق المضمر نفسه يفترض وجود حامل اجتماعي يعيد إنتاجه، وهذا الحامل قد يكون فردًا أو مؤسسة أو جماعة، لكنه لا يختفي تمامًا من المشهد النقدي ، ومن هنا فإن استدعاء المؤلف لا يناقض جوهر النقد الثقافي ما دام لا يتحول إلى مرجعية تفسيرية مطلقة ، إن الخطأ الذي وقعت فيه بعض القراءات العربية هو أنها نقلت شعار «موت المؤلف» من سياقه الفلسفي إلى النقد الثقافي دون الانتباه إلى اختلاف الأسئلة التي يطرحها كل منهج ، فبارت كان يواجه النقد البيوغرافي الذي يجعل المؤلف مفتاحاً للنص، بينما كان النقد الثقافي يبحث عن آليات اشتغال السلطة داخل الخطابات، وهي آليات تستدعي تحليل الذوات المنتجة بوصفها جزءًا من البنية الثقافية ، ولذلك فإن العلاقة بين النقد الثقافي وموت المؤلف ليست علاقة تبنٍ كامل ولا علاقة رفض كامل، وإنما علاقة إعادة صياغة لمفهوم المؤلف نفسه ، لقد مات المؤلف بوصفه سلطة تفسيرية، لكنه بقي حاضرًا بوصفه فاعلًا ثقافيًا، ومات بوصفه مالكًا للمعنى، لكنه ظل شاهدًا على الأنساق التي يتداولها المجتمع ، وهذه الصيغة الوسطى هي الأقرب إلى منطق النقد الثقافي وإلى تطبيقاته العملية، لأنها تتيح للناقد أن يحلل النص داخل شبكته الثقافية دون أن يقع في أسر النوايا الذاتية، وفي الوقت نفسه تمنعه من التعامل مع النص بوصفه بنية لغوية معلقة في الفراغ .
إن النسق الثقافي لا يعيش في الكلمات وحدها، بل يعيش أيضًا في الذوات التي تنطق بها، وفي المؤسسات التي تمنحها الشرعية، وفي التاريخ الذي يمدها بمرجعياتها، ومن ثم فإن المؤلف ليس غائبًا عن النقد الثقافي، وإنما تغير موقعه ووظيفته. لذلك يمكن القول إن النقد الثقافي لم يتبنَّ مقولة موت المؤلف إلا في حدود إسقاط سلطته الاحتكارية على المعنى، أما بوصفه حاملًا للأنساق الثقافية ونتاجًا لها، فإنه يظل حاضرًا في قلب القراءة الثقافية، لأن الكشف عن المضمر يقتضي دراسة الشروط التي أنتجته، وفي مقدمتها الذات المنتجة بوصفها جزءًا من شبكة الثقافة لا خارجًا عنها، وبذلك فإن المقولة الأدق ليست «موت المؤلف» في النقد الثقافي، وإنما «تحول وظيفة المؤلف» من مصدر للمعنى إلى موضوع للتحليل الثقافي، وهو تحول يحفظ للنقد الثقافي خصوصيته المنهجية ويجنبه الوقوع في التناقض بين إقصاء المؤلف من جهة واعتماد الأنساق التي لا يمكن فهمها إلا عبر شروط إنتاجها من جهة أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...