يعود الشاعر والكاتب المغربي جمال أماش إلى فضاء الكتابة كما لو أنه يعبر من تخوم التجربة إلى تخوم الكشف، لا بوصفه عائدًا من رحلة، بل كمن أعاد ترتيب الزمن في داخله، محمّلًا بما يسميه هنري برغسون “الديمومة” التي لا تُقاس بالساعات، بل بكثافة الإحساس وتراكم الوعي، حيث لا يصبح الشعر أثرًا للزمن، بل شكلاً من أشكال مقاومته، أو بالأحرى إعادة صياغته في أفق يتجاوز التتابع نحو الامتلاء.
في نصوصه الجديدة، كما في كتابيه "ليس في مكان" و"الخطوة المنسية"، يبدو الشاعر جمال أماش كما لو أنه لا يكتب المكان بقدر ما يكتب انزياحه. ذلك أن "اللامكان" عنده ليس فراغًا، بل أفقًا دلاليًا، يذكّر بما صاغه مارك أوجيه حول فضاءات العبور التي تفقد هويتها لتكتسب كثافة رمزية جديدة. غير أن أماش لا يقف عند توصيف هذا الفراغ، بل يملؤه بحدوسٍ تتوهج بنارٍ صوفية، حيث اللغة لا تعود أداة وصف، بل وسيلة عبور إلى ما يسميه مارتن هايدغر "انكشاف الكينونة" في لحظة القول الشعري.
إن هذا الانصهار بين الحس الصوفي والعقل التأملي يضع نصوصه في تماسّ مع تقاليد فكرية عميقة، من محيي الدين بن عربي الذي رأى في الوجود تجليًا لا نهائيًا للمعنى، إلى غاستون باشلار الذي جعل من الخيال مادةً لإعادة بناء العالم في صورٍ حميمية تتجاوز الواقع المادي. فالنص عند أماش لا يُقرأ من سطحه، بل من طبقاته التي تتوالد فيها الأسئلة، حيث يتراجع الوضوح لصالح ما يمكن تسميته بـ"شفافية الغموض".
وحين نتأمل "الخطوة المنسية"، ندرك أن النسيان هنا ليس نقصًا في الذاكرة، بل شرطًا للمعرفة، على نحو ما لمح إليه فريدريك نيتشه حين اعتبر أن النسيان قوة خلاقة، تتيح للذات أن تتحرر من أثقال الماضي لتعيد ابتكار نفسها. هكذا تتحول "الخطوة" إلى استعارة وجودية، لا تفصل بين الحضور والغياب، بل تجعلهما يتداخلان في حركة واحدة، حيث كل تقدم هو في الآن ذاته فقدٌ واستعادة.
أما "ليس في مكان"، فهو انزياح عن يقين التموقع، واقتراب من تلك الحالة التي وصفها جاك دريدا بتأجيل المعنى، حيث لا يستقر الدال في مدلول نهائي، بل يظل مفتوحًا على اختلاف لا ينتهي. من هنا، تنبثق نصوص أماش كأنها كتابة على حافة المعنى، لا تسعى إلى القبض عليه، بل إلى تعميق أثره.
لقد بدا لي، وأنا أتصفح هذه الأعمال، أنني لا أقرأ نصوصًا بقدر ما أنخرط في تجربة كشف، حيث تتشقق اللغة لتُظهر ما وراءها، وتتحول القراءة إلى نوع من "الحداقة الوجودية" التي ترفع الحجاب عن طبقات الصمت. وهو ما يجعل الكتابة عند جمال أماش أقرب إلى تمرين على الإنصات لما لا يُقال، أكثر منها قولًا مكتملًا.
إن نصوص الشاعر جمال أماش لا تنتمي إلى يقين المعنى، بل إلى قلقه الخلّاق؛ ذاك القلق الذي يجعل الشعر، كما يرى بول ريكور، أفقًا لإعادة تأويل الذات والعالم معًا، حيث يغدو العبور انتقالًا بين ضفتين، أو إقامة دائمة في المسافة بينهما، حيث يتكوّن المعنى كأثر دامغ وحضور مكتمل.
إن عودة الشاعر المغربي جمال أماش إلى شكل الكتابة المجزأة، أو ما يمكن تسميته بـ"شذريات القول"، ليست مجرد اختيار جمالي أو تقنية أسلوبية، بل هي في عمقها، انحياز وجودي إلى حكمة التقطّع في مواجهة وهم الكلّ المكتمل.
إنها عودة من التجربة إلى الوعي، ومن السرد المتصل إلى ومضات المعنى، حيث لا يعود الشعر بناءً خطيًّا، بل "هندسة للانقطاع" تُعيد ترتيب الزمن الداخلي للذات.
يمكنني استدعاء ما يشبه حسّ بليز باسكال، حين رأى في الإنسان "قصبة مفكرة" هشّة أمام لا نهائية الكون، فالشذرة، ليست نقصًا في القول بل اعترافٌ بحدود الامتلاء. وفي هذا السياق، يضيء باسكال في الأفكار شكلًا من الكتابة التي لم تكتمل لا لقصور، بل لأن الفكر ذاته لا يكتمل إلا وهو في حالة اهتزاز دائم. وهذا ما يجعل الشذرة أقرب إلى "فعل تفكير حيّ" منها إلى نص مغلق.
كما يمكن استحضار نيتشه الذي جعل من الشذرة أسلوبا فلسفيا مضادا للنظام الكلي المغلق، إذ لم يكن يكتب ليبني نسقا، بل ليحدث صدمات معرفية، على نحو يجعل الفكر نفسه تجربة قوة لا بناءً نهائيا.
في هذا الأفق، تصبح شذريات جمال أماش انخراطا ضمن تقليد يرى في التقطيع مقاومةً للخطاب الكلي، واحتفاءً بومضات الحقيقة وهي تتكشف ثم تنسحب. وأذكر هنا أن لا برويير، قد جعل من "الشخصيات" مختبرا أخلاقيا ولغويا، حيث الإيجاز لا يختزل العالم بل يكثّفه حتى حدّ التوتر. غير أن هذا الإيجاز ذاته، كما يقول كينيار، يحمل خطر الاستنزاف، فكلما تكاثرت الشذرات، ازداد العبء التأويلي على القارئ، كأن النص يدفعه إلى الدوار بدل الاطمئنان.
*الكنغر والأثر المنسي: ميتافيزيقا الكائن المعلّق بين الصمت والغياب:
في مفتتح نص "الخطوة المنسية" لجمال أماش، يقدّم "الكنغر"، هذا الحيوان الأيقوني اللافت، بوصفه علامة سردية/أنطولوجية تنفتح على سؤال الأثر، أي على ما تبقّى من الوجود بعد أن يتراجع إلى حافة التلاشي. إن "أثره الثاوي" لا يُحيل إلى حضور مكتمل، بل إلى ما يشبه ما يسميه جاك دريدا بـالأثر (Trace): ذلك الحضور الذي لا يكتمل إلا بغيابه، والذي لا يُدرك إلا بوصفه انمحاءً دائمًا في بنية المعنى ذاته.
إن كنغر أماش هو كائن يتقدّم داخل نصّ هادر يبرق ك“ذات مُنزاحة"، تحاول أن تدحض "علامات النفوق إلى المصير المجهول" عبر اقتصاد رمزي قائم على الصمت. غير أن هذا الصمت ليس فراغًا سالبًا، بل ما يشبه "المجال الإشاري الكثيف" الذي تحدث عنه موريس بلانشو، حيث اللغة لا تقول بقدر ما تُحيل إلى ما يستعصي على القول. ومن ثمّ فإن "الصمت" هنا ليس انسحابًا من العالم، بل طريقة للإنصات إلى خرابه، كما لو أن الوجود ذاته لا يُفهم إلا من جهته المظلمة.
إن عبارة "الإنصات للخراب على اليسار" تقيم توترًا دلاليًا بين الجغرافيا والأنطولوجيا؛ فاليسار ليس جهة هندسية بل موقع للانكسار، للمنسيّ، لما يقع خارج مركز المعنى. وهنا يمكن استدعاء ميشيل فوكو حين تحدّث عن "أرشيف الصمت" باعتبار ما يُقصى من أنظمة الخطاب، لكنه يظل فاعلًا في تشكيلها من الهامش. إن الكنغر، في هذا السياق، يتحول إلى كائن أرشيفيّ، يحمل آثار ما تمّ إقصاؤه من سرديات الحياة. أما "القفزة الطولية مخافة إزعاج الموتى"، فهي ليست حركة فيزيائية بقدر ما هي استعارة وجودية عن توتر العلاقة مع الغياب. وأستحضر هنا مارتن هايدغر، حين جعل من الوجود، نحو الموت، شرطا لفهم الكينونة بوصفها انفتاحًا على الفناء لا هروبًا منه. فالقفزة ليست نجاة، بل إعادة ترتيب للعلاقة مع الموت بوصفه أفقًا دائم الحضور.
وفي عبارة "نزول من الدرج برصيد فارغ"، يتكثف منطق العجز الأنطولوجي الذي يذكّر بما يسميه إيمانويل ليفيناس بـ"الفقر الجوهري للذات أمام الآخر والوجود"؛ إذ لا يحمل الكائن سوى فراغه الخاص، وكأن الحركة نفسها لا تُنتج رصيدا من المعنى بل تستهلكه.
أما "الشيزوفرينيا حتى التلف"، فهي لا تُقرأ هنا طبيا، بل بوصفها تفككًا في وحدة الذات، قريبا مما اشتغل عليه جيل دولوز وفيليكس غواتاري في مفهوم "التشظي" داخل ألف هضبة، حيث الذات ليست مركزا بل شبكة من التدفقات المتكسرة.
إن عنوان "أسماك ينثرها الفراغ" يضعنا أمام مفارقة شعرية/ميتافيزيقية: الأسماك، كرموز للحياة المائية والانسياب، تُنثر في الفراغ، أي في وسط غير قابل للعيش. وأعجبتني رؤية لغاستون باشلار، الذي رأى في الماء عنصرا للذاكرة والخيال، لكن النص يقلب هذا الأفق ليجعل من الماء نفسه كائنا مُهجّرًا من وسطه الطبيعي. إن الفراغ لا يعود عدمًا، بل فاعلًا ينتج كائناته الخاصة، كما لو أنه ما يسميه نيتشه بـ"العدم الفعّال" الذي لا ينفي الوجود بل يعيد تشكيله في صورة متصدعة. وتصبح "الأسماك الطاردة، المشوبة بالتشرذم والضياع" صورة لكائنات فقدت انتظامها الأنطولوجي، وهو ما يقترب من رؤية والتر بنيامين للحداثة بوصفها حطاما متراكما من المعنى، حيث لا يبقى من التجربة سوى شذرات تتوزع بين الكارثة والتأويل.
أما خاتمة المشهد، حيث "ينثرها الفراغ وصية لبحار جديد يبتسم"، فهي تفتح أفقا تأويليا قريبا من تصور بول ريكور للرمز بوصفه ما "يقول أكثر مما يقول"، إذ لا تنتهي الدلالة عند الخراب، بل تعيد إنتاج وعدٍ خفيّ بالولادة. غير أن هذه الولادة ليست خلاصا بسيطا، بل ما يشبه عودة الحياة من داخل انكسارها، حيث يطل "البحار الجديد" من "بطن أمه" كما لو أن البداية نفسها لا تنفصل عن النهاية، في حركة دائرية تُذكّر بهيراقليطس: الصيرورة لا تهدأ، والوجود لا يستقر.
