الفشل الذريع

أقصد بعنوان هذه المقالة، فشلَ كل الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، منذ بداية الستِّينيات، في إحداث مناصب الشغل، وخصوصا، للشباب ولحاملي الشهادات. وهذا الفشل هو الذي دفعَ آلاف الشباب والأطفال إلى الهجرة الجماعية la migration collective، قاصدين سبتة ومليلية، المدينتين المُحتلَّتين من طرَف إسبانيا. لكن، لماذا أقول "الشباب والأطفال"،؟

هل الأطفال لهم نفسُ طموحِ الشباب في العيش الكريم؟ نعم وبكل تأكيدٍ، لهم نفس الطموح، لكن مستقبلا. والأطفال، كانوا مُصاحبين بآبائهم أو أمهاتهم أو غير مُصاحبين، فإنهم، بدورِهم، يخشون أن ما وقع للشباب، سيقع لهم، في الآتي من الوقت، أو حينما يصبِحون، هم أنفسُهم، شباباً.

بمعنى أنه ليس هناك في الأفق شيءٌ أو تحرُّكٌ سياسي يضمن لهم كرامةَ العيش في هذا البلد السعيد، وخصوصا، أنهم يرون شباباً في مقتبل العمر يحملون شهادات، وربما ينتمون إلى عائلاتهم، يشتكون من البطالة، وقد انتظروا طيلةَ سنوات، بحثا عن عمل الذي لم يأتِ ولن يأتيَ. . لماذا؟

لأن السببَ الرئيسي الذي يكمُن وراء هذه الهجرة الجماعية، هو فقدانُ هؤلاء الشباب والأطفال الثقةَ في مؤسسات بلادِهم. بل فقدوا كل أملٍ في العيش الكريم داخل الوطن الذي نشأوا فيه، وأحيانا، تعلموا فيه. وخصوصاً، أن انتِظارَهم هذا، جيلاً بعد جيلٍ، دام أكثر من نصف قرن.

ولا داعيَ للقول أن الشبابَ والأطفالَ الذين أقبلوا على هذه الهجرة الجماعية ينتمون إلى فئتين : الفئة الأولى تنتمي إلى ضحايا الهدر المدرسي la déperdition scolaire والفئة الثانية تنتمي إلى حاملي الشهادات، ضحايا السياسات العمومية الفاشلة والعاجزة عن إحداث مناصب الشغل. وإذا أُحدِثت، فإنها، غالِبا، ما تخضع للزبونية le clientélisme والمحسوبية le népotisme و"باك صاحبي".

الشباب، سواءً كانوا ضحايا الهدر المدرسي أو من حاملي الشهادات العاطلين عن العمل، يرغبون، فقط وحصريا، في عملٍ يضمن لهم كرامةَ العيش. لماذا؟

لكنَّهم لاحظوا ويلاحِظون أن سوقَ الشغل، هي الأخرى، فاسدة حتى النخاع، وتعتمِد، في تشغيل الشباب، على الزبونية وعلى المحسوبية، وعلى "باك صاحبي" وليس، على الإطلاق، على الكفاءة.

فما هي أسباب فشل السياسات العمومية في إيجاد حل لهاتين الفئتين من أبناء وبنات الشعب المغربيّ، منذ بداية الستِّينيات، علما أن الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، بعد رجوع محمد الخامس من المنفى، كانت مُنشغلةً في بناء الدولة المغربية؟ الأسباب كثيرة، لكن، كي لا أطيل، يمكن تلخيصُها فيما يلي :

1.غرق البلاد في فساد لا مثيلَ له، وذلك، بشهادة المختصين المُنتمين للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته. علما أن كل السياسات العمومية، الاجتماعية منها والاقتصادية، لا يمكن، على الإطلاق، أن تنجحَ في تحقيق أهدافِها في مشهدٍ سياسي مشحونٍ بالفساد، بشتى أنواعه الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية. أقول "الثقافية" لأن الفسادَ قد يتحوَّل إلى ثقافةٍ مُجتَمَعِية تُفسِد الأخلاقَ لتكون هذه الأخيرة هي أساسُ المعاملات الاجتماعية والاقتصادية.

مثلا، عندما ينوي أحدُهم شراءَ قطعةِ أرضٍ أو منزلٍ، فإن المالكَ يطلب من المُشتري أن يؤدِّي جزأً من القيمة المالية لقطعة الأرض أو المنزل "تحت الطاولة" للإفلات من الضرائب. وهو ما يسميه المالِكُ "le noir". إنه تصرُّفٌ غير قانوني ومعروف لدى السلطات المالية والضرائبية.

