رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
الحلقة الثالثة
عندما وُلدت المسافة
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
يغلقون الابواب .
امرأة تضع المفتاح في جيب ثوبها.
رجل يلتفت للمرة الأخيرة.
طفل يسأل:
"متى سنرجع؟"
يجيبه الرجل، وهو يحاول أن يخفي خوفه:
"بعد أيام."
ثم يمضون.
ولا يعود أحد.
لم تكن تلك الحكاية حكاية بيت واحد.
كانت حكاية آلاف البيوت التي أُغلقت في الوقت نفسه.
آلاف المفاتيح التي خرجت من الأبواب وهي تظن أنها ستعود بعد أيام.
وآلاف العائلات التي لم تكن تعرف أنها لا تغادر بيوتها فقط... بل تغادر العالم الذي كانت تعرفه.
في الحلقة الماضية، رأينا مجتمعًا استطاع، في ثورة 1936، أن يتحول من أصوات متفرقة إلى إرادة واحدة.
ورأينا كيف ولدت القيادة من تلك الإرادة، لا فوقها.
لم تكن القيادة يومها بعيدة عن الناس.
كانت بينهم.
تعرف وجوههم.
وتسمع أصواتهم.
وتعيش ما يعيشونه.
لكن الطريق الذي بدأ من باب ذلك البيت المغلق...
لم يكن يقود إلى قرية أخرى.
كان يقود إلى حياة أخرى.
كان الناس يمشون... والطريق وحده هو الذي يقرر.
كل من يقابل الآخر يسأله السؤال نفسه:
إلى أين؟
ولا أحد يملك جوابًا.
وبين حين وآخر، كان أحدهم يتوقف ليسأل عن قريب، أو عن جار، أو عن عائلة خرجت معه في الصباح.
كانت الأسماء تتردد أكثر من أسماء المدن:
"هل رأيتم آل فلان؟"
"هل خرج أهل الحارة؟"
"هل وصلت عائلة أبي أحمد؟"
ثم يبدأ العدّ...
من بقي؟
ومن فُقد؟
ومن لا أحد يعرف أين انتهى به الطريق؟
كانت يافا تفرغ من أهلها.
وحيفا تودع أبناءها.
وعكا تفتح أبوابها على الرحيل.
واللد والرملة والقرى والبلدات المحيطة بها تتشظى في ساعات قليلة.
وعند مفترق الطريق، لم يكن الناس يختارون مستقبلهم...
كانوا يختارون الاتجاه الذي ما زال مفتوحًا.
فمضى بعضهم نحو غزة.
ولاذ آخرون بمدن الضفة الغربية وقراها.
وعبر كثيرون نهر الأردن.
ومضت عائلات أخرى شمالًا إلى لبنان وسوريا.
وفي لحظات قليلة، انقسمت العائلة الواحدة إلى أربعة اتجاهات.
أخ في غزة.
وأخ في الضفة.
وأخت في عمّان.
وعمّ في لبنان.
وخال في سوريا.
ولم يكن أحد منهم يعلم أن هذا الوداع، الذي ظنه أيامًا أو أسابيع، سيصبح عمرًا كاملًا.
وهكذا، لم تتشظَّ الجغرافيا الفلسطينية وحدها...
بل تشظى المجتمع نفسه.
وللمرة الأولى، لم يعد الفلسطيني يعيش التجربة نفسها التي يعيشها الفلسطيني الآخر.
القرى التي كانت تعرف بعضها، انقطعت.
والمدن التي كانت تلتقي كل صباح، افترقت.
والطرق التي كانت تصل الناس ببعضهم، أصبحت طرقًا للهروب.
لم يكن الضياع في الطريق وحده.
كان الضياع في الإحساس بأن كل ما كان ثابتًا، لم يعد ثابتًا.
في الأمس، كان الإنسان يعرف أين يجد أبناء قريته.
ويعرف أين يذهب إذا أراد أن يسمع خبرًا.
ويعرف أين يجد من يناقشه، ومن يختلف معه، ومن يعمل معه.
أما الآن...
فكل واحد يسأل عن الآخر.
ولا أحد يعرف أين أصبح الآخر.
ولأول مرة...
لم يعد السؤال:
ماذا سنفعل غدًا؟
بل أصبح:
أين نحن؟
وقد يبدو هذا سؤالًا بسيطًا.
لكنه لم يكن سؤالًا عن المكان.
كان سؤالًا عن المجتمع نفسه.
فالمجتمع لا يعيش فقط لأن أفراده موجودون.
بل لأنه يعرف كيف يصل بعضه إلى بعض.
وحين انقطعت الطرق...
لم تنقطع طرق السفر فقط.
انقطعت طرق اللقاء.
ولم يكن أحد يومها يفكر في معنى الشرعية.
ولا في تعريف القيادة.
ولا في شكل المؤسسات.
كان الناس يبحثون عن الماء.