يشتغل نص جمال أماش إذن، بوصفه كتابة حدّية بين الحياة والفراغ، بين الأثر والمحو، بين الصمت والكلام، حيث تتحول الكائنات (الكنغر، الأسماك، البحار) إلى علامات فلسفية تعيد مساءلة معنى الوجود ذاته. ليس لكونه علامة على حضور مكتمل، بل كأثر منسي لا يكفّ عن القفز داخل الفراغ.
ألا يمكن هنا أن نطرح هذا الكمون المتيقظ في التوتر الجوهري من داخل الكتابة المجزأة، وفق العتبة الأولى للنص الشعري "الخطوة المنسية" ، كونها تمنح كثافة المعنى بقدر ما تسلب يقين القراءة. فعندما نستعيد هيراقليطس في شذراته الباقية، فإننا أمام فلسفة تُكتب في الحافة: "لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين". بينما عند أماش، يمكننا التخفي خلف القدمين الباردتين حذو النهر البارد؟. الشذرة في هذا البعد الأسطوري، هي بالأساس تعبير عن طبيعة الوجود نفسه بوصفه صيرورة متكسّرة لا تستقر. وهو ما يجعل من تجربة جمال أماش امتدادا شعريا لهذا الإدراك: العالم لا يُروى، بل يُلمَح.
وفي أفق أكثر حداثة، يقدّم فرانسيس بونج تصورا لهذا النوع من الشذرة ، كونها "عينة من نسيج العالم"، حيث لا يُكتب الشيء بوصفه فكرة، بل بوصفه أثرًا ماديًا متحوّلًا. كما تشير سيلفي باليسترا-بويش، فإن الكتابة المجزأة ليست خيارا شكليا، بل طريقة وحيدة للاقتراب من تعددية الواقع، ومن تعدد وجهات النظر التي لا تسمح بتشكيل خطاب واحد مكتمل. فالراسخ عندي، أن فهم "الخطوة المنسية" عند جمال أماش بوصفها لحظة توازن بين التجربة الصوفية والوعي الحداثي بالانكسار: اكتمالٌ لا يقوم على الامتلاء، بل على الاعتراف بالفراغ المنتج. فالشذرة هنا ليست بقايا معنى، بل طريقة في التفكير، حيث يصبح الشعر أقرب إلى أثرٍ يتكوّن في لحظة ارتقاء ثم يتبدد، تاركًا خلفه سؤال الصيرورة مفتوحًا على لا نهائية التأويل.
*النهر المتوحش: مجازفة العبور إلى الشعر:
في “الخطوة المنسية” يفتح الشاعر جمال أماش قصيدةً كوّةً في جدار الرؤية، كأنّه يذكّرنا بأنّ العين ليست أداة إبصار فحسب، بل امتحان وجود. فالرؤية، حين تُؤخذ في معناها العميق، ليست التقاطاً للصورة، بل انكشافاً لما يتوارى خلفها. لذلك يبدو نصّه “من رآك فقد رآني” وكأنّه يعيد ترتيب العلاقة بين المرئي واللامرئي، بين ما يُحكى وما يتعذّر أن يُقال.
إن أماش لا يبدأ من الشعر، بل من حافة الحكاية؛ من “الحلم بعودة المتوى”، من أولئك الذين كانوا في عطلة، وكأنّ الغياب ذاته شرطُ الحضور. البداية سردٌ يتخفّى، والنهاية شعرٌ يتجلّى. وفي المسافة بينهما تتكثف أسئلة الرؤية: هل الحكاية حنين؟ أم هي بحثٌ عن نغمة ضائعة في زمنية تتفلّت من القبض؟ هل القصة شكلٌ يُحتمل، أم إيقاعٌ يُرتجى؟.
يضعنا الشاعر أمام مأزق اللامرئي الحسي: ما نراه ولا نراه في آن. يذكّرنا بقول ابن عربي: “الكون كلّه خيال، وهو حقّ في الحقيقة”، وكأنّ الرؤية ليست ثقةً في العين، بل ارتيابٌ فيها. فـ“من رآك فقد رآني” هي في العمق إعلان وحدة في الأفق، حيث تتداخل الذوات كما تتداخل المرايا، فيصير النظر تبادلاً للأنوار لا تبادلاً للصور.
في “الخطوة المنسية” يتقدّم الشعر خطوةً إلى الوراء كي يفسح المجال للحكاية، ثم يعود في النهاية كأنه الكشف الأخير، وكأننا نستحضر ما قاله النفّري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. إذ الشاعر، وهو يقترب من المعنى، يدرك أنّ اللغة تضيق، وأنّ الحكي، مهما طال، ليس سوى أثرٍ للغائب. لذلك يتأرجح النص بين فتنة الشعر المرئي، الذي يتملّك قارئه ويأسره، وبين نزق الوجود الذي لا يُختزل في شكل.
إن سيرة الشاعر ، نفسها، تُعلن تمرّدها على الخطّية. “ليس مهما أن أكتب السيرة. إنها تسبقني.” هنا نلمح أثراً من نيتشه وهو يقول: “كن ما أنت.” فالسيرة ليست حدثاً يُدوّن، بل قدرٌ يُعاش. والزمن ليس إطاراً خارجياً، بل طبقة من التجربة. ما يُكتب قد لا يهتم به أحد، لكن الكتابة ليست طلب اعتراف؛ إنها محاولة لترويض الصمت، أو على الأقلّ لمجالسته. كلّ مرة يبدأ من جديد. لا خيط ضائع في مقهى، ولا مخطوطات تنتظر من يعثر عليها. البداية ليست مشروع خلود، بل تمرين حضور. تتخذ الكتابة طابعاً صوفياً: هي سلوكٌ لا إنجاز، مسارٌ لا نتيجة. وكأنّ الشاعر يهمس بما قاله الحلاج: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا”، ليؤكد أن التماهي بين الرائي والمرئي ليس استعارة، بل تجربة وجود. أٍى أن “الخطوة المنسية” ليست نصاً عن الرؤية فقط، بل عن هشاشتها أيضاً. عن تلك اللحظة التي ندرك فيها أن ما نبحث عنه لا يُرى بالعين، بل يُستشعر بالقلب، حيث يصبح الشعر خاتمة الحكي، لا لأنه نهاية، بل لأنه الأفق الذي تتلاشى فيه الحدود بين القصة والرؤيا، بين السيرة والوجود، بين المرئي والسرّ الذي يفيض عنه.
إنه شعر يمشي على تخوم الكشف، حيث كلّ بداية نسيان، وكلّ نسيان خطوةٌ نحو معنى لا يُمتلك، بل يُعاش. حين يصمت الكاتب، صائد الكلمات، لا يكون الصمت فراغاً، بل امتلاءً يفيض عن حدِّ العبارة. إنّه صمتٌ يتقدّم على اللغة كما يتقدّم الليلُ على الفجر، حاملاً في أحشائه ما لا يُرى.
هناك، في هذا الامتداد السكوني، تتخلّق صور الانبجاس؛ لا كأحداثٍ عابرة، بل كحالاتٍ تتكاثر في ذاكرة القادم، كأنّها استعاراتٌ قديمة تستيقظ في هيئةٍ جديدة. وكأنّ الصمت، كما يقول النفّري، “موقفٌ إذا نطقتَ عنه انحرف”، لذلك يختار الشاعر أن يتركه يتكلم عبر الشذرات. الطريق إلى الشعر ليست ممشىً معبّداً، بل مجرى نهرٍ متوحّش. من يدخلها لا يعرف إن كان يجيد السباحة ضد تياراتها.
الشعر اختيارٌ يشبه المجازفة، أو كما لمح هيراقليطس: “لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين”. فالنهر يتبدّل، والسابح يتبدّل، والقصيدة نفسها لا تعود كما كانت. لذلك يصبح الكاتب قارئاً لصمته، يصغي إلى ما يصرخ به الواقع، ويؤجّل الإجابة إلى “الوقت الميت”، ذاك الذي أفرد له صاحب “الخطوة المنسية” شذراتٍ كأنّها مرايا مؤجلة. “ثمة أسرة تخفي الكثير من الأسرار. وحدها النوافذ تحتفظ في زجاجها أنفاساً وعيوناً لا ترى بعيداً.” فليست الأسرٌة هنا بنية اجتماعية فحسب، بل استعارة لبيت الوجود. النوافذ—كما عند باشلار—ذاكرةٌ شفافة؛ تخزّن أنفاس القاطنين، لكنها لا تمنحهم أفقاً. الرؤية محدودة، واليقين مؤجَّل. “ليس ثمة يقين. هناك حقائق تقطر مع الزمن، من صنبور صدئ بقذى اليأس.” كأنّ الحقيقة لا تنزل صافياً من سماء الميتافيزيقا، بل تتسرّب من معدنٍ أصابه الصدأ؛ بطيئة، موجعة، محمّلة بشوائب الانتظار. الميتافيزيقا، في هذا الأفق، تتراجع كلما ارتفع محرار الرومانسية.
الحبّ لا يعود دافعاً للمناجاة، بل سؤالاً معلّقاً في سقف الشك. وهنا يتقاطع الشاعر مع كيركغارد الذي رأى أن القلق هو أعمق أشكال الوعي. فالعاصفة الشكية ليست انهياراً، بل امتحاناً للمعنى. غير أنّ الامتحان يكشف هشاشة العودة إلى “قيم الحضارة البدائية”، حيث يتخلّى الإنسان عن جدل اللذة والألم، ليخترع مهنًا جديدة تداوي فزعه: علم نفس الأوبئة، إدارة الذعر، هندسة العزلة. كأنّ الحضارة، وقد بلغت ذروة أدواتها، انكشفت في عقمٍ فاحش. الكهوف والأدغال وقمم الجبال تبدو أرحم من مدنٍ تفرز التعقيم بدل الحنان. تختفي المحبّة خلف رشاشات تطهير الحياة، ويغدو الإنسان كائناً يخاف أن يلمس ظلّه.
