تقوم العتبات النصية في العادة بخدمة النص الروائي وإثرائه، والكشف عن معانية، وتعميق جمالياته. لكن بعض الروايات والأعمال الأدبية توظف العتبات النصية؛ للسيطرة على عقل القارئ وقلبه، وجذبه إلى قراءة العمل، أو اقتنائه، أو توجيه الناقد إلى تبني رؤية المؤلف، وفهم العمل كما يريده، فتنجح تلك العتبات في تضليل القارىء، وارتباك الناقد؛ فيأتي النص في ظلم واضح من الاثنين معًا، ولعل خير مثال على فهم العتبات وكيفية توظيفها في الرواية الانطلاق من تلك العتبات، التي جاءت في رواية الأديب الأردني الدكتور باسم الزعبي "أنا يوسف يا أبي" (عمّان: الآن ناشرون، بدعم من وزارة الثقافة، 2024م)، وهي: عتبة العنوان على الغلاف الأمامي، وعتبة التضمين، وعتبة التقديم. على الغلاف الخلفي.
من خلال العنوان" أنا يوسف يا أبي!" نفهم أن الرواية بضمير المتكلم أنا، أي بالسرد الذاتي، وأن عالمها يتناص مع قصة يوسف عليه السلام الواردة في القرآن الكريم. وفي عتبة التضمين قصيدة محمود درويش "أنا يوسف يا أبي" وهي تكرار لما في العنوان يؤكد أن الرواية تستفيد كثيرًا من قصة يوسف عليه السلام في إسقاطها على الواقع الذي تتناوله. أما في التقديم فتكتب سميح خريس رأيها النقدي في الرواية بأنها" إعادة سرد لما مرت به حياة يوسف، نموذج الشباب العربي الضائع، وهي عرض أمين لضياع جيل يبحث عن خلاصه وهويته، فهل يستطيع؟"
إن القراءة المتأنية للرواية تبين أن هذه العتبات لا تُظهر للمتلقي، سواء أكان قارئًا أم ناقدًا، المنظور الروائي على حقيقته، ولا تكشف له المضمون الذي تقدمه الرواية، وموقع قصة يوسف (عليه السلام) منه.
فالرواية تُقدم من منظور الروائي العليم، فهو الذي يسرد الأحداث، ويقدم الشخصيات وغيرها من عناصر الرواية، بخلاف ما يوحي به العنوان "أنا يوسف يا أبي" فيوجد في العنوان ضميران "أنا" وياء المتكلم في "أبي" ولا يظهر ضمير المتكلم في الرواية إلا حين يتعمق الراوي العليم عقل الشخصية وقلبها، ويجعلها تتكلم عن ذاتها، كما في الحوارات الداخلية والخارجية. ونستطيع تبيان ذلك في المشهد الذي جمع بين يوسف ومهرة زوجة أبي عكرمة القيادي في داعش، فتتحدث مهرة عن شعورها بأنها في الستين من عمرها، مع أنها في الحقيقة في التاسعة عشرة، وتستطرد: "الآن سيُنظر إلي بوصفي أرملة، هذا جيد، أفضل من أن ينظر إلي بوصفي ضحية اغتصاب. خبرت الرجال، وعرفت نقاط ضعفهم وقوتهم. /ثم يقدم الراوي حديث الشخصية الداخلي/شرد يوسف بكلامها. بخاصة الجمله الاخيره:" ترى هل باتت تعرفني، وتعرف نقاط ضعفي؟ وهل أمسكت بي متلبسا ذلك اليوم عندما نظرت في عينيها..؟"(ص192)
لا شك في أن ضمير المتكلم قد يعني غيره من الضمائر، كما يرى الناقد فورستر، لكن أن يأتي في العنوان، بخلاف المتن، مربك للمتلقي؛ لأن العنوان عتبة مهمة في الدلالة على مضمون الرواية ومنظورها.
