علجية عيش.. أكاديمية الثقافة السُّنَنِيّة للتجديد الحضاري واقع و آفاق

مختصون .. أيُّ مشروع فكريٍّ لا ينجح و ينضج إلا بالمراجعات النقدية البناءة

هناك العديد من القضايا التي ثار حولها جدلا بل صراعا عميقا بين الحداثيين و الأصوليين و ما يطرحونه من أفكار تتناقض مع الواقع الراهن، و العالم يشهد تغيرات و تحديات على كل الأصعدة و المستويات العالمية، فهل يبقى من نسميهم بالمفكرين و النخب الثقافية يدورون في حلقة مغلقة، بحيث لم يجدوا أجوبة لأسئلتهم التي يطرحونها و يجسدونها في ارض الواقع، و السننية كما جاء التعريف بها هي مؤسسة فكرية ثقافية تربوية اجتماعية عامة مستقلة، تهتم بالمعرفة والثقافة السننية، من أجل تعميم الوعي في المجتمع، باعتبار المعرفة والثقافة السننية يشكلان معا، الطريق الصحيح للنهضة الحضارية المتوازنة، مع فتح المجال أمام كل الطاقات التي تهمها نهضة المجتمع والأمة والإنسانية عامة، للإشارة أن هذه الجامعة الصيفية هي في طبعتها الثانية و كان موضوع الطبعة الأولى الذي نظم منذ ينتين حول (النهضة الحضارية والثقافة السننية )
يطرح باحثون وطلبة و إطارات جامعية و المهتمين بقضايا التجديد الحضاري والنهضة الفكرية المتوازنة، أسئلة كثيرة و بوزن ثقيل في الجامعة الصيفية الثانية ، نظمتها أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري بالتنسيق مع جمعية " إيزوران" بالجزائر ، و جاء موضوع الجامعة الصيفية تحت عنوان: "مدارسة تقييميّة لآفاق منظور السننية الشاملة"، تحت إشراف رئيس الأكاديمية الدكتور عبد الله لعريبي، تأتي هذه الجامعة الصيفية حسبه في سياق استكمال المسار العلمي والمعرفي الذي رسّخت الأكاديمية معالمه منذ تأسيسها، الغاية منها الانتقال من مرحلة التعريف بمنظور السننية الشاملة إلى مرحلة المُدَارسة التقييمية، التي تختبر أسئلته وإمكاناته وحدوده وآفاقه، في ضوء مقتضيات البحث العلمي الرصين، فأي مشروعٍ فكري لا ينجح و ينضج إلا بالمراجعات النقدية البناءة، وأن المشاريع التي لا تمتلك شجاعة مساءلة ذاتها سرعان ما تفقد قدرتها على التجدد والعطاء، ما ميز هذه التظاهرة الفكرية حضور وجوه معروفة في الساحة على غرار الدكتور الطيب برغوث، و الدكتور محمد سعيد مولاي و أسماء اخرى عبروا فيها مدى حاجة الأمة الإسلامية إلى منظور السننية الشاملة في كل مناحي الحياة ، و المنظور عندهم ليس أطروحة مغلقة، بل مشروع علمي مفتوح على السؤال والنقد والتطوير، وأن الحاجة إليه تنبع من رغبة الأمة في بناء نهضة متوازنة، متحررة من الإسقاطات الفكرية الوافدة، وقادرة على استلهام سنن الله في الكون والتاريخ.

كما أن المنظور يقدّم قدرة تفسيرية عالية لفهم تحولات المجتمعات، ويمثل أداة منهجية لاستشراف المستقبل في ضوء السنن الحضارية الثابتة والمتغيرة، كانت هناك أجوبة على أسئلة لطالما أصرّ الباحثون على طرحها في كل لقاء فكري معرفي لمعرفة من أين يستمد هذا المنظور مرجعيته المعرفية؟ وكيف يوفق بين الوحي والعقل والواقع في بناء المعرفة السننية؟، فطبيعة البنية المعرفية في منظورهم تمثل العمود الفقري لأي مشروع فكري، وأن السننية الشاملة تستند إلى مرجعية تتكامل فيها النصوص الشرعية مع قوانين الاجتماع البشري، وفق منهج يستوعب المتغيرات دونإهمال الثوابت ، لاسيما و أن الخطاب السُّنَنِي تربطه علاقة بين الوصفي والمعياري ، و هذا يطرح سؤال آخر لمعرفة إن أمكن تحويل "المعارف السننية" إلى نسق معرفي متكامل له أسسه الإبستمولوجية ومنطقه الداخلي في إنتاج المعرفة، و هي تتمثل في القوانين الثابتة التي تدير الكون، والمجتمعات، والتاريخ، والنفس البشرية ، كما تهدف إلى ربط الأسباب بمسبباتها لتوجيه الفعل الإنساني نحو الإصلاح وبناء الحضارة، هي المحاضرة التي قدمها الدكتور عمر حيدوسي دارت حول سؤال الجهاز المفهومي ( المفاهيمي) باعتباره شبكة أو نسق مترابط ومتناسق من المفاهيم والمصطلحات التي يتبناها الباحث أو المفكر لبناء نظرية علمية، أو تحليل ظاهرة معينة، أو مناقشة إشكالية فكرية وفلسفية بطريقة واضحة ودقيقة.