يتساءل الشاعر: هل كان هيراقليطس سيقلق لو استيقظ على هذا المشهد؟ نحن نتحرك في مكاننا، كما لو أنّ الزمن يدور بلا وجهة. “لا شيء أصبح ينعم بالحركة، ومنحنى الخيبات يرسم صعوداً قياسياً لأعمدة الحزن.” الطريق إليك متصلّبة، يقول الشاعر، ولا رغبة في مصافحة أحد. فالقطيعة إحساسٌ بأنّ الأيدي فقدت حرارتها. إذ المصافحة التي كانت اعترافاً متبادلاً بالوجود صارت مجازفةً بيولوجية. فتتجلّى مأساة المعنى: أن تمتدّ العدوى من “ووهان” إلى “يونان”، لا كجغرافيا، بل كاستعارة لانتشار القلق في كل حقوق الدلالة. الأشباح تلعب أدوارها وراء ستار العراة؛ الحياة تُدار بأنفاسٍ تراوغ الموت، لا تواجهه. غير أنّ الشعر، في قلب هذه العتمة، لا يكتفي بالرثاء. إنّه يسائل الحركة والسكون معاً. فإذا كان “لا شيء ينعم بالحركة”، فربما لأنّ الحركة فقدت غايتها. هنا يعود الصمت بوصفه مقاومةً خفيّة؛ مقاومةً لابتذال المعنى، لا لغيابه. وكأنّ الكاتب، في صمته، يذكّرنا بقول ابن عربي: “العدم عين الوجود في عين الشهود.” فحتى في ذروة العقم، ثمة بذرةٌ تتكوّن في الخفاء. إنّ الانبجاس الفلسفي الذي ينسجه الشاعر ليس هروباً إلى التجريد، بل عودةٌ إلى سؤال الأصل: ماذا يبقى من الإنسان حين تتعرّى الحضارة من يقينها؟ ربما يبقى ذاك الارتعاش الخفيف بين الكلمة وصمتها، بين الرؤية وعمائها. هناك، في تلك المسافة الدقيقة، يولد الشعر، لا ليعالج الوباء، بل ليحفظ للروح حقّها في أن تتأمّل، حتى وهي تمشي فوق حافة المأساة.
*أقنوم الغياب وأخلاق الكتابة:
حين تقول بونج دات إنّ الكتابة المُجزّأة قد تكون الشكل الوحيد الممكن لكتابة العالم، فهي لا تدافع عن تقنية أسلوبية بقدر ما تكشف عن أنطولوجيا للمعنى. فالعالم، كما تبيّن الفيزياء الذرية، ليس كتلةً مصمتة، بل توتّر بين جسيمات واحتمالات، بين حضورٍ وانفلات. وكذلك هو في الأخلاق التأملية، لا يُعطى دفعةً واحدة، بل يُلتقط في شذرات، في ومضات، في “عينات” من نسيجٍ كونيّ يتمنّع عن الاكتمال. وفي ذلك التقائية منسابة بين الكتابة والفلسفة. فـفريدريش نيتشه كان يرى أن الشذرة ليست نقصاً، بل شجاعة في مواجهة الكلّ المزيّف؛ وأن الحقيقة لا تُقال في نسقٍ مغلق، بل في شظايا تُصيب هدفها وتنسحب.
وكذلك والتر بنيامين، الذي رأى في “المقتطف” و“الأثر” طريقةً لإنقاذ المعنى من سرديات الهيمنة. إنّ التجزئة ليست تهشيماً، بل اعترافٌ بأن الكلّ لم يعد ممكناً. بهذا المعنى، تصير الكتابة تجربة تعدّد في وجهات النظر؛ استعاراتٍ متمرّدة تتحدّى مركزية الرؤية الواحدة. إنها كتابة تُعيد صياغة العالم لا عبر امتلاكه، بل عبر خلخلته. وهنا نستحضر جاك دريدا الذي علّمنا أن المعنى مؤجَّل دائماً، وأن النصّ فضاءُ اختلاف لا يستقرّ على يقين. فالكتابة لا تعكس العالم، بل تُنتجه بوصفه أثراً، بوصفه انزياحاً دائماً عن الأصل.
هذا الانزياح هو ما يلتقطه أماش أيضاً، لكن بلغة العشق. إنه لا يكتفي بتفكيك العالم، بل يعيد تركيبه على “مقصلة الشيرازي”، حيث البرهان يتحوّل إلى وجد. يمكن أن نستدعي هنا صدر الدين الشيرازي الذي جعل من العشق حركةً وجودية، ومن الوجود تشكّلاً دائماً في مراتب النور. ففي العشق ينتفي الزمن، لأن الزمن، كما يقول مارتن هايدغر، هو أفق الكينونة، فإذا تجاوزته التجربة، صارت لحظةً مكثّفةً خارج القياس. “في العشق تستحق الحياة أن تُعاش بدون عناء.”، هذه العبارة الوجدانية تسجل موقفا أنطولوجيا دافقا. فالعشق كشف، أو ما يسميه ابن عربي “عين الجمع”، حيث يتوحّد الرائي والمرئي، ويغدو الغياب حضوراً مقلوباً. لذلك يتلوّى نزق الغياب في تأنيثٍ يتكلم المعجزات؛ أما التأنيث فليس جنساً، بل خصوبة وجودية، كما عند جوليا كريستيفا التي رأت في “الأمومي” طاقةً رمزية تتجاوز البيولوجيا. الأمّ التي “تغزل الغياب على نولها” هي استعارة للكتابة نفسها. إذ النسيج، كما عند رولان بارت، هو تعدّد الخيوط التي لا تعود إلى أصلٍ واحد.
الصوف ذريعة النسيج، والعشق خيطٌ مترحّل في الأغاني الملحونية والسماع؛ أي في ذاكرة جماعية تحفظ المعنى عبر الإنشاد لا عبر البرهان. غير أنّ هذا العشق لا يبقى في حدود الجماليات، بل يتطوّر إلى نجاة ميتافيزيقية. يصير “بصيرة للأعمى”، على نحو ما عبّر أفلوطين عن الرؤية الداخلية التي تتجاوز الحواس.
“لا أرى إلا بك” هي إعلان وحدة إدراكية، حيث الآخر يصبح شرط الرؤية، كما أنّ المرآة شرط معرفة الوجه. كما يتجلّى البعد الأعمق، كون الكتابة المجزأة والعشق الميتافيزيقي يلتقيان في نقطة واحدة، في الاعتراف بأن الحقيقة لا تُمتلك، بل تُعاش. بينما العالم، سواء قُرئ في مختبر الذرّة أو في محراب التأمل، لا ينكشف إلا في ومضات. والكتابة، حين تقبل هشاشتها، تتحوّل إلى بصيرة؛ لا تعالج العمى، بل تمنحه معنى.
هكذا يغدو النصّ فعلاً وجودياً: شذرةً تقاوم الاكتمال، وعشقاً يقاوم الزمن. وفي المسافة بينهما، يتكوّن أفقٌ جديد للرؤية—حيث لا نرى العالم كما هو، بل كما ينفتح فينا، وكما نغزله نحن على نول الغياب، خيطاً بعد خيط.
وفي الهزيع الأخير من الرحلة الشعرية، حيث تتخفف اللغة من يقينها وتشرع في الإصغاء إلى صدى خطاها المنسية، يبدو الشاعر وكأنه لا يكتب الأمكنة بقدر ما يسمح للأمكنة أن تكتب سيرته الخفية. فالأمكنة هنا ليست مجرد فضاءات جغرافية أو محطات عابرة في سرد الذاكرة، بل هي، بتعبير الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، "مستودعات للكينونة"، تحتفظ بما يتسرب من الذات أكثر مما تحتفظ بما يمر عبرها من وقائع وأحداث.
لذلك، حين يبلغ الشاعر تخوم "الكأس ما قبل الأخيرة"، لا يعلن نهاية المسار، بل يدشن بداية أخرى داخل متاهة الزمن. فالنهاية، كما علمنا بول ريكور، ليست سوى شكل من أشكال إعادة ترتيب الحكاية، وليست إغلاقاً نهائياً للمعنى. ومن هنا تأتي دلالة هذا الإصرار على أن "يبدأ من جديد"، لأن الشعر الحقيقي لا يعرف النهايات بقدر ما يعرف التحولات؛ إنه فن العودة الدائمة إلى الجرح الأول، إلى الطفولة التي لا تكف عن الهروب، وإلى الأمانة التي لا يستطيع الشاعر خيانتها حتى لو أراد.
في "مقهى القطار" يبدو الفضاء كاستعارة وجودية لذلك التوتر الدائم بين الرحيل والإقامة، بين ما نتركه خلفنا وما يواصل الإقامة فينا. وكأن الشاعر يعيد إنتاج ما سماه فالتر بنيامين "حزن الأمكنة الحديثة"، تلك الأمكنة التي لا تمنح الإنسان استقراراً بقدر ما تمنحه شعوراً متواصلاً بالمغادرة. فالقطار لا يقود إلى وجهة محددة بقدر ما يقود إلى فكرة السفر نفسها، إلى ذلك القلق الأنطولوجي الذي يجعل الإنسان معلقاً دائماً بين ما كان وما سيكون.
أما المرأة، والبحر، والساحة الكبرى، والكونتوار، فليست عناصر متفرقة داخل المشهد الشعري، بل علامات تتقاطع في نسيج رمزي واحد. إنها وجوه متعددة للغياب ذاته. وكأن الشاعر يستعيد هنا ما ذهب إليه رولان بارت حين اعتبر أن الكتابة ليست سوى مطاردة مستحيلة لما يفلت منا باستمرار. فالمرأة ليست امرأة بعينها، والبحر ليس بحراً محدداً، والساحة ليست مكاناً قائماً بذاته؛ كلها أسماء يبتكرها الغياب لكي يترك أثره داخل اللغة.
وحين "تطل الأميرة من نافذة المخفر"، فإن الصورة تبلغ ذروة كثافتها الرمزية. فالمخفر، بوصفه مكاناً للمراقبة والانضباط والسلطة، يتحول فجأة إلى نافذة على الحلم. والأميرة ليست شخصية واقعية، بل تجلٍّ شعري لما يسميه كارل غوستاف يونغ "الصورة الأصلية" المختبئة في لاوعي الإنسان؛ ذلك النداء البعيد الذي يوقظ الرغبة في العبور نحو أرض أخرى، نحو معنى آخر، نحو حياة لا تتحقق إلا في المخيلة.
إن الساعر أماش لا يتعامل مع الزمن كتعاقب خطي للأحداث، بل كطبقات متراكبة من الحضور والغياب. فهو يمشي، كما لو أنه يتكئ على "منسأة الزمن"، لكنه في الحقيقة لا يسير إلى الأمام ولا يعود إلى الخلف، بل يتحرك داخل دوائر الذاكرة، حيث يصبح النسيان نفسه شكلاً من أشكال التذكر. وأستحضر هنا تأملات ميلان كونديرا حول العلاقة الملتبسة بين الذاكرة والنسيان؛ فليس النسيان نقيض الذاكرة، بل أحد شروطها العميقة.
لهذا تبدو الأمكنة في الديوان كائنات حية أكثر منها ديكورات شعرية. إنها تنهض من ركام الزمن لتستعيد زخم تحولات الذات، وتعيد تشكيل المعنى كلما ظن القارئ أنه أمسك به. فالمكان لا يحفظ الذاكرة فقط، بل يعيد إنتاجها، ويجعلها قابلة للتأويل المستمر. ووفق ذلك، تنبع القيمة الجمالية والفلسفية لهذا المسار الشعري، حيث لا يكتب سيرة الأمكنة، بل يكتب سيرة الإنسان وهو يتبدد داخل أمكنته، ويبحث، وسط دهاليز الزمن والنسيان، عن تلك الكأس ما قبل الأخيرة التي لا تنتهي أبداً، لأنها في كل مرة تكون بداية جديدة لمعنى جديد.