2.الأحزاب السياسية، المسؤولة عن تدبير الشأن العام، إما أن تحاربَ الفسادَ وإما أن تُطبِّع معه. أحزابُنا السياسية، المسؤولة عن تدبير الشأن العام، اختارت أن تطبِّعَ مع الفساد، أي أن تقومَ بتدبير الشأن العام، سياسياً، في مشهدٍ سياسي مشحون بالفساد. وهذا شيء غير ممكن لأن الفساد هو أكبر مُعرقلٍ للتنمية. بمعنى أن كلَّ جُهدٍ تبدله الدولة والحكومة لتخليق الحياة العامة، يضيع في متاهة الفساد.

3.منظومتنا التعليمية والتربوية notre système d'enseignement et éducatif لا يزال في حاجة إلى مزيدٍ من الجودة la qualité والحكامة الجيدة la bonne .gouvernance والطامة الكبرى، هو أن ما يجري داخِلَ القسام، مقرَّراً وتعليما، مصيبة من المصائب الكبرى، ويحتاج إلى إصلاحٍ جذري. كما تحتاج منظومتٌنا التربوية إلى تحسين مخرجاتِها ses outputs، حتى يتم تخفيفُ هدرها المدرسي sa déperdition scolaire الذي هو المسؤول عن ضخامة الأعداد الهائلة من الشباب العاطلين ومن حَامِلي السهادات، التي قامت، مُؤخَّرا، بالهجرة الجماعية إلى سبتة ومليلية.

لكن تحسين جودة منظومتِنا التربوية وتحسين حكامتِها ومُخرجاتِها لا يمكن أن يتم إلا في مجتمعٍ خالي من الفساد. لأنه لا يمكن أن يكونَ تناقضٌ بين المشهد السياسي الفاسِد ومنظومة تربوية وتعليمية مبنية على غرس القيم الإنسانية في نفوس المُتعلِّمين وتعويدِهم على الفكر النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي…

4.الثروة التي يُنتِجها إقتصاد البلاد لا يستفيد من تِمارِها لا الشباب العاطلون عن العمل ولا حامِلو الشهادات الذين يمكِن تصنيفُهم في خانة الطبقة الفقيرة. تستفيد منها، فقط وحصريا، أقلية قليلة une hyperminotité أو oligarchie.

والفساد المنتشِر في المجتمع المغربي سببُه الأساسي هو وجود هذه الأقلية القليلة، بمباركة bénédiction الأحزاب السياسية المسؤولة عن تدبير الشأن العام. وقد تستفيد منها، بعض الشيء، كذلك، الطبقة الوسطى la classe moyenne التي، عادةً، تحرِّك اقتصادَ البلاد، عبر الاستهلاك la consommation. لكن الطبقةَ الوسطى أنهكها فساد المشهد السياسي والتضخُّمُ وغلاء المعيشة.

فحين تكون، مثلاً، سوق الخُضر واللحم والمواد الأساسية بعيدة عن القدرة الشرائية لهذه الطبقة الوسطى، فما بالك بالطبقة الفقيرة والضعيفة الاستِهلاك اليومي، والتي تجد صعوبةً في توفير السُّعرات اليومية les calories quotidiennes التي يحتاجها جسم الإنسان لضمان بقائه على قيد الحياة…

الشباب، بصفة عامة، والشباب العاطِل عن العمل والشباب الحامِل للشهادات، بصفةٍ خاصة يُشكِّلون فئةً من الشعب المغربي التي يمكن أن تُطلقَ عليها تسميةُ "الطبقة المنسِية من طرف السياسة" les laissés pour compte par la politique.

