في بدايات الطريق، لا يعرف الكاتب شيئا عن الشهرة ولا يفكر في عدد القراء ولا ينشغل بمن سيصفق له أو بمن سينتقده كانت الكلمات تخرج منه خفيفة، دافئة صادقة، تشبه ضحكة طفل اكتشف العالم للتو، أو مطرا هادئا يعانق أرضا عطشى
تبدأ الكتابة، شيئًا فشيئًا، في فقدان براءتها الأولى. يتحول النص من مساحة حرية إلى ساحة اختبار، ويصبح الكاتب أسيرًا لنظرات الآخرين، يزن كل جملة بميزان الإعجاب ويقيس كل فكرة بعدد التصفيقات، حتى يغدو القلم أداة لإثبات الذات أكثر من كونه وسيلة للبوح. وهنا تبدأ الرحلة الأصعب رحلة الابتعاد عن النفس.
فالمصيبة ليست أن يجف قلم الكاتب بل أن يجف قلبه وهو يكتب فالجفاف الحقيقي لا يعني غياب الأفكار، بل غياب تلك اللذة الخفية التي كانت تجعل الحروف تنبض بالحياة. حين تتحول الكتابة إلى واجب ثقيل، أو إلى سباق محموم مع النجاح، فإنها تفقد جوهرها، لأن النصوص العظيمة لم تُولد من الخوف بل وُلدت من الفرح، ومن الدهشة، ومن ذلك الشعور العميق بأن الكتابة مكافأة للروح قبل أن تكون رسالة للناس
ولعل التحول النفسي الذي يمر به الكاتب هو أكثر التحولات خفاء ففي البداية كان يكتب لأنه يحب الكتابة ثم أصبح يكتب لأنه يخشى أن يتوقف، ثم وجد نفسه يكتب لأنه يخشى أن ينساه الناس. وبين الحب والخوف تضيع المسافة التي كانت تمنحه صدقه الأول
أما التحول التاريخي فهو ليس بعيدًا عن هذه الحكاية ففي زمن الرسائل الورقية والدفاتر القديمة كانت الكلمات تنضج على مهل وتجد طريقها إلى القلوب دون استعجال. أما اليوم، فقد أصبحت الكتابة محاصرة بإيقاع سريع، ومنصات لا تمنح النص وقتًا ليتنفس وأرقام تختزل قيمة الكاتب في تفاعل عابر، حتى صار كثيرون يكتبون لإرضاء الخوارزميات أكثر مما يكتبون لإرضاء ضمائرهم
ومن الناحية الرمزية، تبدو الكتابة كطائر كان يحلق بحرية في فضاء مفتوح، ثم وجد نفسه داخل قفص ذهبي. القفص يلمع، لكنه يظل قفصًا. فالنجاح قد يمنح الكاتب جمهورًا، لكنه لا يمنحه بالضرورة سلامًا داخليًا. والسلام هو الهواء الذي لا تستطيع الكتابة أن تعيش بدونه
ولذلك ضرورة أن يعود الكاتب إلى الورقة دون أن يفكر بمن سيقرأ، وأن يسمح للجملة أن تولد كما تشاء، لا كما يتوقع الآخرون أن يكتب لأن قلبه امتلا لا لأن صفحته تحتاج منشورًا جديدًا. وأن يتصالح مع حقيقة بسيطة لكنها عميقة وهي أن النص الصادق يصل متأخرًا خير من نص متكلف يصل سريعا
إن الخوف من الحكم هو أكثر السجون ضيقًا. فهو يجعل الكاتب يحذف أجمل ما في روحه قبل أن يقرأه أحد، ويقنعه بأن الكمال شرط للنشر، مع أن أعظم النصوص الإنسانية لم تكن كاملة، بل كانت صادقة. والصدق وحده هو الذي يمنح الكلمات قدرتها على البقاء
لذلك، لا ينبغي أن يسأل الكاتب نفسه كل صباح: هل سأحقق نجاحًا بهذا النص؟ بل ليسأل سؤالًا آخر أكثر أهمية هل شعرت بالسعادة وأنا أكتبه؟ فإن كانت الإجابة نعم، فقد ربح قبل أن ينشر، وقبل أن يقرأه أحد
فالكتابة الحقيقية لا تبدأ عندما يمسك الإنسان بالقلم بل تبدأ عندما يتصالح مع روحه، ويتحرر من عبء المقارنة، ومن خوف الأحكام، ومن وهم الكمال. عندها فقط تصبح الكلمات امتدادًا طبيعيًا للحياة، لا وسيلة لإثباتها.
في الختام سيكتشف كل كاتب، مهما طال به الطريق أن أجمل النصوص لم تكن تلك التي صنعت له المجد بل تلك التي منحته سلاما داخليا وهو يكتبها. فالسعادة ليست جائزة تنتظر الكاتب في نهاية الرحلة، بل هي الخطوة الأولى التي ينبغي أن يبدأ بها ومن دونها، قد تُكتب آلاف الصفحات، لكنها تظل عاجزة عن أن تلامس قلبا واحدا لأن الكتابة التي لا تُولد من فرح يصعب عليها أن تمنح الفرح لأحد !!