*الكينونة المؤجلة بين المكان والمسافة:
إذا كانت العزلة، والعبور، والشمس، والأكياس المنهوبة، والغرفة المرقمة، والبحيرة العميقة، والخرائب، والنهر، والغصن الغريب، والقفص، والأجرام السماوية .. إلخ، تتناسل في ديوان "ليس لي مكان" بوصفها علامات شعرية متفرقة، فإنها في العمق لا تؤدي وظيفة الزخرفة المجازية، بل تنهض كأطياف أنطولوجية ترسم خرائط الوجود القلق. فهذه الأمكنة والأشياء لا تنتمي إلى جغرافيا خارجية بقدر ما تنتمي إلى تضاريس الذات وهي تتأمل هشاشتها، وتختبر غربتها في عالم يتآكل معناه باستمرار.
ذلك أن اللامكان، في هذا الديوان، ليس نفياً للمكان، بل هو أقصى درجات الحنين إليه. إنه ما يشبه "اليوتوبيا المقلوبة"؛ مكانٌ لا يتحقق إلا بقدر ما يظل بعيداً ومستحيلاً. وهنا نستحضر تأملات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر الذي رأى أن الإنسان ليس كائناً يستوطن الأمكنة بقدر ما هو كائن يبحث دائماً عن موطن للكينونة. فالوجود نفسه نوع من الإقامة المؤجلة، والإنسان مشروع عبور دائم نحو بيت لا يبلغه أبداً.
تكتسب عبارة "ليس لي مكان" كثافتها الفلسفية، من حيث كونها فقدان جغرافي واغتراب اجتماعي ، وحالة وجودية أعمق. حالة الكائن الذي يدرك أن كل مكان يسكنه مؤقت، وأن المعنى الحقيقي يقيم دائماً في مكان آخر. لذلك يصبح المجهول شرطاً للتأويل، لأن النص لا يمنح نفسه كاملاً للقارئ، بل يدعوه إلى مشاركة الشاعر قلقه وأسئلته وانكساراته.
تتبدى الطفولة في الديوان باعتبارها المكان الأكثر استعصاء على الاستعادة. فهذه الطفولة هي في الظاهر مرحلة زمنية منقضية، ولكنها أيضا، هي كما ما يسميه غاستون باشلار "البيت الأول للروح". إنها الفردوس المفقود الذي يواصل تشكيل وعينا حتى بعد رحيله. لذلك يقول الشاعر: "طفولتي تكاد تبتعد عني... تنفلت منها الأزمنة وتنفلت مني"؛ وكأن الذاكرة لم تعد قادرة على الإمساك بما تحاول استعادته، لأن الماضي نفسه صار كائناً متحركاً، لا صورة ثابتة في أرشيف الزمن.
إن الشعر في هذا النطاق، يلتقي مع ما ذهب إليه بول ريكور حين اعتبر أن الذاكرة ليست استرجاعاً للماضي كما كان، بل إعادة بناء له من داخل الحاضر. فالطفولة التي يتذكرها الشاعر ليست طفولته الواقعية، بل طفولة متخيلة أعادت اللغة تشكيلها. ولهذا تبدو حاضرة وغائبة في الآن نفسه؛ تنسل من بين الأصابع كلما أوشك أن يقبض عليها، ثم تعود لتطارده كظل لا يفارقه.
أما الأمكنة المتناثرة في الديوان ـ النهر، البحيرة، الخرائب، القفص، الغرفة ـ فليست سوى استعارات متحولة لهذا الوعي المنقسم بين الرغبة في الاستقرار وحتمية العبور. فالنهر، كما عند هيراقليطس، ليس مجرد ماء يجري، بل صورة للوجود الذي لا يتوقف عن التغير. والخرائب ليست بقايا عمران متهدم، بل آثار الزمن وهو يكتب سيرته على الأشياء. أما القفص، فهو الوجه الآخر للحرية؛ إذ لا ندرك معنى الانعتاق إلا حين نختبر حدود الأسر.
وتغدو عبارة "تحاصرني العيون، ترعبني، أرغب في أن تنسلخ عني كجلد قديم" لحظة انكشاف نادرة. إنها ليست شكوى ذاتية، بل تعبير عن مأزق الهوية نفسها. فالذات التي كانت تعتقد أنها تعرف نفسها تجد نفسها محاصرة بصورها القديمة، بذكرياتها، وبنظرات الآخرين إليها. يذكرني هذا النص بتأملات جان بول سارتر حول "نظرة الآخر" التي تجعل الإنسان موضوعاً خارج ذاته، وتدفعه إلى البحث المستمر عن حريته المهددة.
فالأمكنة في الديوان هي محطات لعبور لا ينتهي. إنها أمكنة تتحرك أكثر مما تستقر، وتتحول أكثر مما تتحدد. ولذلك فإن الشاعر لا يؤسس جغرافيا شعرية بقدر ما يؤسس ميتافيزيقا للتيه. تيهٌ لا يُراد منه الوصول، بل اكتشاف المعنى الكامن في الطريق ذاته.
إنها ليست أمكنة ضائعة، إنها ذوات تتعلم فن السكنى داخل فقدانها. فالمكان الحقيقي ليس ما نعثر عليه خارجنا، بل ما نصنعه من شظايا الذاكرة، ومن آثار الطفولة، ومن أحلام العبور التي لا تكف عن تأجيل الوصول. لذلك يظل اللامكان في هذا الديوان اسماً آخر للرغبة، ووجهاً آخر للبحث الأبدي عن وطن يسكن الروح أكثر مما يسكن الجغرافيا.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في العلاقة العميقة بين "الخطوة المنسية" و"ليس لي مكان"، هو أن الديوانين لا يفصل بينهما اختلاف الموضوع أو التجربة بقدر ما يجمعهما سؤال واحد يتخفّى خلف صور متعددة: سؤال المسافة بوصفها قدراً وجودياً. فالشاعر أماش لا يكتب المكان، بل يكتب ما يتبقى منه بعد أن يتحول إلى أثر، ولا يكتب الرحلة، بل ما يترسب في الروح من ارتجاجاتها. لذلك تبدو شذرات "الخطوة المنسية" وكأنها تمد جذورها داخل تربة "ليس لي مكان"، أو كأن الديوانين معاً يشكلان كتاباً واحداً عن التيه الإنساني في مواجهة المعنى.
إننا هنا لا نكون أمام شعر يصف الأمكنة، وإنما أمام شعر يجعل من المكان ذريعةً للبحث عن الكينونة. فالمكان في تجربة أماش ينوء عن حمل الجغرافيا، إلى ما يفوق السؤال الفلسفي. والمسافة ليست بعداً بين نقطتين، بل حالة وجودية بين الذات وما تتوق إليه. لذلك حين يعلن الشاعر أنه "مولع بالمسافات"، فهو لا يعبر عن شغف بالسفر أو الارتحال، بل يكشف عن وعي مأساوي بأن الإنسان لا يعيش إلا داخل مسافة ما؛ مسافة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الذاكرة والرغبة، بين الحضور والنقصان. تماما مثل ما تأمل ميلان كونديرا حين جعل من عبارة "الحياة في مكان آخر" استعارة كبرى للشرط الإنساني. فالكائن البشري محكوم دائماً بوهم المكان الآخر، والزمان الآخر، والحياة الأخرى. وما إن يبلغ ما كان يطمح إليه حتى يكتشف أن المعنى قد انسحب إلى أفق جديد. ولذلك يصبح الوجود نفسه سلسلة من المسافات المؤجلة.
وحين يكتب أماش.. "نبحث فينا. ما المركز؟ ما النقطة التي انطلقت منها سفينتنا؟" فإنه لا يطرح سؤالاً شعرياً شاردا، إنه يعيد إحياء أحد أقدم الأسئلة الفلسفية: سؤال الأصل. ذلك اللغز الذي يزداد غموضاً كلما اقتربنا منه. وهذا ما يجعل أصداء الورطة تجيب : "سيقان الخيال... جسر إلينا حيث كنا، وأنى نكون."
إن الخيال هنا ليس هروباً من الواقع كما ظن التقليد العقلاني، بل هو، كما رأى غاستون باشلار، أداة للنفاذ إلى أعماق الوجود. فكل بحث عن الجذور هو في النهاية بحث متخيل، لأن الجذور نفسها لم تعد قائمة في الواقع، وإنما في الصور التي نصنعها عنها. ولهذا يغدو الخيال جسراً بين ما فقدناه وما لا نستطيع امتلاكه.
أما قول الشاعر: "كلانا يبحث عن جذوره في عين الدائرة" فتقودنا إلى تصور دائري للوجود، قريب مما عبر عنه فريدريش نيتشه في فكرة "العود الأبدي". فالبحث لا ينتهي إلى اكتشاف نهائي، بل يعود دائماً إلى نقطة البدء. وكل وصول هو شكل جديد من أشكال التيه. والدائرة هنا ليست رمزاً للكمال، بل رمزاً لاستحالة الخروج من السؤال.
وعندما يتحدث الشاعر عن "الفاكهة المسمومة في حدائق متوحشة" أو "حلمة مجروحة في ثدي الذاكرة" فإنه يضع القارئ أمام صور تتجاوز بعدها الجمالي لتدخل منطقة الأنطولوجيا. فالذاكرة ليست مخزناً للأحداث، بل جسداً حياً يحمل آثار الجراح. نتذكر هنا بول ريكور الذي رأى أن الذاكرة لا تستعيد الماضي كما كان، بل تعيد تشكيله وفق جراح الحاضر وأسئلته.
ومن ثم فإن البحيرة ذات العمق "1957 قدماً" لا تحيل على قياس فيزيائي بقدر ما تحيل على عمق داخلي يصعب سبر غوره. إنها استعارة للذات نفسها. فالإنسان، كما يقول كارل غوستاف يونغ، يحمل في أعماقه بحيرة من الرموز والصور البدئية التي لا يظهر منها على السطح إلا القليل. وكل كتابة حقيقية هي محاولة للنزول إلى ذلك العمق المظلم حيث تتجاور الذاكرة مع الحلم، والرغبة مع الخوف.
لهذا يبدو الشاعر في الديوانين معاً وكأنه يطارد الفراغ لا ليملأه، بل ليصغي إلى ما يقوله. فالفراغ بعيدا عن العدمية هو "إمكانية"، ذلك الأفق المفتوح الذي يسمح للمعنى بأن يتشكل باستمرار. وهنا تتقاطع تجربته مع رؤية مارتن هايدغر الذي اعتبر أن الإنسان لا يسكن العالم عبر امتلاك الأشياء، بل عبر الانفتاح على ما يتوارى خلفها.
إن خلاصة هذه التجربة الشعرية، أن المسافات ليست عوارض خارجية في حياة الإنسان، بل هي جوهر وجوده نفسه. نحن لا نعيش داخل الأمكنة بقدر ما نعيش داخل المسافات التي تفصلنا عنها. وما نسميه وطناً أو ذاكرة أو حباً أو طفولة ليس سوى أسماء مختلفة لتلك المسافة الأصلية التي لا يمكن ردمها.
لذلك فإن "الخطوة المنسية" و"ليس لي مكان" لا يرويان حكاية شاعر يبحث عن مكان ضائع، بل يقدمان رؤية فلسفية عميقة ترى أن الإنسان كائن مسافة قبل أن يكون كائن مكان؛ وأن الحقيقة الوحيدة التي يمكن الإمساك بها ليست الوصول، بل مواصلة العبور. فالمسافات المستعارة، كما يوحي أماش، ليست وهما نلجأ إليه، بل هي الشكل الأكثر صدقا لوجودنا في هذا العالم.