أما عن قصة يوسف، التي تنبئ بها عتبة العنوان، وعتبة التضمين فهي، كما بدت لي، بعد قراءة المتن الروائي مقحمة على الرواية، لا ترتبط بقصة يوسف الواردة في القرآن إلا بخيوط واهية. فهي ترتبط باسم يوسف، وهو في الحقيقة الاسم الداعشي لمحمد قبل أن يلتحق بتلك المنظمة الإرهابية. أما قميص يوسف النبي فيرتبط في الرواية بصورة نشرها محمد على الفيسبوك، وهو يحمل طفله، الذي يرتدي قميصًا فيه مربعات حمراء بإطار أبيض، وكتب على الصورة أنه يوسف، وتحت الصورة الآية القرآنية (( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا )) وأرسلت أخته ريمة الصورة بالفيسبوك إلى أبيها وعندما شاهدها الأب "ارتجف قلبه مثل طائر ذبيح، خفق بشدة، كتب باصابع مرتجفة:"إني لأجد ريح محمد لولا أن تكذبين" (ص228)
هذا ارتباط واه، لا يتجسد في أفعال حية تؤثر في بنية الرواية وجمالياتها، ولا يجعل من شخصية يوسف في الرواية تحاكي شخصية يوسف في القرآن الكريم، كما لا تجعل من والده الذي رأى صورة قميص على الفيسبوك يشبه النبي يعقوب عليه السلام، وهو يشتم رائحة ابنه يوسف في قميصه الذي جاء به إخوته.
إن هذا الترابط والتناص المقحمان على الرواية أضرا ببنيتيها: الفكرية والجمالية؛ فيوسف/محمد في الرواية فتى مراهق، عرف أن أمه غالينا تخون والده، وبقي على ألم نفسي حاد، لم يخبر أمه ولا أباه" أسر محمد الأمر في نفسه ولم يبده لأحد. لكن أشياء كثيرة تغيرت لديه، صار أكثر عصبية، خصوصًا مع أمه، تراجع في دراسته، وصار يفضل الخروج كثيرًا من المنزل، تعلم التدخين، تشاجر مع والده بسبب ذلك، وتعرض للضرب، إلى أن استسلم الأب"(ص22).
ثم ترك العائلة على هذه الحالة، وانضم إلى جماعة داعش الإرهابية، وفي أثناء إرهابه أحب زوجة قائده أبي عكرمة، ثم تزوجها بعد مقتله في غارة أمريكية، وينجب منها ابنًا ثم إن والده لم يحرك ساكنًا تجاه تصرفات زوجته، التي أغدقت عليه الفودكا؛ ليكون غائبًا عنها ومغيبًا عن كل شيء. وللمفارقه فإنه عند مقتلها يعود إلى موسكو؛ ليشارك في دفنها، ويكتفي ابنها بإرسال رسالة من هاتفه الخلوي إلى والده ومعها صورته، التي كتب تحتها:"أنا يوسف يا أبي!" (ص251)
ولعل في إنهاء الرواية بما بدأت به في عنوانها، وكذلك في تضمين قصيدة درويش، التي تحمل العنوان ذاته إلحاحًا على علاقتها الوثيقة بقصة يوسف؛ وفي ذلك ذهب بعض من تناولوها بالقراءة والدراسة من الأدباء والنقاد، ربما تحت وطأة هذا الإلحاح.
