د. محمد سعيد شحاتة - جدلية الوجود المعلَّق في قصيدة طاحونة للشاعر دعيد صالح

يبني عيد صالح قصيدته "طاحونة" على صورة مركزية لا تظهر بوصفها شيئًا ماديًّا فحسب، وإنما تتحول تدريجيًّا إلى استعارة كبرى للوجود الإنساني حين يقع داخل حركة قسرية تطحن الحدود الفاصلة بين المتناقضات، فلا يعود قادرًا على بلوغ النجاة أو الاستسلام للهلاك، بل يظل معلقًا في المسافة الملتبسة بينهما، ويبدأ النص بوصف سطح يبدو آمنًا ومغريًا، فيقول "السطح ناعم وأملس ومنحدر"، غير أن اجتماع النعومة بالانحدار يكشف منذ البداية عن خدعة حسية؛ فالسطح المريح ظاهريًّا هو نفسه الذي يسهّل الانزلاق، والجمال لا يحمي الذات بقدر ما يستدرجها إلى السقوط، ويتأكد هذا المعنى في قوله:
والقشرة البراقة
خداع ماسة ولازورد
حيث تتحول اللمعانية من علامة على القيمة إلى قناع يغطي خواء العالم وخطورته؛ فالماسة واللازورد لا يحضران هنا بوصفهما جوهرين نفيسين، وإنما بوصفهما محاكاة بصرية زائفة تصنعها "القشرة"، ومن ثم تقيم القصيدة منذ مطلعها تعارضًا بين ظاهر مصقول وباطن ملوث؛ إذ ينتقل الشاعر من البريق إلى طقس "حائل" و"مشبع بالفطر والغبار"، فيغدو العالم فضاءً للرطوبة والتعفن والعتمة، وتصبح الأشياء عاجزة عن الكشف عن حقيقتها، وفي مواجهة هذا العالم تواصل الذات فعلًا عبثيًّا هو محاولة استنطاق ما لا يستجيب، يقول الشاعر:
وأنت لا تزال
تستنطق الأحراش خلف غوطة ملغومة
فالفعل "لا تزال" يدل على الاستمرار والإصرار، لكن موضوعه، وهو "الأحراش"، يشير إلى الكثافة والالتباس، بينما تنتهي الحركة عند "غوطة ملغومة" تجمع بين خصوبة المكان وخطر الانفجار، وبذلك تصبح محاولة الوصول إلى المعنى مغامرة داخل جمال مخادع يخفي الموت في أحشائه، وبعد ذلك تتخلى القصيدة عن الوصف الخارجي وتدخل إلى منطقة الوعي الممزَّق عبر سلسلة متتابعة من صيغ النفي "لا صحو.. لا استغراق"، فلا الذات مستيقظة بما يكفي لإدراك الواقع، ولا هي غائبة بما يكفي للنجاة منه، إنها عالقة في حالة ثالثة تسقط فيها الحدود بين اليقظة والغيبوبة، حتى الدم "المهراق" لا يؤدي إلى موت حاسم؛ لأنه يسيل "في ساحة انتظارك"، فتتحول المأساة من واقعة منجزة إلى زمن ممتد، ويصبح الانتظار نفسه صورة من صور النزيف، وتتسع دائرة التعليق الوجودي في قوله:
لا شيطان.. لا ملاك
لا عصفور.. لا بازي
إذ تنفي القصيدة قطبيْ الشر والخير، ثم تنفي صورتين متقابلتين للقوة والضعف، فلا الذات بريئة وخفيفة كالعصفور، ولا جارحة ومهيمنة كالبازي؛ لأنها فقدت موقعها داخل التصنيفات الأخلاقية والطبيعية المألوفة، ولهذا تبدو "الحدقات / في محجر انكسار الضوء والبريق" عاجزة عن الرؤية؛ فالضوء الذي يُفترض أن يكشف الأشياء ينكسر داخل العين ذاتها، والبريق الذي ظهر في البداية بوصفه غطاءً خارجيًّا خادعًا يصبح الآن انكسارًا داخليًّا، وكأن العالم لم يكتفِ بتزييف المرئي، بل أصاب أداة الرؤية نفسها بالعطب، وعند هذه النقطة تظهر الصورة المحورية "طاحونة النجاة والهلاك"، وهي صياغة تجمع النقيضين داخل آلة واحدة، فالطاحونة تدور لكي تسحق وتحوّل الأجسام إلى مادة متشابهة، ولذلك فإنها تلغي الفرق بين الخلاص والفناء، وتجعلهما كليهما خاضعين للحركة العمياء ذاتها، وفي داخل هذه الطاحونة تسقط الأحكام جميعًا، يقول الشاعر:
لا إثم لا فسوق
لا افتئات
لا حزن لا فرح
ولا يعني هذا بلوغ الذات حالة من الصفاء المتعالي، ولكن يعني فقدانها القدرة على التمييز بعدما طُحنت الحدود الأخلاقية والانفعالية، ويتجسد هذا الاختلاط في المفارقتين في قوله:
بكاؤك البهيج
نشيدك النشيج