تبدأ الكتابة، شيئًا فشيئًا، في فقدان براءتها الأولى. يتحول النص من مساحة حرية إلى ساحة اختبار، ويصبح الكاتب أسيرًا لنظرات الآخرين، يزن كل جملة بميزان الإعجاب ويقيس كل فكرة بعدد التصفيقات، حتى يغدو القلم أداة لإثبات الذات أكثر من كونه وسيلة للبوح. وهنا تبدأ الرحلة الأصعب رحلة الابتعاد عن النفس.
فالمصيبة ليست أن يجف قلم الكاتب بل أن يجف قلبه وهو يكتب فالجفاف الحقيقي لا يعني غياب الأفكار، بل غياب تلك اللذة الخفية التي كانت تجعل الحروف تنبض بالحياة. حين تتحول الكتابة إلى واجب ثقيل، أو إلى سباق محموم مع النجاح، فإنها تفقد جوهرها، لأن النصوص العظيمة لم تُولد من الخوف بل وُلدت من الفرح، ومن الدهشة، ومن ذلك الشعور العميق بأن الكتابة مكافأة للروح قبل أن تكون رسالة للناس
ولعل التحول النفسي الذي يمر به الكاتب هو أكثر التحولات خفاء ففي البداية كان يكتب لأنه يحب الكتابة ثم أصبح يكتب لأنه يخشى أن يتوقف، ثم وجد نفسه يكتب لأنه يخشى أن ينساه الناس. وبين الحب والخوف تضيع المسافة التي كانت تمنحه صدقه الأول
أما التحول التاريخي فهو ليس بعيدًا عن هذه الحكاية ففي زمن الرسائل الورقية والدفاتر القديمة كانت الكلمات تنضج على مهل وتجد طريقها إلى القلوب دون استعجال. أما اليوم، فقد أصبحت الكتابة محاصرة بإيقاع سريع، ومنصات لا تمنح النص وقتًا ليتنفس وأرقام تختزل قيمة الكاتب في تفاعل عابر، حتى صار كثيرون يكتبون لإرضاء الخوارزميات أكثر مما يكتبون لإرضاء ضمائرهم
ومن الناحية الرمزية، تبدو الكتابة كطائر كان يحلق بحرية في فضاء مفتوح، ثم وجد نفسه داخل قفص ذهبي. القفص يلمع، لكنه يظل قفصًا. فالنجاح قد يمنح الكاتب جمهورًا، لكنه لا يمنحه بالضرورة سلامًا داخليًا. والسلام هو الهواء الذي لا تستطيع الكتابة أن تعيش بدونه
ولذلك ضرورة أن يعود الكاتب إلى الورقة دون أن يفكر بمن سيقرأ، وأن يسمح للجملة أن تولد كما تشاء، لا كما يتوقع الآخرون أن يكتب لأن قلبه امتلا لا لأن صفحته تحتاج منشورًا جديدًا. وأن يتصالح مع حقيقة بسيطة لكنها عميقة وهي أن النص الصادق يصل متأخرًا خير من نص متكلف يصل سريعا
إن الخوف من الحكم هو أكثر السجون ضيقًا. فهو يجعل الكاتب يحذف أجمل ما في روحه قبل أن يقرأه أحد، ويقنعه بأن الكمال شرط للنشر، مع أن أعظم النصوص الإنسانية لم تكن كاملة، بل كانت صادقة. والصدق وحده هو الذي يمنح الكلمات قدرتها على البقاء
لذلك، لا ينبغي أن يسأل الكاتب نفسه كل صباح: هل سأحقق نجاحًا بهذا النص؟ بل ليسأل سؤالًا آخر أكثر أهمية هل شعرت بالسعادة وأنا أكتبه؟ فإن كانت الإجابة نعم، فقد ربح قبل أن ينشر، وقبل أن يقرأه أحد
فالكتابة الحقيقية لا تبدأ عندما يمسك الإنسان بالقلم بل تبدأ عندما يتصالح مع روحه، ويتحرر من عبء المقارنة، ومن خوف الأحكام، ومن وهم الكمال. عندها فقط تصبح الكلمات امتدادًا طبيعيًا للحياة، لا وسيلة لإثباتها.
في الختام سيكتشف كل كاتب، مهما طال به الطريق أن أجمل النصوص لم تكن تلك التي صنعت له المجد بل تلك التي منحته سلاما داخليا وهو يكتبها. فالسعادة ليست جائزة تنتظر الكاتب في نهاية الرحلة، بل هي الخطوة الأولى التي ينبغي أن يبدأ بها ومن دونها، قد تُكتب آلاف الصفحات، لكنها تظل عاجزة عن أن تلامس قلبا واحدا لأن الكتابة التي لا تُولد من فرح يصعب عليها أن تمنح الفرح لأحد !!