عادةً، هذه الفئة تتضمَّن المواطنين(رجالاً ونساءً) الذين يقطنون العالم القروي أو الأحياءَ الهامشية (وهي الأحياء الفقيرة) للمدن، والناس الذين يتصارعون مع غلاء المعيشة (الأثمِنة المُتسارِعة الارتفاع أو أجورُهم الشهرية ضعيفة) ومع البطالة. في المناطِق القروية، غالبا ما يعاني الناسُ من العزلة l'isolement ونقص، إن لم يكن غياب الخدمات الأساسية من تطبيبٍ ومدارس ونقل…

فكيف لا تثور هذه الفئة من المجتمع المغربي، أي "الطبقة المنسِية من طرف السياسة" ضد المنتَخَبين (برلمانيين ومستشارين) وضد مؤسسات الدولة وأحزابها السياسية. بل تثورُ ضد الانتخابات وتُقاطِعها. وانتقاما من الأحزاب السياسية فإن هذه "الطبقة المنسِية من طرَف السياسة" تُصوِّت لصالح الأحزاب الشعبوية، كما هو الشأن، حاليا، في بعض الدول الأوروبية الغربية والشمالية (الإسكندينافية)، كإيطاليا وهنغاريا واسلوفاكيا والسويد وفنلندا… وكما كان الشأن في المغرب حيث أُسنِدت رئاسة الحكومة لحزب مُتطرِّف ذي مرجعية إسلامية.

فلا غرابةَ أن يختارَ شبابُنا الهجرةَ الجماعيةَ هروبا من السياسة غير المُنصِفة، وهروبا من اللايقين l'incertitude وعدم القدرة على تصوُّر المستقبل. وإذا تم تصوُّره، فإنه ملوَّن بالأسود. فلا غرابةَ، إذن، أن يختارَ شبابُنا الهجرةَ الجماعيةَ، ظنًّا منه أن كرامةَ العيش توجد بالضفَّة ألأخرى، متحدياً، بتصرُّفه هذا، كل الأخطار، بما في ذلك أن تضيعَ حياتُه في البحر، واضعاً أمام أعينِه، أن الموتَ أحسنُ بكثير من العيش في بلدٍ يحتقره.

واللايقين لا يغادره طيلةَ يومه حيث يختلط هذا اللايقين بالمستقبل، فيَرَى نفسَه في جحيمٍ يُؤثِّثه غياب كرامة العيش واحترام النفس البشرية، من حيث ما لها من حقوقٍ وما يترتَّب عليها من واجبات. الحقوق تهضم في واضحة النهار، والواجبات لا مفرَّ منها.

لا أحدَ يُنكِر أن بلادَنا تقدمت وتطوّرت حتى أصبح ناتِجُها الداخلي الخام مُضاعفاً أربع مرات منذ سنة 2000 وأصبحت لديها بنياتُ تحتِية اجتماعية، اقتصادية، فنية ورياضية تُضاهي أرقى البِنيات التحتية الأوروبية.

لكن هذا التقدم والتَّطوُّر لم تصل تِمارُهما لا للطبقة الفقيرة ولا للشباب العاطِل عن العمل ولا للشباب الحامل للشهادات. بل استفاد من هذه التِّمار، كما سبق الذكر، أقلية قليلة لا تلتفتُ، لا لوجود "الطبقة المنسِية من طرف السياسة" ولا لهمومها. إن السياسة التي تنتجها هذه الأقلية القليلة، المُهيمِِنة على السلطة والمال، "سياسة تمييزية" une politique discriminatoire، شديدة الأنانية، وتسلك، من الناحية الاقتصادية، ليبراليةً مُتوحِّشة.

ومعروف عن "الليبرالية المتوحشة" le libéralisme sauvage أو النيوليبرالية le néolibéralisme أنها لا تعترف إلا بالرأسمال وإمكانيات تضخيمه، ولو على حساب حماية حقوق الآخرين. ومعروف عنها، كذلك، ترك المعاملات الاقتصادية بدون ضوابط حتى تستفيدَ الشركات الكبرى ومَن يملكون السلطةَ والرأسمال من هذه المعاملات الحرة.

في هذا الجو الاقتصادي الفوضوي، فهل ستفكِّر الأقلية القليلة، في زيادة الفقر في البلاد وفي إنهاكِ الطبقة الوسطى… لا، لن تفكرَ لا في هذا ولا في ذاك. بل ستُفكِّر، فقط وحصرياً، في إمكانيات تضخيم ثروتها المُكتَسبة بدون مشروعية légalité. وهذا هو ما حصل في ظل الحكومة الحالية التي يرأسها عزيز أخنوش، عن طريق التجمُّع الوطني للأحرار، الذي تسبَّب في فوضى اقتصادية، إن هذا الحزبَ رمزٌ واضِحٌ للليبرالية المتوحِّشة!

إنه المسؤول السياسي الأول، ومعه حزبا "الأصالة والمعاصرة" والاستقلال" عن الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...