عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

يوم الأحد في المكتبة يحمل حيرة خاصة ، فكأن أبوابها انفتحت على حين غفلة من القراء، أو لعلهم آثروا أن يجعلوا من العطلة الأسبوعية موعدا للراحة والاستجمام، بعيدا عن المدينة وأسوارها وضجيجها ، وربما كانت أيام العمل ، بما تتيحه من مرور عابر في قلب المدينة، فرصة سانحة لضرب عصفورين بحجر واحد: قضاء المصالح، ثم المرور على المكتبة في الطريق.
مساء البارحة دخل إلى المكتبة بعض الزوار فرادى وزرافات، على عجل، كأن الزمن يركض خلفهم أو يركضون خلفه ؛ بعضهم يجوب الأروقة بفضول من يكتشف للمرة الأولى دهاليز الرفوف، يلامس الكتب بنظراته قبل أن تمتد إليها يداه، ويطرح السؤال على استحياء، كأنما يخشى أن يوقظ صمت الورق ؛ وآخرون يقصدونها وفي ذاكرتهم عناوين بعينها، يسألون عنها، ثم يؤجلون موعد اللقاء بها إلى يوم آخر، وكأن الكتب تعرف كيف تنتظر أصحابها دون أن تعاتبهم.
وفي جناح الروايات ، قارئتان تائهتان بين العناوين، تبحثان عن أعمال أدبية سلسة وعذبة، بعد أن ضاقتا ذرعا بروايات كُتبت بالإنجليزية والفرنسية، وكأنهما تفتشان عن لغة لا تُقرأ بالحروف وحدها، بل تُقرأ بالقلب أيضا ، فعرضتُ عليها بعض الاختيارات ، لكن لم ترق لهما البتة ؛ قارئة أخرى جاءت صحبة عائلة مكونة من خمسة أفراد ، يبدو أنها متيمة بالروائية إليف شافاك ، فسألت عن روايتها " حليب أسود الكتابة والأمومة والحريم" وعندما لم تظفر بها صاحت في وجهي أغلقوا هذه المكتبة إذا !!..
غادرت تلك القارئة غاضبة، وبقيتُ أحدق في الرف الذي كان ينبغي أن يحتضن ذلك الكتاب ، كأن صاحب المكتبة يُحاسَب أحيانا على ما ينقصه أكثر مما يملكه ؛ ومع ذلك، تبقى المكتبة كالبحر؛ لا يلومها أحد لأنها لم تمنح كل صياد السمكة التي اشتهى، فما يزال في أعماقها ما يستحق رحلة أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...