ــــــــــــــــ
*"الخطوة المنسية"، جمال أماش ـ دار النشر تيفناغ، مراكش ـ ط1 / 2026
ـ "ليس في مكان"، جمال أماش ـ بيت الشعر بالمغرب، الرباط ـ ط1 / 2026
في نصوصه الجديدة، كما في كتابيه "ليس في مكان" و"الخطوة المنسية"، يبدو الشاعر جمال أماش كما لو أنه لا يكتب المكان بقدر ما يكتب انزياحه. ذلك أن "اللامكان" عنده ليس فراغًا، بل أفقًا دلاليًا، يذكّر بما صاغه مارك أوجيه حول فضاءات العبور التي تفقد هويتها لتكتسب كثافة رمزية جديدة. غير أن أماش لا يقف عند توصيف هذا الفراغ، بل يملؤه بحدوسٍ تتوهج بنارٍ صوفية، حيث اللغة لا تعود أداة وصف، بل وسيلة عبور إلى ما يسميه مارتن هايدغر "انكشاف الكينونة" في لحظة القول الشعري.
إن هذا الانصهار بين الحس الصوفي والعقل التأملي يضع نصوصه في تماسّ مع تقاليد فكرية عميقة، من محيي الدين بن عربي الذي رأى في الوجود تجليًا لا نهائيًا للمعنى، إلى غاستون باشلار الذي جعل من الخيال مادةً لإعادة بناء العالم في صورٍ حميمية تتجاوز الواقع المادي. فالنص عند أماش لا يُقرأ من سطحه، بل من طبقاته التي تتوالد فيها الأسئلة، حيث يتراجع الوضوح لصالح ما يمكن تسميته بـ"شفافية الغموض".
وحين نتأمل "الخطوة المنسية"، ندرك أن النسيان هنا ليس نقصًا في الذاكرة، بل شرطًا للمعرفة، على نحو ما لمح إليه فريدريك نيتشه حين اعتبر أن النسيان قوة خلاقة، تتيح للذات أن تتحرر من أثقال الماضي لتعيد ابتكار نفسها. هكذا تتحول "الخطوة" إلى استعارة وجودية، لا تفصل بين الحضور والغياب، بل تجعلهما يتداخلان في حركة واحدة، حيث كل تقدم هو في الآن ذاته فقدٌ واستعادة.
أما "ليس في مكان"، فهو انزياح عن يقين التموقع، واقتراب من تلك الحالة التي وصفها جاك دريدا بتأجيل المعنى، حيث لا يستقر الدال في مدلول نهائي، بل يظل مفتوحًا على اختلاف لا ينتهي. من هنا، تنبثق نصوص أماش كأنها كتابة على حافة المعنى، لا تسعى إلى القبض عليه، بل إلى تعميق أثره.
لقد بدا لي، وأنا أتصفح هذه الأعمال، أنني لا أقرأ نصوصًا بقدر ما أنخرط في تجربة كشف، حيث تتشقق اللغة لتُظهر ما وراءها، وتتحول القراءة إلى نوع من "الحداقة الوجودية" التي ترفع الحجاب عن طبقات الصمت. وهو ما يجعل الكتابة عند جمال أماش أقرب إلى تمرين على الإنصات لما لا يُقال، أكثر منها قولًا مكتملًا.
إن نصوص الشاعر جمال أماش لا تنتمي إلى يقين المعنى، بل إلى قلقه الخلّاق؛ ذاك القلق الذي يجعل الشعر، كما يرى بول ريكور، أفقًا لإعادة تأويل الذات والعالم معًا، حيث يغدو العبور انتقالًا بين ضفتين، أو إقامة دائمة في المسافة بينهما، حيث يتكوّن المعنى كأثر دامغ وحضور مكتمل.
إن عودة الشاعر المغربي جمال أماش إلى شكل الكتابة المجزأة، أو ما يمكن تسميته بـ"شذريات القول"، ليست مجرد اختيار جمالي أو تقنية أسلوبية، بل هي في عمقها، انحياز وجودي إلى حكمة التقطّع في مواجهة وهم الكلّ المكتمل.
إنها عودة من التجربة إلى الوعي، ومن السرد المتصل إلى ومضات المعنى، حيث لا يعود الشعر بناءً خطيًّا، بل "هندسة للانقطاع" تُعيد ترتيب الزمن الداخلي للذات.
يمكنني استدعاء ما يشبه حسّ بليز باسكال، حين رأى في الإنسان "قصبة مفكرة" هشّة أمام لا نهائية الكون، فالشذرة، ليست نقصًا في القول بل اعترافٌ بحدود الامتلاء. وفي هذا السياق، يضيء باسكال في الأفكار شكلًا من الكتابة التي لم تكتمل لا لقصور، بل لأن الفكر ذاته لا يكتمل إلا وهو في حالة اهتزاز دائم. وهذا ما يجعل الشذرة أقرب إلى "فعل تفكير حيّ" منها إلى نص مغلق.
كما يمكن استحضار نيتشه الذي جعل من الشذرة أسلوبا فلسفيا مضادا للنظام الكلي المغلق، إذ لم يكن يكتب ليبني نسقا، بل ليحدث صدمات معرفية، على نحو يجعل الفكر نفسه تجربة قوة لا بناءً نهائيا.
في هذا الأفق، تصبح شذريات جمال أماش انخراطا ضمن تقليد يرى في التقطيع مقاومةً للخطاب الكلي، واحتفاءً بومضات الحقيقة وهي تتكشف ثم تنسحب. وأذكر هنا أن لا برويير، قد جعل من "الشخصيات" مختبرا أخلاقيا ولغويا، حيث الإيجاز لا يختزل العالم بل يكثّفه حتى حدّ التوتر. غير أن هذا الإيجاز ذاته، كما يقول كينيار، يحمل خطر الاستنزاف، فكلما تكاثرت الشذرات، ازداد العبء التأويلي على القارئ، كأن النص يدفعه إلى الدوار بدل الاطمئنان.
*الكنغر والأثر المنسي: ميتافيزيقا الكائن المعلّق بين الصمت والغياب:
في مفتتح نص "الخطوة المنسية" لجمال أماش، يقدّم "الكنغر"، هذا الحيوان الأيقوني اللافت، بوصفه علامة سردية/أنطولوجية تنفتح على سؤال الأثر، أي على ما تبقّى من الوجود بعد أن يتراجع إلى حافة التلاشي. إن "أثره الثاوي" لا يُحيل إلى حضور مكتمل، بل إلى ما يشبه ما يسميه جاك دريدا بـالأثر (Trace): ذلك الحضور الذي لا يكتمل إلا بغيابه، والذي لا يُدرك إلا بوصفه انمحاءً دائمًا في بنية المعنى ذاته.
إن كنغر أماش هو كائن يتقدّم داخل نصّ هادر يبرق ك“ذات مُنزاحة"، تحاول أن تدحض "علامات النفوق إلى المصير المجهول" عبر اقتصاد رمزي قائم على الصمت. غير أن هذا الصمت ليس فراغًا سالبًا، بل ما يشبه "المجال الإشاري الكثيف" الذي تحدث عنه موريس بلانشو، حيث اللغة لا تقول بقدر ما تُحيل إلى ما يستعصي على القول. ومن ثمّ فإن "الصمت" هنا ليس انسحابًا من العالم، بل طريقة للإنصات إلى خرابه، كما لو أن الوجود ذاته لا يُفهم إلا من جهته المظلمة.
إن عبارة "الإنصات للخراب على اليسار" تقيم توترًا دلاليًا بين الجغرافيا والأنطولوجيا؛ فاليسار ليس جهة هندسية بل موقع للانكسار، للمنسيّ، لما يقع خارج مركز المعنى. وهنا يمكن استدعاء ميشيل فوكو حين تحدّث عن "أرشيف الصمت" باعتبار ما يُقصى من أنظمة الخطاب، لكنه يظل فاعلًا في تشكيلها من الهامش. إن الكنغر، في هذا السياق، يتحول إلى كائن أرشيفيّ، يحمل آثار ما تمّ إقصاؤه من سرديات الحياة. أما "القفزة الطولية مخافة إزعاج الموتى"، فهي ليست حركة فيزيائية بقدر ما هي استعارة وجودية عن توتر العلاقة مع الغياب. وأستحضر هنا مارتن هايدغر، حين جعل من الوجود، نحو الموت، شرطا لفهم الكينونة بوصفها انفتاحًا على الفناء لا هروبًا منه. فالقفزة ليست نجاة، بل إعادة ترتيب للعلاقة مع الموت بوصفه أفقًا دائم الحضور.
وفي عبارة "نزول من الدرج برصيد فارغ"، يتكثف منطق العجز الأنطولوجي الذي يذكّر بما يسميه إيمانويل ليفيناس بـ"الفقر الجوهري للذات أمام الآخر والوجود"؛ إذ لا يحمل الكائن سوى فراغه الخاص، وكأن الحركة نفسها لا تُنتج رصيدا من المعنى بل تستهلكه.
أما "الشيزوفرينيا حتى التلف"، فهي لا تُقرأ هنا طبيا، بل بوصفها تفككًا في وحدة الذات، قريبا مما اشتغل عليه جيل دولوز وفيليكس غواتاري في مفهوم "التشظي" داخل ألف هضبة، حيث الذات ليست مركزا بل شبكة من التدفقات المتكسرة.
إن عنوان "أسماك ينثرها الفراغ" يضعنا أمام مفارقة شعرية/ميتافيزيقية: الأسماك، كرموز للحياة المائية والانسياب، تُنثر في الفراغ، أي في وسط غير قابل للعيش. وأعجبتني رؤية لغاستون باشلار، الذي رأى في الماء عنصرا للذاكرة والخيال، لكن النص يقلب هذا الأفق ليجعل من الماء نفسه كائنا مُهجّرًا من وسطه الطبيعي. إن الفراغ لا يعود عدمًا، بل فاعلًا ينتج كائناته الخاصة، كما لو أنه ما يسميه نيتشه بـ"العدم الفعّال" الذي لا ينفي الوجود بل يعيد تشكيله في صورة متصدعة. وتصبح "الأسماك الطاردة، المشوبة بالتشرذم والضياع" صورة لكائنات فقدت انتظامها الأنطولوجي، وهو ما يقترب من رؤية والتر بنيامين للحداثة بوصفها حطاما متراكما من المعنى، حيث لا يبقى من التجربة سوى شذرات تتوزع بين الكارثة والتأويل.
أما خاتمة المشهد، حيث "ينثرها الفراغ وصية لبحار جديد يبتسم"، فهي تفتح أفقا تأويليا قريبا من تصور بول ريكور للرمز بوصفه ما "يقول أكثر مما يقول"، إذ لا تنتهي الدلالة عند الخراب، بل تعيد إنتاج وعدٍ خفيّ بالولادة. غير أن هذه الولادة ليست خلاصا بسيطا، بل ما يشبه عودة الحياة من داخل انكسارها، حيث يطل "البحار الجديد" من "بطن أمه" كما لو أن البداية نفسها لا تنفصل عن النهاية، في حركة دائرية تُذكّر بهيراقليطس: الصيرورة لا تهدأ، والوجود لا يستقر.