أما عتبة التقديم، فلا نرى فيها ما رأته الروائية سميحة خريس؛ فالرواية لا تتحدث عن ضياع الجيل وقلق الهوية والوجود. إنها رواية واقعية اجتماعية تتحدث عن تفكيك أسرة بسبب تفاوت الثقافات واختلاف البيئات؛ فالزوج عون عربي أردني، والزوجة غالينا يهودية روسية، لم يحبها أحد من عائلة زوجها حتى إن حماتها أقسمت ألا تدخل بيت ابنها طوال حياتها"بسبب غالينا التي لم ترحب بها مرة"(ص30)
كما أن ريمة ابنة الأسرة تتزوج من شاب غزي دون موافقة أسرتها. يظهر هذا في حديث الرواية عن الأب:" تذكر ابنته ريمة التي لا يتواصل معها كثيرا، فهي منذ أن تزوجت وخرجت غير راضية عن موقف أمها التي رفضت حضور حفل زفافها، لم تعد تتواصل إلا قليلًا مع أبيها أيضًا، تتصل في الأعياد. هو لا يلومها، إذ إنه بدوره يكون جافًا معها عندما تتصل، يبدو أنه هو الآخر لم يكن راضيًا بشكل أو بآخر عن زواجها، فهو أيضًا تفاجأ بالخطبة، وأنها كانت تعرف خطيبها، وربما كانت على علاقة معه"(ص77)
في الأردن لا يجد الزوج عملًا في وطنه فيعود إلى روسيا، وفيها يزداد تقكك الأسرة، الزوجة تخون زوجها مع صديق روسي، وتشلرك عشيقها في مشروع تجاري، وترقص معه في احتفال افتتاح المشروع بحضور زوجها وابنها.
لا يطيق محمد العيش مع والديه، فيلتتحق بداعش، ويتسمى يوسف. وتتطور الأحداث ويتواصل الثلاثة: ريمة، ويوسف، والأب من خلال صداقات على الفيسبوك، ولا يكشف يوسف عن هويته. ومن خلال هذه العلاقة الفيسبوكية يتأكد الوالد بأن يوسف هو ابنه محمد، ويتساءل عن أسباب اختفائه ثم ظهوره. وتستمر الكتابات والتعليقات بين الثلاثة حتى مقتل غالينا في قصف عشوائي اثناء وجودها في مدينة دونيستك لفتح فرع لعملها التجاري، ويُخبر الزوج بموتها صديقه الروسي فاديم، الذي يتعهد باحضارها الى روستوف لدفنها عند مجيئه. كما قررت ريمة ان تسافر مع ابيها لحضور الدفن، وتخبر يوسف بذلك على الماسنجر، ويتبين تأثره عندها يقطع التواصل بينهما. وفي النهاية بعد الدفن، يفاجا الأب بوصول رسالة من يوسف، يرفقها بصورة له ليؤكد أنه ابنه محمد.
كانت تلك أحداث الرواية. أين الجيل الضائع الذي يبحث عن الوجود والهوية والخلاص؟ ليس غير تحولات في سلوك الشخصيات وأفكارها وعواطفها، بعيدة عن الحقيقة الأدبية والواقعية؛ بما فيها من تسارع وافتعال وتشتت؛ لخضوعها إلى ما أراده المؤلف لا إلى ما تقتضيه الوقائع والشخصيات.
في النهاية نقول: إن العتبات النصية التي تضمنتها الرواية تضلل القارئ والناقد، ولا تساعد على تعميق الرؤية الفكرية أو الجمالية للرواية؛ كما أن الرواية لم توفق في تناصها مع قصة يوسف عليه السلام، ولم تكن ذات علاقة بقلق الجيل واغترابه وضياعه، بل بتفكك أسرة وضياع أفرادها في الأساس.
من خلال العنوان" أنا يوسف يا أبي!" نفهم أن الرواية بضمير المتكلم أنا، أي بالسرد الذاتي، وأن عالمها يتناص مع قصة يوسف عليه السلام الواردة في القرآن الكريم. وفي عتبة التضمين قصيدة محمود درويش "أنا يوسف يا أبي" وهي تكرار لما في العنوان يؤكد أن الرواية تستفيد كثيرًا من قصة يوسف عليه السلام في إسقاطها على الواقع الذي تتناوله. أما في التقديم فتكتب سميح خريس رأيها النقدي في الرواية بأنها" إعادة سرد لما مرت به حياة يوسف، نموذج الشباب العربي الضائع، وهي عرض أمين لضياع جيل يبحث عن خلاصه وهويته، فهل يستطيع؟"
إن القراءة المتأنية للرواية تبين أن هذه العتبات لا تُظهر للمتلقي، سواء أكان قارئًا أم ناقدًا، المنظور الروائي على حقيقته، ولا تكشف له المضمون الذي تقدمه الرواية، وموقع قصة يوسف (عليه السلام) منه.