فالبكاء يتصف بالبهجة، بينما يتحول النشيد، الذي يفترض الاحتفال، إلى نشيج، وبذلك لا تتجاور المشاعر المتضادة فحسب، بل يتسلل كل شعور إلى نقيضه حتى يفقد استقلاله الدلالي، ثم تنتقل القصيدة من المعجم الوجداني إلى المعجم التقني في صورة "تيار كهرباء / يمرر الصبغات والشفرات"، وكأن الإنسان لم يعد كائنًا حرًا يصنع علاماته، بل صار وسيطًا تعبر خلاله المؤثرات والرموز والبرامج الخفية؛ فالصبغات توحي بما يُفرض على الظاهر من ألوان وهويات، بينما تشير الشفرات إلى أن الباطن نفسه أصبح مبرمجًا بنظام لا تتحكم فيه الذات، لذلك يأتي الانقسام الصريح في قوله:
و"الدُّنا"
أناك ليست الأنا
وذاتك الضمير
حيث تنفصل الأنا التي يملكها الإنسان أو تُنسب إليه عن الأنا بوصفها مركزًا أصيلًا للوعي، فلا يعود المتكلم مطابقًا لنفسه، وتتحول الذات إلى ضمير لغوي أو علامة نحوية أكثر منها حضورًا حيًّا، ويبلغ الانقسام ذروته في قوله "شفيرك الجنات والسعير"، فالذات تقف على حافة تجمع الوعد والعقاب، لكن الجمع بين الجنات والسعير يمنعها من دخول أي منهما، لتظل معلقة "من خافقيك" أي أن القلب، الذي يفترض أن يكون مصدر الحياة والعاطفة، يتحول إلى نقطة تعليق تشد الكائن بين مصيرين، ويتعمق معنى القهر حين يوضع هذا الكائن "في مخفر استلاب غبطة العنادل"، فلفظة مخفر تستدعي المراقبة والاحتجاز، والاستلاب يدل على انتزاع الإنسان من ذاته، أما غبطة العنادل فتمثل الغناء الحر الذي جرى اعتقاله ومصادرته، وبذلك يصبح النشيد السابق نشيجًا؛ لأن الصوت ذاته محبوس داخل جهاز القمع، ومن اللافت أن الشاعر يجعل الذات واقعة "في ربقة الدقة والفوضى"، فيجمع بين النظام الصارم والاضطراب الشامل، فالدقة ليست خلاصًا من الفوضى، وإنما هي قيد آخر يعمل معها، وكأن الطاحونة تمارس سحقها بآلية دقيقة لكنها تنتج عالمًا أكثر تشوُّشًا، ولهذا يقول:
تدور.. لا تدور
لا حراك لا سكون
وهي مفارقة تختزل البنية العميقة للقصيدة؛ فالإنسان يتحرك بلا تقدم، ويتكرر بلا تحول، ويدور حول مركز غائب من غير أن يغادر موضعه، إن دوران الطاحونة هنا ليس حركة زمنية منتجة، ولكنها إعادة دائمة للحظة المأزق، ولذلك تنتهي القصيدة بالإعلان عن الحالة التي كانت جميع صورها تمهّد لها، يقول الشاعر:
وأنت بين بين
في مهمه الحضور والغياب
ولفظة "مهمه" بما تحمله من دلالة الصحراء الواسعة المضللة تجعل الموقع الوسيط تيهًا وليس إقامة مستقرة؛ فالذات ليست حاضرة لأنها مسلوبة ومنقسمة ومبرمجة، وليست غائبة لأنها تعي استلابها وتواصل استنطاق العالم، وهكذا لا تتأسس مأساة القصيدة على اختيار الهلاك بدل النجاة، بل على استحالة الاختيار ذاته، أي أن يظل الإنسان واعيًا داخل آلة تطحن وعيه، ومتحركًا داخل سكونه، وحاضرًا عند حافة غيابه، ومن هنا تغدو الطاحونة تمثيلًا مكثفًا لوجود فقد مركزه، وصارت هويته لا تقوم على وحدة الأنا، بل على دورانها المؤلم بين أضداد لا تتصالح ولا تفترق.

طاحونة
د. عيد صالح
السطح ناعم وأملس ومنحدر
والقشرة البراقة
خداع ماسة ولازورد
والطقس حائل ..
مشبع بالفطر والغبار
وأنت لا تزال
تستنطق الأحراش خلف غوطة ملغومة..
..لا صحو ..لا استغراق
في دمك المهراق
قي ساحة انتظارك
لا شيطان ..لا ملاك
لا عصفور ..لا بازي
والحدقات
في محجر انكسار الضوء والبريق
طاحونة النجاة والهلاك
لا إثم لا فسوق لا افتئات
لا حزن لا فرح
بكاؤك البهيج
نشيدك النشيج
تيار كهرباء
يمرر الصبغات والشفرات
و"الدنا"
أناك ليست الأنا
وذاتك الضمير
شفيرك الجنات والسعير
معلق من خافقيك
في مخفر استلاب غبطة العنادل
في ربقة الدقة والفوضي
تدور ..لا تدور
لا حراك لا سكون
وأنت بين بين
في مهمه الحضور والغياب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...