يشتغل نص جمال أماش إذن، بوصفه كتابة حدّية بين الحياة والفراغ، بين الأثر والمحو، بين الصمت والكلام، حيث تتحول الكائنات (الكنغر، الأسماك، البحار) إلى علامات فلسفية تعيد مساءلة معنى الوجود ذاته. ليس لكونه علامة على حضور مكتمل، بل كأثر منسي لا يكفّ عن القفز داخل الفراغ.
ألا يمكن هنا أن نطرح هذا الكمون المتيقظ في التوتر الجوهري من داخل الكتابة المجزأة، وفق العتبة الأولى للنص الشعري "الخطوة المنسية" ، كونها تمنح كثافة المعنى بقدر ما تسلب يقين القراءة. فعندما نستعيد هيراقليطس في شذراته الباقية، فإننا أمام فلسفة تُكتب في الحافة: "لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين". بينما عند أماش، يمكننا التخفي خلف القدمين الباردتين حذو النهر البارد؟. الشذرة في هذا البعد الأسطوري، هي بالأساس تعبير عن طبيعة الوجود نفسه بوصفه صيرورة متكسّرة لا تستقر. وهو ما يجعل من تجربة جمال أماش امتدادا شعريا لهذا الإدراك: العالم لا يُروى، بل يُلمَح.
وفي أفق أكثر حداثة، يقدّم فرانسيس بونج تصورا لهذا النوع من الشذرة ، كونها "عينة من نسيج العالم"، حيث لا يُكتب الشيء بوصفه فكرة، بل بوصفه أثرًا ماديًا متحوّلًا. كما تشير سيلفي باليسترا-بويش، فإن الكتابة المجزأة ليست خيارا شكليا، بل طريقة وحيدة للاقتراب من تعددية الواقع، ومن تعدد وجهات النظر التي لا تسمح بتشكيل خطاب واحد مكتمل. فالراسخ عندي، أن فهم "الخطوة المنسية" عند جمال أماش بوصفها لحظة توازن بين التجربة الصوفية والوعي الحداثي بالانكسار: اكتمالٌ لا يقوم على الامتلاء، بل على الاعتراف بالفراغ المنتج. فالشذرة هنا ليست بقايا معنى، بل طريقة في التفكير، حيث يصبح الشعر أقرب إلى أثرٍ يتكوّن في لحظة ارتقاء ثم يتبدد، تاركًا خلفه سؤال الصيرورة مفتوحًا على لا نهائية التأويل.
*النهر المتوحش: مجازفة العبور إلى الشعر:
في “الخطوة المنسية” يفتح الشاعر جمال أماش قصيدةً كوّةً في جدار الرؤية، كأنّه يذكّرنا بأنّ العين ليست أداة إبصار فحسب، بل امتحان وجود. فالرؤية، حين تُؤخذ في معناها العميق، ليست التقاطاً للصورة، بل انكشافاً لما يتوارى خلفها. لذلك يبدو نصّه “من رآك فقد رآني” وكأنّه يعيد ترتيب العلاقة بين المرئي واللامرئي، بين ما يُحكى وما يتعذّر أن يُقال.
إن أماش لا يبدأ من الشعر، بل من حافة الحكاية؛ من “الحلم بعودة المتوى”، من أولئك الذين كانوا في عطلة، وكأنّ الغياب ذاته شرطُ الحضور. البداية سردٌ يتخفّى، والنهاية شعرٌ يتجلّى. وفي المسافة بينهما تتكثف أسئلة الرؤية: هل الحكاية حنين؟ أم هي بحثٌ عن نغمة ضائعة في زمنية تتفلّت من القبض؟ هل القصة شكلٌ يُحتمل، أم إيقاعٌ يُرتجى؟.
يضعنا الشاعر أمام مأزق اللامرئي الحسي: ما نراه ولا نراه في آن. يذكّرنا بقول ابن عربي: “الكون كلّه خيال، وهو حقّ في الحقيقة”، وكأنّ الرؤية ليست ثقةً في العين، بل ارتيابٌ فيها. فـ“من رآك فقد رآني” هي في العمق إعلان وحدة في الأفق، حيث تتداخل الذوات كما تتداخل المرايا، فيصير النظر تبادلاً للأنوار لا تبادلاً للصور.
في “الخطوة المنسية” يتقدّم الشعر خطوةً إلى الوراء كي يفسح المجال للحكاية، ثم يعود في النهاية كأنه الكشف الأخير، وكأننا نستحضر ما قاله النفّري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. إذ الشاعر، وهو يقترب من المعنى، يدرك أنّ اللغة تضيق، وأنّ الحكي، مهما طال، ليس سوى أثرٍ للغائب. لذلك يتأرجح النص بين فتنة الشعر المرئي، الذي يتملّك قارئه ويأسره، وبين نزق الوجود الذي لا يُختزل في شكل.
إن سيرة الشاعر ، نفسها، تُعلن تمرّدها على الخطّية. “ليس مهما أن أكتب السيرة. إنها تسبقني.” هنا نلمح أثراً من نيتشه وهو يقول: “كن ما أنت.” فالسيرة ليست حدثاً يُدوّن، بل قدرٌ يُعاش. والزمن ليس إطاراً خارجياً، بل طبقة من التجربة. ما يُكتب قد لا يهتم به أحد، لكن الكتابة ليست طلب اعتراف؛ إنها محاولة لترويض الصمت، أو على الأقلّ لمجالسته. كلّ مرة يبدأ من جديد. لا خيط ضائع في مقهى، ولا مخطوطات تنتظر من يعثر عليها. البداية ليست مشروع خلود، بل تمرين حضور. تتخذ الكتابة طابعاً صوفياً: هي سلوكٌ لا إنجاز، مسارٌ لا نتيجة. وكأنّ الشاعر يهمس بما قاله الحلاج: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا”، ليؤكد أن التماهي بين الرائي والمرئي ليس استعارة، بل تجربة وجود. أٍى أن “الخطوة المنسية” ليست نصاً عن الرؤية فقط، بل عن هشاشتها أيضاً. عن تلك اللحظة التي ندرك فيها أن ما نبحث عنه لا يُرى بالعين، بل يُستشعر بالقلب، حيث يصبح الشعر خاتمة الحكي، لا لأنه نهاية، بل لأنه الأفق الذي تتلاشى فيه الحدود بين القصة والرؤيا، بين السيرة والوجود، بين المرئي والسرّ الذي يفيض عنه.
إنه شعر يمشي على تخوم الكشف، حيث كلّ بداية نسيان، وكلّ نسيان خطوةٌ نحو معنى لا يُمتلك، بل يُعاش. حين يصمت الكاتب، صائد الكلمات، لا يكون الصمت فراغاً، بل امتلاءً يفيض عن حدِّ العبارة. إنّه صمتٌ يتقدّم على اللغة كما يتقدّم الليلُ على الفجر، حاملاً في أحشائه ما لا يُرى.
هناك، في هذا الامتداد السكوني، تتخلّق صور الانبجاس؛ لا كأحداثٍ عابرة، بل كحالاتٍ تتكاثر في ذاكرة القادم، كأنّها استعاراتٌ قديمة تستيقظ في هيئةٍ جديدة. وكأنّ الصمت، كما يقول النفّري، “موقفٌ إذا نطقتَ عنه انحرف”، لذلك يختار الشاعر أن يتركه يتكلم عبر الشذرات. الطريق إلى الشعر ليست ممشىً معبّداً، بل مجرى نهرٍ متوحّش. من يدخلها لا يعرف إن كان يجيد السباحة ضد تياراتها.
الشعر اختيارٌ يشبه المجازفة، أو كما لمح هيراقليطس: “لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين”. فالنهر يتبدّل، والسابح يتبدّل، والقصيدة نفسها لا تعود كما كانت. لذلك يصبح الكاتب قارئاً لصمته، يصغي إلى ما يصرخ به الواقع، ويؤجّل الإجابة إلى “الوقت الميت”، ذاك الذي أفرد له صاحب “الخطوة المنسية” شذراتٍ كأنّها مرايا مؤجلة. “ثمة أسرة تخفي الكثير من الأسرار. وحدها النوافذ تحتفظ في زجاجها أنفاساً وعيوناً لا ترى بعيداً.” فليست الأسرٌة هنا بنية اجتماعية فحسب، بل استعارة لبيت الوجود. النوافذ—كما عند باشلار—ذاكرةٌ شفافة؛ تخزّن أنفاس القاطنين، لكنها لا تمنحهم أفقاً. الرؤية محدودة، واليقين مؤجَّل. “ليس ثمة يقين. هناك حقائق تقطر مع الزمن، من صنبور صدئ بقذى اليأس.” كأنّ الحقيقة لا تنزل صافياً من سماء الميتافيزيقا، بل تتسرّب من معدنٍ أصابه الصدأ؛ بطيئة، موجعة، محمّلة بشوائب الانتظار. الميتافيزيقا، في هذا الأفق، تتراجع كلما ارتفع محرار الرومانسية.
الحبّ لا يعود دافعاً للمناجاة، بل سؤالاً معلّقاً في سقف الشك. وهنا يتقاطع الشاعر مع كيركغارد الذي رأى أن القلق هو أعمق أشكال الوعي. فالعاصفة الشكية ليست انهياراً، بل امتحاناً للمعنى. غير أنّ الامتحان يكشف هشاشة العودة إلى “قيم الحضارة البدائية”، حيث يتخلّى الإنسان عن جدل اللذة والألم، ليخترع مهنًا جديدة تداوي فزعه: علم نفس الأوبئة، إدارة الذعر، هندسة العزلة. كأنّ الحضارة، وقد بلغت ذروة أدواتها، انكشفت في عقمٍ فاحش. الكهوف والأدغال وقمم الجبال تبدو أرحم من مدنٍ تفرز التعقيم بدل الحنان. تختفي المحبّة خلف رشاشات تطهير الحياة، ويغدو الإنسان كائناً يخاف أن يلمس ظلّه.
يتساءل الشاعر: هل كان هيراقليطس سيقلق لو استيقظ على هذا المشهد؟ نحن نتحرك في مكاننا، كما لو أنّ الزمن يدور بلا وجهة. “لا شيء أصبح ينعم بالحركة، ومنحنى الخيبات يرسم صعوداً قياسياً لأعمدة الحزن.” الطريق إليك متصلّبة، يقول الشاعر، ولا رغبة في مصافحة أحد. فالقطيعة إحساسٌ بأنّ الأيدي فقدت حرارتها. إذ المصافحة التي كانت اعترافاً متبادلاً بالوجود صارت مجازفةً بيولوجية. فتتجلّى مأساة المعنى: أن تمتدّ العدوى من “ووهان” إلى “يونان”، لا كجغرافيا، بل كاستعارة لانتشار القلق في كل حقوق الدلالة. الأشباح تلعب أدوارها وراء ستار العراة؛ الحياة تُدار بأنفاسٍ تراوغ الموت، لا تواجهه. غير أنّ الشعر، في قلب هذه العتمة، لا يكتفي بالرثاء. إنّه يسائل الحركة والسكون معاً. فإذا كان “لا شيء ينعم بالحركة”، فربما لأنّ الحركة فقدت غايتها. هنا يعود الصمت بوصفه مقاومةً خفيّة؛ مقاومةً لابتذال المعنى، لا لغيابه. وكأنّ الكاتب، في صمته، يذكّرنا بقول ابن عربي: “العدم عين الوجود في عين الشهود.” فحتى في ذروة العقم، ثمة بذرةٌ تتكوّن في الخفاء. إنّ الانبجاس الفلسفي الذي ينسجه الشاعر ليس هروباً إلى التجريد، بل عودةٌ إلى سؤال الأصل: ماذا يبقى من الإنسان حين تتعرّى الحضارة من يقينها؟ ربما يبقى ذاك الارتعاش الخفيف بين الكلمة وصمتها، بين الرؤية وعمائها. هناك، في تلك المسافة الدقيقة، يولد الشعر، لا ليعالج الوباء، بل ليحفظ للروح حقّها في أن تتأمّل، حتى وهي تمشي فوق حافة المأساة.