وعن الخبز.
وعن خيمة.
وعن طفل ضاع في الطريق.
لكن التاريخ، أحيانًا، يغيّر الأشياء الكبرى بينما ينشغل الناس بالأشياء الصغيرة.
شيئًا فشيئًا...
بدأ الفلسطيني يكتشف أن أصعب ما فقده، لم يكن البيت وحده.
كان القرب.
القرب الذي كان يجمع المجتمع بقيادته.
والناس ببعضهم.
والقرية بالمدينة.
والفكرة بالفعل.
لم يعد أحد قريبًا من أحد كما كان.
ولم يحدث ذلك لأن أحدًا أراده.
بل لأن الجغرافيا نفسها تمزقت.
وحين تتمزق الجغرافيا...
تبدأ العلاقات كلها في التغير.
وربما لهذا السبب...
لم تولد المسافة بين المجتمع وقيادته من قرار سياسي.
ولم تصنعها خلافات الأحزاب.
بل ولدت يوم أصبح المجتمع نفسه موزعًا على خرائط متعددة، وحدود متعددة، ومنافي متعددة.
فكيف يمكن لعلاقة كانت تعيش في مكان واحد...
أن تبقى كما هي بعد أن فقدت المكان؟
لم يكن أحد يملك جوابًا.
لكن الجميع كانوا يعيشون السؤال.
ومن داخل هذا السؤال...
بدأ الفلسطينيون، كل في مكانه، يحاولون أن يعيدوا ترتيب حياتهم.
لا لأنهم نسوا بيوتهم.
بل لأن الحياة، رغم كل شيء، كانت تمضي.
وكان لا بد للمجتمع أن يجد طريقًا ليعيد وصل ما انقطع.
هنا...
لا تنتهي حكاية النكبة.
بل تبدأ حكاية أخرى.
حكاية مجتمع لم يعد يبحث فقط عن وطنه...
بل يبحث أيضًا عن الطريق الذي يعيد به بناء علاقته بنفسه، وبقيادته، وبفكرته الأولى.
وهنا يولد سؤال الحلقة القادمة...
إذا كانت النكبة قد شتّتت المجتمع الفلسطيني ووسّعت المسافة بين أجزائه وبين قيادته، فكيف استطاع الفلسطينيون أن يعيدوا جمع أنفسهم، وأن يبنوا من المنافي علاقة وطنية جديدة؟
يُتبع...
يحيى بركات
6/8/2026
رابط الحلقة الثانيه
الحلقة الثالثة
عندما وُلدت المسافة
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
يغلقون الابواب .
امرأة تضع المفتاح في جيب ثوبها.
رجل يلتفت للمرة الأخيرة.
طفل يسأل:
"متى سنرجع؟"
يجيبه الرجل، وهو يحاول أن يخفي خوفه:
"بعد أيام."
ثم يمضون.
ولا يعود أحد.
لم تكن تلك الحكاية حكاية بيت واحد.
كانت حكاية آلاف البيوت التي أُغلقت في الوقت نفسه.
آلاف المفاتيح التي خرجت من الأبواب وهي تظن أنها ستعود بعد أيام.
وآلاف العائلات التي لم تكن تعرف أنها لا تغادر بيوتها فقط... بل تغادر العالم الذي كانت تعرفه.
في الحلقة الماضية، رأينا مجتمعًا استطاع، في ثورة 1936، أن يتحول من أصوات متفرقة إلى إرادة واحدة.
ورأينا كيف ولدت القيادة من تلك الإرادة، لا فوقها.
لم تكن القيادة يومها بعيدة عن الناس.
كانت بينهم.
تعرف وجوههم.
وتسمع أصواتهم.
وتعيش ما يعيشونه.
لكن الطريق الذي بدأ من باب ذلك البيت المغلق...
لم يكن يقود إلى قرية أخرى.
كان يقود إلى حياة أخرى.
كان الناس يمشون... والطريق وحده هو الذي يقرر.
كل من يقابل الآخر يسأله السؤال نفسه:
إلى أين؟
ولا أحد يملك جوابًا.
وبين حين وآخر، كان أحدهم يتوقف ليسأل عن قريب، أو عن جار، أو عن عائلة خرجت معه في الصباح.
كانت الأسماء تتردد أكثر من أسماء المدن:
"هل رأيتم آل فلان؟"
"هل خرج أهل الحارة؟"
"هل وصلت عائلة أبي أحمد؟"
ثم يبدأ العدّ...
من بقي؟
ومن فُقد؟
ومن لا أحد يعرف أين انتهى به الطريق؟
كانت يافا تفرغ من أهلها.
وحيفا تودع أبناءها.
وعكا تفتح أبوابها على الرحيل.
واللد والرملة والقرى والبلدات المحيطة بها تتشظى في ساعات قليلة.
وعند مفترق الطريق، لم يكن الناس يختارون مستقبلهم...