فالرواية تُقدم من منظور الروائي العليم، فهو الذي يسرد الأحداث، ويقدم الشخصيات وغيرها من عناصر الرواية، بخلاف ما يوحي به العنوان "أنا يوسف يا أبي" فيوجد في العنوان ضميران "أنا" وياء المتكلم في "أبي" ولا يظهر ضمير المتكلم في الرواية إلا حين يتعمق الراوي العليم عقل الشخصية وقلبها، ويجعلها تتكلم عن ذاتها، كما في الحوارات الداخلية والخارجية. ونستطيع تبيان ذلك في المشهد الذي جمع بين يوسف ومهرة زوجة أبي عكرمة القيادي في داعش، فتتحدث مهرة عن شعورها بأنها في الستين من عمرها، مع أنها في الحقيقة في التاسعة عشرة، وتستطرد: "الآن سيُنظر إلي بوصفي أرملة، هذا جيد، أفضل من أن ينظر إلي بوصفي ضحية اغتصاب. خبرت الرجال، وعرفت نقاط ضعفهم وقوتهم. /ثم يقدم الراوي حديث الشخصية الداخلي/شرد يوسف بكلامها. بخاصة الجمله الاخيره:" ترى هل باتت تعرفني، وتعرف نقاط ضعفي؟ وهل أمسكت بي متلبسا ذلك اليوم عندما نظرت في عينيها..؟"(ص192)
لا شك في أن ضمير المتكلم قد يعني غيره من الضمائر، كما يرى الناقد فورستر، لكن أن يأتي في العنوان، بخلاف المتن، مربك للمتلقي؛ لأن العنوان عتبة مهمة في الدلالة على مضمون الرواية ومنظورها.
أما عن قصة يوسف، التي تنبئ بها عتبة العنوان، وعتبة التضمين فهي، كما بدت لي، بعد قراءة المتن الروائي مقحمة على الرواية، لا ترتبط بقصة يوسف الواردة في القرآن إلا بخيوط واهية. فهي ترتبط باسم يوسف، وهو في الحقيقة الاسم الداعشي لمحمد قبل أن يلتحق بتلك المنظمة الإرهابية. أما قميص يوسف النبي فيرتبط في الرواية بصورة نشرها محمد على الفيسبوك، وهو يحمل طفله، الذي يرتدي قميصًا فيه مربعات حمراء بإطار أبيض، وكتب على الصورة أنه يوسف، وتحت الصورة الآية القرآنية (( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا )) وأرسلت أخته ريمة الصورة بالفيسبوك إلى أبيها وعندما شاهدها الأب "ارتجف قلبه مثل طائر ذبيح، خفق بشدة، كتب باصابع مرتجفة:"إني لأجد ريح محمد لولا أن تكذبين" (ص228)
هذا ارتباط واه، لا يتجسد في أفعال حية تؤثر في بنية الرواية وجمالياتها، ولا يجعل من شخصية يوسف في الرواية تحاكي شخصية يوسف في القرآن الكريم، كما لا تجعل من والده الذي رأى صورة قميص على الفيسبوك يشبه النبي يعقوب عليه السلام، وهو يشتم رائحة ابنه يوسف في قميصه الذي جاء به إخوته.
إن هذا الترابط والتناص المقحمان على الرواية أضرا ببنيتيها: الفكرية والجمالية؛ فيوسف/محمد في الرواية فتى مراهق، عرف أن أمه غالينا تخون والده، وبقي على ألم نفسي حاد، لم يخبر أمه ولا أباه" أسر محمد الأمر في نفسه ولم يبده لأحد. لكن أشياء كثيرة تغيرت لديه، صار أكثر عصبية، خصوصًا مع أمه، تراجع في دراسته، وصار يفضل الخروج كثيرًا من المنزل، تعلم التدخين، تشاجر مع والده بسبب ذلك، وتعرض للضرب، إلى أن استسلم الأب"(ص22).