*أقنوم الغياب وأخلاق الكتابة:
حين تقول بونج دات إنّ الكتابة المُجزّأة قد تكون الشكل الوحيد الممكن لكتابة العالم، فهي لا تدافع عن تقنية أسلوبية بقدر ما تكشف عن أنطولوجيا للمعنى. فالعالم، كما تبيّن الفيزياء الذرية، ليس كتلةً مصمتة، بل توتّر بين جسيمات واحتمالات، بين حضورٍ وانفلات. وكذلك هو في الأخلاق التأملية، لا يُعطى دفعةً واحدة، بل يُلتقط في شذرات، في ومضات، في “عينات” من نسيجٍ كونيّ يتمنّع عن الاكتمال. وفي ذلك التقائية منسابة بين الكتابة والفلسفة. فـفريدريش نيتشه كان يرى أن الشذرة ليست نقصاً، بل شجاعة في مواجهة الكلّ المزيّف؛ وأن الحقيقة لا تُقال في نسقٍ مغلق، بل في شظايا تُصيب هدفها وتنسحب.
وكذلك والتر بنيامين، الذي رأى في “المقتطف” و“الأثر” طريقةً لإنقاذ المعنى من سرديات الهيمنة. إنّ التجزئة ليست تهشيماً، بل اعترافٌ بأن الكلّ لم يعد ممكناً. بهذا المعنى، تصير الكتابة تجربة تعدّد في وجهات النظر؛ استعاراتٍ متمرّدة تتحدّى مركزية الرؤية الواحدة. إنها كتابة تُعيد صياغة العالم لا عبر امتلاكه، بل عبر خلخلته. وهنا نستحضر جاك دريدا الذي علّمنا أن المعنى مؤجَّل دائماً، وأن النصّ فضاءُ اختلاف لا يستقرّ على يقين. فالكتابة لا تعكس العالم، بل تُنتجه بوصفه أثراً، بوصفه انزياحاً دائماً عن الأصل.
هذا الانزياح هو ما يلتقطه أماش أيضاً، لكن بلغة العشق. إنه لا يكتفي بتفكيك العالم، بل يعيد تركيبه على “مقصلة الشيرازي”، حيث البرهان يتحوّل إلى وجد. يمكن أن نستدعي هنا صدر الدين الشيرازي الذي جعل من العشق حركةً وجودية، ومن الوجود تشكّلاً دائماً في مراتب النور. ففي العشق ينتفي الزمن، لأن الزمن، كما يقول مارتن هايدغر، هو أفق الكينونة، فإذا تجاوزته التجربة، صارت لحظةً مكثّفةً خارج القياس. “في العشق تستحق الحياة أن تُعاش بدون عناء.”، هذه العبارة الوجدانية تسجل موقفا أنطولوجيا دافقا. فالعشق كشف، أو ما يسميه ابن عربي “عين الجمع”، حيث يتوحّد الرائي والمرئي، ويغدو الغياب حضوراً مقلوباً. لذلك يتلوّى نزق الغياب في تأنيثٍ يتكلم المعجزات؛ أما التأنيث فليس جنساً، بل خصوبة وجودية، كما عند جوليا كريستيفا التي رأت في “الأمومي” طاقةً رمزية تتجاوز البيولوجيا. الأمّ التي “تغزل الغياب على نولها” هي استعارة للكتابة نفسها. إذ النسيج، كما عند رولان بارت، هو تعدّد الخيوط التي لا تعود إلى أصلٍ واحد.
الصوف ذريعة النسيج، والعشق خيطٌ مترحّل في الأغاني الملحونية والسماع؛ أي في ذاكرة جماعية تحفظ المعنى عبر الإنشاد لا عبر البرهان. غير أنّ هذا العشق لا يبقى في حدود الجماليات، بل يتطوّر إلى نجاة ميتافيزيقية. يصير “بصيرة للأعمى”، على نحو ما عبّر أفلوطين عن الرؤية الداخلية التي تتجاوز الحواس.
“لا أرى إلا بك” هي إعلان وحدة إدراكية، حيث الآخر يصبح شرط الرؤية، كما أنّ المرآة شرط معرفة الوجه. كما يتجلّى البعد الأعمق، كون الكتابة المجزأة والعشق الميتافيزيقي يلتقيان في نقطة واحدة، في الاعتراف بأن الحقيقة لا تُمتلك، بل تُعاش. بينما العالم، سواء قُرئ في مختبر الذرّة أو في محراب التأمل، لا ينكشف إلا في ومضات. والكتابة، حين تقبل هشاشتها، تتحوّل إلى بصيرة؛ لا تعالج العمى، بل تمنحه معنى.
هكذا يغدو النصّ فعلاً وجودياً: شذرةً تقاوم الاكتمال، وعشقاً يقاوم الزمن. وفي المسافة بينهما، يتكوّن أفقٌ جديد للرؤية—حيث لا نرى العالم كما هو، بل كما ينفتح فينا، وكما نغزله نحن على نول الغياب، خيطاً بعد خيط.
وفي الهزيع الأخير من الرحلة الشعرية، حيث تتخفف اللغة من يقينها وتشرع في الإصغاء إلى صدى خطاها المنسية، يبدو الشاعر وكأنه لا يكتب الأمكنة بقدر ما يسمح للأمكنة أن تكتب سيرته الخفية. فالأمكنة هنا ليست مجرد فضاءات جغرافية أو محطات عابرة في سرد الذاكرة، بل هي، بتعبير الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، "مستودعات للكينونة"، تحتفظ بما يتسرب من الذات أكثر مما تحتفظ بما يمر عبرها من وقائع وأحداث.
لذلك، حين يبلغ الشاعر تخوم "الكأس ما قبل الأخيرة"، لا يعلن نهاية المسار، بل يدشن بداية أخرى داخل متاهة الزمن. فالنهاية، كما علمنا بول ريكور، ليست سوى شكل من أشكال إعادة ترتيب الحكاية، وليست إغلاقاً نهائياً للمعنى. ومن هنا تأتي دلالة هذا الإصرار على أن "يبدأ من جديد"، لأن الشعر الحقيقي لا يعرف النهايات بقدر ما يعرف التحولات؛ إنه فن العودة الدائمة إلى الجرح الأول، إلى الطفولة التي لا تكف عن الهروب، وإلى الأمانة التي لا يستطيع الشاعر خيانتها حتى لو أراد.
في "مقهى القطار" يبدو الفضاء كاستعارة وجودية لذلك التوتر الدائم بين الرحيل والإقامة، بين ما نتركه خلفنا وما يواصل الإقامة فينا. وكأن الشاعر يعيد إنتاج ما سماه فالتر بنيامين "حزن الأمكنة الحديثة"، تلك الأمكنة التي لا تمنح الإنسان استقراراً بقدر ما تمنحه شعوراً متواصلاً بالمغادرة. فالقطار لا يقود إلى وجهة محددة بقدر ما يقود إلى فكرة السفر نفسها، إلى ذلك القلق الأنطولوجي الذي يجعل الإنسان معلقاً دائماً بين ما كان وما سيكون.
أما المرأة، والبحر، والساحة الكبرى، والكونتوار، فليست عناصر متفرقة داخل المشهد الشعري، بل علامات تتقاطع في نسيج رمزي واحد. إنها وجوه متعددة للغياب ذاته. وكأن الشاعر يستعيد هنا ما ذهب إليه رولان بارت حين اعتبر أن الكتابة ليست سوى مطاردة مستحيلة لما يفلت منا باستمرار. فالمرأة ليست امرأة بعينها، والبحر ليس بحراً محدداً، والساحة ليست مكاناً قائماً بذاته؛ كلها أسماء يبتكرها الغياب لكي يترك أثره داخل اللغة.
وحين "تطل الأميرة من نافذة المخفر"، فإن الصورة تبلغ ذروة كثافتها الرمزية. فالمخفر، بوصفه مكاناً للمراقبة والانضباط والسلطة، يتحول فجأة إلى نافذة على الحلم. والأميرة ليست شخصية واقعية، بل تجلٍّ شعري لما يسميه كارل غوستاف يونغ "الصورة الأصلية" المختبئة في لاوعي الإنسان؛ ذلك النداء البعيد الذي يوقظ الرغبة في العبور نحو أرض أخرى، نحو معنى آخر، نحو حياة لا تتحقق إلا في المخيلة.
إن الساعر أماش لا يتعامل مع الزمن كتعاقب خطي للأحداث، بل كطبقات متراكبة من الحضور والغياب. فهو يمشي، كما لو أنه يتكئ على "منسأة الزمن"، لكنه في الحقيقة لا يسير إلى الأمام ولا يعود إلى الخلف، بل يتحرك داخل دوائر الذاكرة، حيث يصبح النسيان نفسه شكلاً من أشكال التذكر. وأستحضر هنا تأملات ميلان كونديرا حول العلاقة الملتبسة بين الذاكرة والنسيان؛ فليس النسيان نقيض الذاكرة، بل أحد شروطها العميقة.
لهذا تبدو الأمكنة في الديوان كائنات حية أكثر منها ديكورات شعرية. إنها تنهض من ركام الزمن لتستعيد زخم تحولات الذات، وتعيد تشكيل المعنى كلما ظن القارئ أنه أمسك به. فالمكان لا يحفظ الذاكرة فقط، بل يعيد إنتاجها، ويجعلها قابلة للتأويل المستمر. ووفق ذلك، تنبع القيمة الجمالية والفلسفية لهذا المسار الشعري، حيث لا يكتب سيرة الأمكنة، بل يكتب سيرة الإنسان وهو يتبدد داخل أمكنته، ويبحث، وسط دهاليز الزمن والنسيان، عن تلك الكأس ما قبل الأخيرة التي لا تنتهي أبداً، لأنها في كل مرة تكون بداية جديدة لمعنى جديد.
*الكينونة المؤجلة بين المكان والمسافة:
إذا كانت العزلة، والعبور، والشمس، والأكياس المنهوبة، والغرفة المرقمة، والبحيرة العميقة، والخرائب، والنهر، والغصن الغريب، والقفص، والأجرام السماوية .. إلخ، تتناسل في ديوان "ليس لي مكان" بوصفها علامات شعرية متفرقة، فإنها في العمق لا تؤدي وظيفة الزخرفة المجازية، بل تنهض كأطياف أنطولوجية ترسم خرائط الوجود القلق. فهذه الأمكنة والأشياء لا تنتمي إلى جغرافيا خارجية بقدر ما تنتمي إلى تضاريس الذات وهي تتأمل هشاشتها، وتختبر غربتها في عالم يتآكل معناه باستمرار.