فالمفاهيم كما يتم تعريفها تتصل بعضها كشبكة واحدة ولا تعمل بشكل منفصل، و بالتالي فتحديدها ( اي المفاهيم) من شانه ضمان فهم أيُّ خطاب سواء كان علمي، فلسفي أو خطاب ديني ، و قد ركز المحاضر كما جاء في التقرير على أهمية المفهوم كأداة أساسية للتفكير النظري وبناء النظريات، السؤال الذي يطرحه الدكتور حيدوسي هو كالتالي: هل يمتلك منظور السننية الشاملة جهازا مفهوميا متماسكا و واضح الحدود؟ وهل توجد فيه هرمية مفهومية تنظم العلاقات بين مفاهيمه الأساسية؟ فنجاح أي مشروع معرفي يتوقف على تحرير مفاهيمه من الاستعمالات الخطابية والوعظية، وتحويلها إلى أدوات علمية دقيقة قابلة للتفسير والتحليل، مقدما عرضًا نقديًّا لأبرز مفاهيم السننية الشاملة (كالسنة، العدل، الاستخلاف، التزكية، العمران، وغيرها)، مع اختبار مدى انضباطها وقدرتها على إنتاج المعرفة، إلا أن الجهاز المفهومي في رأيه هو بحاجة إلى ضبط المفاهيم و تحديد المصطلحات في ضوء مناهج التحليل المفهومي المعاصرة، وعلى هامس الجلسات الرسمية نوقشت مواضيع أخرى ذات صلة ، مثل جدلية الكُلِّي والجزئي في استخراج السنن، وأثر ذلك في فهم التطبيقات المعاصرة للمنظور، وكيفية التعامل مع الإرث الاصطلاحي في ضوء التجديد، و علاقة السننية الشاملة بفلسفة التاريخ ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية.

وقد توقف المتدخلون عند نقاط الالتقاء والقطيعة مع المناهج الغربية الكبرى، مع التركيز على دور المؤسسات الأكاديمية والجمعيات العلمية في نشر وتطوير السننية الشاملة، وأهمية بناء فرق بحثية متخصصة لمختلف مجالات السننية، التوصيات التي خرج بها المشاركون في هذه الجامعة هي العمل على تطوير الجهاز المفهومي للمنظور من خلال مشاريع بحثية اصطلاحية ولسانية، تعزيز البعد المنهجي الإجرائي، بحيث يصبح المنظور قابلاً للتدريس والتطبيق في الجامعات والمعاهد.تشجيع بناء فرق بحثية متخصصة في تطبيقات السننية الشاملة في مختلف القطاعات: التعليم، الاقتصاد، السياسة، الاجتماع، الثقافة، ما يلاحظ هنا أنه في كل ملتقى أو تظاهرة ثقافية يتم طرح أسئلة حول قضايا تُقْحَمُ فيها مسألة التقليد و التجديد أو الحداثة و الأصالة إن صح التعبير، و هي القضايا التي ثار حولها نقاش عقيم ، تحول إلأى صراع بين الحداثيين و الأصوليين و ما يطرحونه من أفكار تتناقض مع الواقع الراهن، خاصة ما تعلق بالحداثة و القراءات المعاصرة للنص الديني، في ظل ما يشهده العالم من تغيرات و تحديات على كل الأصعدة و المستويات العالمية.

فهل يبقى من نسميهم بالمفكرين و النخب الثقافية يدورون في حلقة مغلقة، بحيث لم يجدوا أجوبة لأسئلتهم التي يطرحونها و ربما طرحها من سبقوهم و سيكررها غيرهم من الأجيال التي تأتي بعدهم ، يحاول التراثيون فرض ما سبق تداوله في الماضي أي الخلفاء، في حين يسعى العقلانيون إلى تجديد التفكير الديني بما يتوافق مع العصر الذي يشهد تطورا سريعا ، و هذا لا يعني ترك الماضي، و لكن إعادة قراءته و تجديده، و هذا متوقف على دور المؤسسات الأكاديمية والجمعيات العلمية في نشر وتطوير السننية الشاملة؟ " أم أن هذه اللقاءات أو الجامعات الصيفية هي مجرد سياحة و لقاء تعارف أو لمجاملة فلان و علان وتقديم تكريمات و ما شابه ذلك، دون تمحيص القضايا الحساسة المعاصرة ، فما نراه هنا و هناك سوى خطابات " مُسَيَّسة ، كل جهة تسعى لتلميع صورة شخصية ما دون ممارسة النقد الذاتي و النقد البناء لخدمة الصالح العام؟، خاصة و أن الأكاديمية من أهدافها المساهمة في بناء الوعي المعرفي والثقافي والتربوي السنني المتوازن، الذي يخلِّص الأجيال و المجتمع والأمة من المعرفة والثقافة التجزيئية والخطاب التنافري والاستلابي والتلفيقي، ويمكِّنها من المعرفة والثقافة السننية المتوازنة، بكل ما تتسم به من الأصالة والمقاصدية والفعالية والتكاملية والتوازن والإبداعية، والقدرة على الاطراد التاريخي الطويل المدى.
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...