كانوا يختارون الاتجاه الذي ما زال مفتوحًا.
فمضى بعضهم نحو غزة.
ولاذ آخرون بمدن الضفة الغربية وقراها.
وعبر كثيرون نهر الأردن.
ومضت عائلات أخرى شمالًا إلى لبنان وسوريا.
وفي لحظات قليلة، انقسمت العائلة الواحدة إلى أربعة اتجاهات.
أخ في غزة.
وأخ في الضفة.
وأخت في عمّان.
وعمّ في لبنان.
وخال في سوريا.
ولم يكن أحد منهم يعلم أن هذا الوداع، الذي ظنه أيامًا أو أسابيع، سيصبح عمرًا كاملًا.
وهكذا، لم تتشظَّ الجغرافيا الفلسطينية وحدها...
بل تشظى المجتمع نفسه.
وللمرة الأولى، لم يعد الفلسطيني يعيش التجربة نفسها التي يعيشها الفلسطيني الآخر.
القرى التي كانت تعرف بعضها، انقطعت.
والمدن التي كانت تلتقي كل صباح، افترقت.
والطرق التي كانت تصل الناس ببعضهم، أصبحت طرقًا للهروب.
لم يكن الضياع في الطريق وحده.
كان الضياع في الإحساس بأن كل ما كان ثابتًا، لم يعد ثابتًا.
في الأمس، كان الإنسان يعرف أين يجد أبناء قريته.
ويعرف أين يذهب إذا أراد أن يسمع خبرًا.
ويعرف أين يجد من يناقشه، ومن يختلف معه، ومن يعمل معه.
أما الآن...
فكل واحد يسأل عن الآخر.
ولا أحد يعرف أين أصبح الآخر.
ولأول مرة...
لم يعد السؤال:
ماذا سنفعل غدًا؟
بل أصبح:
أين نحن؟
وقد يبدو هذا سؤالًا بسيطًا.
لكنه لم يكن سؤالًا عن المكان.
كان سؤالًا عن المجتمع نفسه.
فالمجتمع لا يعيش فقط لأن أفراده موجودون.
بل لأنه يعرف كيف يصل بعضه إلى بعض.
وحين انقطعت الطرق...
لم تنقطع طرق السفر فقط.
انقطعت طرق اللقاء.
ولم يكن أحد يومها يفكر في معنى الشرعية.
ولا في تعريف القيادة.
ولا في شكل المؤسسات.
كان الناس يبحثون عن الماء.
وعن الخبز.
وعن خيمة.
وعن طفل ضاع في الطريق.
لكن التاريخ، أحيانًا، يغيّر الأشياء الكبرى بينما ينشغل الناس بالأشياء الصغيرة.
شيئًا فشيئًا...
بدأ الفلسطيني يكتشف أن أصعب ما فقده، لم يكن البيت وحده.
كان القرب.
القرب الذي كان يجمع المجتمع بقيادته.
والناس ببعضهم.
والقرية بالمدينة.
والفكرة بالفعل.
لم يعد أحد قريبًا من أحد كما كان.
ولم يحدث ذلك لأن أحدًا أراده.
بل لأن الجغرافيا نفسها تمزقت.
وحين تتمزق الجغرافيا...
تبدأ العلاقات كلها في التغير.
وربما لهذا السبب...
لم تولد المسافة بين المجتمع وقيادته من قرار سياسي.
ولم تصنعها خلافات الأحزاب.
بل ولدت يوم أصبح المجتمع نفسه موزعًا على خرائط متعددة، وحدود متعددة، ومنافي متعددة.
فكيف يمكن لعلاقة كانت تعيش في مكان واحد...
أن تبقى كما هي بعد أن فقدت المكان؟
لم يكن أحد يملك جوابًا.
لكن الجميع كانوا يعيشون السؤال.
ومن داخل هذا السؤال...
بدأ الفلسطينيون، كل في مكانه، يحاولون أن يعيدوا ترتيب حياتهم.
لا لأنهم نسوا بيوتهم.
بل لأن الحياة، رغم كل شيء، كانت تمضي.
وكان لا بد للمجتمع أن يجد طريقًا ليعيد وصل ما انقطع.
هنا...
لا تنتهي حكاية النكبة.
بل تبدأ حكاية أخرى.
حكاية مجتمع لم يعد يبحث فقط عن وطنه...
بل يبحث أيضًا عن الطريق الذي يعيد به بناء علاقته بنفسه، وبقيادته، وبفكرته الأولى.
وهنا يولد سؤال الحلقة القادمة...
إذا كانت النكبة قد شتّتت المجتمع الفلسطيني ووسّعت المسافة بين أجزائه وبين قيادته، فكيف استطاع الفلسطينيون أن يعيدوا جمع أنفسهم، وأن يبنوا من المنافي علاقة وطنية جديدة؟
يُتبع...
يحيى بركات
6/8/2026
رابط الحلقة الثانيه