علي سيف الرعيني -|الكاتب العربي : من صانع للوعي إلى البحث عن الإعتراف !!

في كل أمةٍ حية يحتل الكاتب مكانة متقدمة بين صناع المستقبل، لأنه لا يكتفي برصد الواقع، بل يسهم في تشكيل الوعي، وصناعة الأفكار، وفتح آفاق الحوار وتوجيه الرأي العام نحو القضايا التي تمس حياة الإنسان. غير أن المفارقة المؤلمة في كثير من المجتمعات العربية تكمن في أن الكاتب، رغم هذه الرسالة العظيمة، لا يزال يخوض معركة يومية من أجل البقاء، ويبحث عن الاعتراف بدوره، بينما تتسابق المجتمعات المتقدمة إلى تكريم مبدعيها وتوفير كل أسباب النجاح لهم
لقد أصبح الكاتب العربي يواجه منظومة معقدة من التحديات التي لا ترتبط بالإبداع وحده، وإنما تمتد إلى الواقع الاقتصادي والثقافي والإعلامي والتشريعي. فهو يكتب في زمن تتراجع فيه معدلات القراءة، وتتسع فيه دائرة المحتوى السريع الذي يطغى على الفكر العميق، حتى أصبحت قيمة النص تُقاس بعدد الإعجابات والمشاهدات، لا بما يحمله من رسالة وتأثير
ويأتي التحدي الاقتصادي في مقدمة هذه المعاناة، إذ لا تزال الكتابة في معظم الأقطار العربية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي لصاحبها. فكثير من الكتّاب يواصلون الكتابة بدافع الإيمان برسالتهم، لا لأنهم يجدون فيها مصدرًا كريمًا للعيش. ولهذا يضطر عدد كبير منهم إلى ممارسة أعمال أخرى تستنزف وقتهم وجهدهم، فتتراجع مساحة الإبداع أمام ضغوط الحياة اليومية
ولا تقل أزمة حماية الحقوق الفكرية خطورة عن الأزمة الاقتصادية، فما يزال كثير من الكتّاب يعانون من سرقة أعمالهم أو إعادة نشرها دون إذن أو توثيق، في ظل ضعف تطبيق قوانين الملكية الفكرية، الأمر الذي يبدد سنوات من الجهد، ويخلق شعورًا بالإحباط لدى أصحاب الأقلام الجادة
كما يواجه الكاتب العربي تحديًا آخر يتمثل في محدودية المؤسسات الثقافية الفاعلة، وضعف حركة النشر والتوزيع والترجمة، وغياب الخطط الوطنية التي تتعامل مع الكاتب باعتباره استثمارًا في مستقبل الأمة، لا مجرد اسم يظهر في مناسبة ثقافية ثم يغيب
ورغم كل ذلك، لم يتخلَّ الكاتب العربي عن مسؤوليته. فقد ظل حاضرًا في ميادين الفكر والثقافة، يوثق التحولات، ويكشف مواطن الخلل، ويدافع عن قضايا الإنسان، ويحمل هموم مجتمعه في زمن كثرت فيه الأصوات وقلّت فيه الكلمة الصادقة. لقد أثبت أن الرسالة الحقيقية لا تقاس بحجم المكاسب، وإنما بقدرتها على البقاء في ذاكرة الشعوب
غير أن استمرار هذا الواقع يفرض وقفة جادة من الحكومات والمؤسسات الثقافية والإعلامية والقطاع الخاص، لأن بناء مجتمع المعرفة لا يمكن أن يتحقق إذا ظل الكاتب يعيش على هامش الاهتمام
إن أولى خطوات الإصلاح تبدأ بإقرار تشريعات أكثر فاعلية لحماية الملكية الفكرية، وضمان سرعة إنصاف الكاتب عند الاعتداء على إنتاجه. كما ينبغي إنشاء صناديق وطنية لدعم الكتّاب، وتقديم منح للإبداع، وتوفير برامج للرعاية الصحية والاجتماعية، بما يضمن للمبدع حياة كريمة تليق برسالته
ومن الضروري أيضا إعادة الاعتبار للصحافة الثقافية وإفساح مساحة أوسع للمقال الجاد، وتشجيع المؤسسات الإعلامية على احتضان الأقلام الواعدة، إلى جانب دعم حركة النشر والترجمة، وتطوير معارض الكتب، وإقامة الجوائز الأدبية وفق معايير مهنية شفافة، بعيدًا عن المجاملات أو الاعتبارات الضيقة
ولا تقل مسؤولية المؤسسات التعليمية أهمية عن ذلك، فهي مطالبة بإعادة بناء علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب، وترسيخ ثقافة القراءة، وتعريف الطلاب بأعلام الفكر والأدب العربي حتى يدركوا أن النهضة تبدأ من العقل قبل أي شيء آخر
لقد آن الأوان لأن ينتقل الكاتب العربي من دائرة المطالبة إلى دائرة الاستحقاق، وأن يُنظر إليه بوصفه شريكًا في التنمية وصانعًا للوعي، وحارسًا للهوية الثقافية. فالأمم التي تصون أقلامها، تصون ذاكرتها، وتحمي مستقبلها، أما تلك التي تُهمّش كتّابها، فإنها تترك فراغًا خطيرًا تملؤه الأفكار السطحية والخطابات العابرة
إن إعادة الكاتب العربي إلى صدارة المشهد ليست قضية نخبوية، بل مشروع حضاري متكامل، لأن الكلمة كانت وستظل الشرارة الأولى لكل نهضة، ولأن الكاتب ليس مجرد ناقل للأحداث، بل مهندس للأفكار وبوصلة للأجيال، وصوتٌ يبقى حاضرا حتى بعد أن يصمت الجميع !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...