محمد الشربيني - من ضفاف النيل إلى كاليفورنيا: حكاية حضارة لا تعرف الحدود

في أمسية استثنائية بمدينة سان فرانسيسكو، لم يكن الاحتفال بافتتاح معرض «كنوز الفراعنة» في متحف دي يونج مجرد حدث ثقافي عابر، بل كان لحظة إنسانية تجسد كيف تستطيع حضارة عمرها آلاف السنين أن تواصل الحوار مع العالم، وأن تجمع الشعوب حول قيم الجمال والمعرفة والإبداع.

بين قاعات المتحف العريق، حضرت مصر بتاريخها العميق وروحها الخالدة. جاءت القطع الأثرية المصرية لتروي قصص الملوك والملكات والفنانين والحرفيين الذين صنعوا واحدة من أعظم الحضارات التي عرفتها الإنسانية. لم تكن تلك الكنوز مجرد آثار صامتة، بل كانت رسائل حية من الماضي إلى الحاضر، تؤكد أن الحضارة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء العصور، وإنما تستمر ما دام الإنسان يبحث عن المعرفة والجمال.

لقد كان لي شرف حضور حفل قص الشريط الخاص بالمعرض، وسط حضور رفيع من الشخصيات الثقافية والسياسية والمجتمعية، وكان من دواعي سروري لقاء السيدة إليني كونالاكيس، نائبة حاكم ولاية كاليفورنيا، والمشاركة في احتفال يعكس عمق الروابط بين الشعبين المصري والأمريكي، ويؤكد الدور الكبير للثقافة في بناء جسور التفاهم والصداقة بين الأمم.

على مدار ما يقرب من أربعين عامًا في مجال السياحة والسفر، تعلمت أن السياحة ليست مجرد صناعة تعتمد على السفر والإقامة، بل هي رسالة إنسانية تقوم على التقارب بين البشر. وعندما يتعلق الأمر بمصر، فإننا لا نقدم للعالم مجرد أماكن أثرية مذهلة، بل نقدم قصة إنسانية كبرى بدأت على ضفاف النيل، قصة شعب صنع المعرفة والفن والعمارة وترك بصمته في مسيرة الحضارة العالمية.

إن معرض «كنوز الفراعنة» في سان فرانسيسكو يثبت مرة أخرى أن التراث المصري يمتلك قوة ناعمة قادرة على الوصول إلى قلوب الملايين. فكل قطعة أثرية مصرية تنتقل إلى متحف عالمي تحمل معها جزءًا من روح مصر، وتفتح نافذة أمام الزوار لاكتشاف تاريخ استثنائي يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام.

إن السياحة الثقافية تمثل أحد أهم جسور التواصل بين الشعوب، لأنها لا تكتفي بأن تجعل الإنسان يرى مكانًا جديدًا، بل تجعله يفهم حضارة وثقافة وتجربة إنسانية مختلفة. والزائر الذي يقف أمام تمثال فرعوني أو قطعة أثرية مصرية لا يرى حجرًا أو ذهبًا فقط، بل يرى قصة الإنسان المصري القديم، وأحلامه، وإبداعه، وإيمانه بأن المعرفة والجمال هما طريق الخلود.

أتقدم بخالص التقدير إلى متحف دي يونغ، وإلى الدكتور زاهي حواس، وإلى جميع المنظمين والرعاة وكل من ساهم في خروج هذا الحدث العالمي بهذه الصورة المشرفة التي تليق بعظمة مصر وتاريخها. فمثل هذه المعارض تؤكد أن التعاون الثقافي بين المؤسسات والدول هو أحد أهم وسائل بناء عالم أكثر فهمًا وتواصلًا.

لقد كانت تجربتي في الترشح للكونغرس الأمريكي امتدادًا لإيماني بقيم الخدمة العامة والحوار والعمل من أجل التقارب بين المجتمعات. فالعالم اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى جسور تجمعه، والثقافة والسياحة هما من أقوى هذه الجسور، لأنهما تخاطبان الإنسان قبل السياسة والاقتصاد.

إن مصر ليست مجرد بلد يمتلك الماضي، بل هي أمة تحمل رسالة مستمرة إلى المستقبل. فمن الأهرامات الخالدة إلى المتاحف الحديثة، ومن المعابد القديمة إلى المعارض العالمية، تواصل مصر تقديم نفسها للعالم باعتبارها وطن الحضارة والإبداع والتنوع.

وبصفتي أعمل في مجال السياحة، أؤمن أن مهمتنا لا تقتصر على تنظيم الرحلات، وإنما تمتد إلى تعريف العالم بحقيقة مصر؛ مصر التي تجمع بين عظمة التاريخ وحيوية الحاضر وأحلام المستقبل. فكل زائر لمصر لا يعود فقط بصور، بل يعود بذكرى وتجربة وقصة ترتبط بوجدان الإنسان.

من ضفاف النيل إلى شواطئ كاليفورنيا، تواصل الحضارة المصرية رحلتها عبر الزمن. إنها حضارة لا تعرف الحدود، لأنها ببساطة أصبحت جزءًا من ذاكرة الإنسانية كلها.


بقلم الخبير السياحي المصري الأمريكي محمد الشربيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...