ذلك أن اللامكان، في هذا الديوان، ليس نفياً للمكان، بل هو أقصى درجات الحنين إليه. إنه ما يشبه "اليوتوبيا المقلوبة"؛ مكانٌ لا يتحقق إلا بقدر ما يظل بعيداً ومستحيلاً. وهنا نستحضر تأملات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر الذي رأى أن الإنسان ليس كائناً يستوطن الأمكنة بقدر ما هو كائن يبحث دائماً عن موطن للكينونة. فالوجود نفسه نوع من الإقامة المؤجلة، والإنسان مشروع عبور دائم نحو بيت لا يبلغه أبداً.
تكتسب عبارة "ليس لي مكان" كثافتها الفلسفية، من حيث كونها فقدان جغرافي واغتراب اجتماعي ، وحالة وجودية أعمق. حالة الكائن الذي يدرك أن كل مكان يسكنه مؤقت، وأن المعنى الحقيقي يقيم دائماً في مكان آخر. لذلك يصبح المجهول شرطاً للتأويل، لأن النص لا يمنح نفسه كاملاً للقارئ، بل يدعوه إلى مشاركة الشاعر قلقه وأسئلته وانكساراته.
تتبدى الطفولة في الديوان باعتبارها المكان الأكثر استعصاء على الاستعادة. فهذه الطفولة هي في الظاهر مرحلة زمنية منقضية، ولكنها أيضا، هي كما ما يسميه غاستون باشلار "البيت الأول للروح". إنها الفردوس المفقود الذي يواصل تشكيل وعينا حتى بعد رحيله. لذلك يقول الشاعر: "طفولتي تكاد تبتعد عني... تنفلت منها الأزمنة وتنفلت مني"؛ وكأن الذاكرة لم تعد قادرة على الإمساك بما تحاول استعادته، لأن الماضي نفسه صار كائناً متحركاً، لا صورة ثابتة في أرشيف الزمن.
إن الشعر في هذا النطاق، يلتقي مع ما ذهب إليه بول ريكور حين اعتبر أن الذاكرة ليست استرجاعاً للماضي كما كان، بل إعادة بناء له من داخل الحاضر. فالطفولة التي يتذكرها الشاعر ليست طفولته الواقعية، بل طفولة متخيلة أعادت اللغة تشكيلها. ولهذا تبدو حاضرة وغائبة في الآن نفسه؛ تنسل من بين الأصابع كلما أوشك أن يقبض عليها، ثم تعود لتطارده كظل لا يفارقه.
أما الأمكنة المتناثرة في الديوان ـ النهر، البحيرة، الخرائب، القفص، الغرفة ـ فليست سوى استعارات متحولة لهذا الوعي المنقسم بين الرغبة في الاستقرار وحتمية العبور. فالنهر، كما عند هيراقليطس، ليس مجرد ماء يجري، بل صورة للوجود الذي لا يتوقف عن التغير. والخرائب ليست بقايا عمران متهدم، بل آثار الزمن وهو يكتب سيرته على الأشياء. أما القفص، فهو الوجه الآخر للحرية؛ إذ لا ندرك معنى الانعتاق إلا حين نختبر حدود الأسر.
وتغدو عبارة "تحاصرني العيون، ترعبني، أرغب في أن تنسلخ عني كجلد قديم" لحظة انكشاف نادرة. إنها ليست شكوى ذاتية، بل تعبير عن مأزق الهوية نفسها. فالذات التي كانت تعتقد أنها تعرف نفسها تجد نفسها محاصرة بصورها القديمة، بذكرياتها، وبنظرات الآخرين إليها. يذكرني هذا النص بتأملات جان بول سارتر حول "نظرة الآخر" التي تجعل الإنسان موضوعاً خارج ذاته، وتدفعه إلى البحث المستمر عن حريته المهددة.
فالأمكنة في الديوان هي محطات لعبور لا ينتهي. إنها أمكنة تتحرك أكثر مما تستقر، وتتحول أكثر مما تتحدد. ولذلك فإن الشاعر لا يؤسس جغرافيا شعرية بقدر ما يؤسس ميتافيزيقا للتيه. تيهٌ لا يُراد منه الوصول، بل اكتشاف المعنى الكامن في الطريق ذاته.
إنها ليست أمكنة ضائعة، إنها ذوات تتعلم فن السكنى داخل فقدانها. فالمكان الحقيقي ليس ما نعثر عليه خارجنا، بل ما نصنعه من شظايا الذاكرة، ومن آثار الطفولة، ومن أحلام العبور التي لا تكف عن تأجيل الوصول. لذلك يظل اللامكان في هذا الديوان اسماً آخر للرغبة، ووجهاً آخر للبحث الأبدي عن وطن يسكن الروح أكثر مما يسكن الجغرافيا.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في العلاقة العميقة بين "الخطوة المنسية" و"ليس لي مكان"، هو أن الديوانين لا يفصل بينهما اختلاف الموضوع أو التجربة بقدر ما يجمعهما سؤال واحد يتخفّى خلف صور متعددة: سؤال المسافة بوصفها قدراً وجودياً. فالشاعر أماش لا يكتب المكان، بل يكتب ما يتبقى منه بعد أن يتحول إلى أثر، ولا يكتب الرحلة، بل ما يترسب في الروح من ارتجاجاتها. لذلك تبدو شذرات "الخطوة المنسية" وكأنها تمد جذورها داخل تربة "ليس لي مكان"، أو كأن الديوانين معاً يشكلان كتاباً واحداً عن التيه الإنساني في مواجهة المعنى.
إننا هنا لا نكون أمام شعر يصف الأمكنة، وإنما أمام شعر يجعل من المكان ذريعةً للبحث عن الكينونة. فالمكان في تجربة أماش ينوء عن حمل الجغرافيا، إلى ما يفوق السؤال الفلسفي. والمسافة ليست بعداً بين نقطتين، بل حالة وجودية بين الذات وما تتوق إليه. لذلك حين يعلن الشاعر أنه "مولع بالمسافات"، فهو لا يعبر عن شغف بالسفر أو الارتحال، بل يكشف عن وعي مأساوي بأن الإنسان لا يعيش إلا داخل مسافة ما؛ مسافة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الذاكرة والرغبة، بين الحضور والنقصان. تماما مثل ما تأمل ميلان كونديرا حين جعل من عبارة "الحياة في مكان آخر" استعارة كبرى للشرط الإنساني. فالكائن البشري محكوم دائماً بوهم المكان الآخر، والزمان الآخر، والحياة الأخرى. وما إن يبلغ ما كان يطمح إليه حتى يكتشف أن المعنى قد انسحب إلى أفق جديد. ولذلك يصبح الوجود نفسه سلسلة من المسافات المؤجلة.
وحين يكتب أماش.. "نبحث فينا. ما المركز؟ ما النقطة التي انطلقت منها سفينتنا؟" فإنه لا يطرح سؤالاً شعرياً شاردا، إنه يعيد إحياء أحد أقدم الأسئلة الفلسفية: سؤال الأصل. ذلك اللغز الذي يزداد غموضاً كلما اقتربنا منه. وهذا ما يجعل أصداء الورطة تجيب : "سيقان الخيال... جسر إلينا حيث كنا، وأنى نكون."
إن الخيال هنا ليس هروباً من الواقع كما ظن التقليد العقلاني، بل هو، كما رأى غاستون باشلار، أداة للنفاذ إلى أعماق الوجود. فكل بحث عن الجذور هو في النهاية بحث متخيل، لأن الجذور نفسها لم تعد قائمة في الواقع، وإنما في الصور التي نصنعها عنها. ولهذا يغدو الخيال جسراً بين ما فقدناه وما لا نستطيع امتلاكه.
أما قول الشاعر: "كلانا يبحث عن جذوره في عين الدائرة" فتقودنا إلى تصور دائري للوجود، قريب مما عبر عنه فريدريش نيتشه في فكرة "العود الأبدي". فالبحث لا ينتهي إلى اكتشاف نهائي، بل يعود دائماً إلى نقطة البدء. وكل وصول هو شكل جديد من أشكال التيه. والدائرة هنا ليست رمزاً للكمال، بل رمزاً لاستحالة الخروج من السؤال.
وعندما يتحدث الشاعر عن "الفاكهة المسمومة في حدائق متوحشة" أو "حلمة مجروحة في ثدي الذاكرة" فإنه يضع القارئ أمام صور تتجاوز بعدها الجمالي لتدخل منطقة الأنطولوجيا. فالذاكرة ليست مخزناً للأحداث، بل جسداً حياً يحمل آثار الجراح. نتذكر هنا بول ريكور الذي رأى أن الذاكرة لا تستعيد الماضي كما كان، بل تعيد تشكيله وفق جراح الحاضر وأسئلته.
ومن ثم فإن البحيرة ذات العمق "1957 قدماً" لا تحيل على قياس فيزيائي بقدر ما تحيل على عمق داخلي يصعب سبر غوره. إنها استعارة للذات نفسها. فالإنسان، كما يقول كارل غوستاف يونغ، يحمل في أعماقه بحيرة من الرموز والصور البدئية التي لا يظهر منها على السطح إلا القليل. وكل كتابة حقيقية هي محاولة للنزول إلى ذلك العمق المظلم حيث تتجاور الذاكرة مع الحلم، والرغبة مع الخوف.
لهذا يبدو الشاعر في الديوانين معاً وكأنه يطارد الفراغ لا ليملأه، بل ليصغي إلى ما يقوله. فالفراغ بعيدا عن العدمية هو "إمكانية"، ذلك الأفق المفتوح الذي يسمح للمعنى بأن يتشكل باستمرار. وهنا تتقاطع تجربته مع رؤية مارتن هايدغر الذي اعتبر أن الإنسان لا يسكن العالم عبر امتلاك الأشياء، بل عبر الانفتاح على ما يتوارى خلفها.
إن خلاصة هذه التجربة الشعرية، أن المسافات ليست عوارض خارجية في حياة الإنسان، بل هي جوهر وجوده نفسه. نحن لا نعيش داخل الأمكنة بقدر ما نعيش داخل المسافات التي تفصلنا عنها. وما نسميه وطناً أو ذاكرة أو حباً أو طفولة ليس سوى أسماء مختلفة لتلك المسافة الأصلية التي لا يمكن ردمها.
لذلك فإن "الخطوة المنسية" و"ليس لي مكان" لا يرويان حكاية شاعر يبحث عن مكان ضائع، بل يقدمان رؤية فلسفية عميقة ترى أن الإنسان كائن مسافة قبل أن يكون كائن مكان؛ وأن الحقيقة الوحيدة التي يمكن الإمساك بها ليست الوصول، بل مواصلة العبور. فالمسافات المستعارة، كما يوحي أماش، ليست وهما نلجأ إليه، بل هي الشكل الأكثر صدقا لوجودنا في هذا العالم.
ــــــــــــــــ
*"الخطوة المنسية"، جمال أماش ـ دار النشر تيفناغ، مراكش ـ ط1 / 2026
ـ "ليس في مكان"، جمال أماش ـ بيت الشعر بالمغرب، الرباط ـ ط1 / 2026