ثم ترك العائلة على هذه الحالة، وانضم إلى جماعة داعش الإرهابية، وفي أثناء إرهابه أحب زوجة قائده أبي عكرمة، ثم تزوجها بعد مقتله في غارة أمريكية، وينجب منها ابنًا ثم إن والده لم يحرك ساكنًا تجاه تصرفات زوجته، التي أغدقت عليه الفودكا؛ ليكون غائبًا عنها ومغيبًا عن كل شيء. وللمفارقه فإنه عند مقتلها يعود إلى موسكو؛ ليشارك في دفنها، ويكتفي ابنها بإرسال رسالة من هاتفه الخلوي إلى والده ومعها صورته، التي كتب تحتها:"أنا يوسف يا أبي!" (ص251)
ولعل في إنهاء الرواية بما بدأت به في عنوانها، وكذلك في تضمين قصيدة درويش، التي تحمل العنوان ذاته إلحاحًا على علاقتها الوثيقة بقصة يوسف؛ وفي ذلك ذهب بعض من تناولوها بالقراءة والدراسة من الأدباء والنقاد، ربما تحت وطأة هذا الإلحاح.
أما عتبة التقديم، فلا نرى فيها ما رأته الروائية سميحة خريس؛ فالرواية لا تتحدث عن ضياع الجيل وقلق الهوية والوجود. إنها رواية واقعية اجتماعية تتحدث عن تفكيك أسرة بسبب تفاوت الثقافات واختلاف البيئات؛ فالزوج عون عربي أردني، والزوجة غالينا يهودية روسية، لم يحبها أحد من عائلة زوجها حتى إن حماتها أقسمت ألا تدخل بيت ابنها طوال حياتها"بسبب غالينا التي لم ترحب بها مرة"(ص30)
كما أن ريمة ابنة الأسرة تتزوج من شاب غزي دون موافقة أسرتها. يظهر هذا في حديث الرواية عن الأب:" تذكر ابنته ريمة التي لا يتواصل معها كثيرا، فهي منذ أن تزوجت وخرجت غير راضية عن موقف أمها التي رفضت حضور حفل زفافها، لم تعد تتواصل إلا قليلًا مع أبيها أيضًا، تتصل في الأعياد. هو لا يلومها، إذ إنه بدوره يكون جافًا معها عندما تتصل، يبدو أنه هو الآخر لم يكن راضيًا بشكل أو بآخر عن زواجها، فهو أيضًا تفاجأ بالخطبة، وأنها كانت تعرف خطيبها، وربما كانت على علاقة معه"(ص77)
في الأردن لا يجد الزوج عملًا في وطنه فيعود إلى روسيا، وفيها يزداد تقكك الأسرة، الزوجة تخون زوجها مع صديق روسي، وتشلرك عشيقها في مشروع تجاري، وترقص معه في احتفال افتتاح المشروع بحضور زوجها وابنها.
لا يطيق محمد العيش مع والديه، فيلتتحق بداعش، ويتسمى يوسف. وتتطور الأحداث ويتواصل الثلاثة: ريمة، ويوسف، والأب من خلال صداقات على الفيسبوك، ولا يكشف يوسف عن هويته. ومن خلال هذه العلاقة الفيسبوكية يتأكد الوالد بأن يوسف هو ابنه محمد، ويتساءل عن أسباب اختفائه ثم ظهوره. وتستمر الكتابات والتعليقات بين الثلاثة حتى مقتل غالينا في قصف عشوائي اثناء وجودها في مدينة دونيستك لفتح فرع لعملها التجاري، ويُخبر الزوج بموتها صديقه الروسي فاديم، الذي يتعهد باحضارها الى روستوف لدفنها عند مجيئه. كما قررت ريمة ان تسافر مع ابيها لحضور الدفن، وتخبر يوسف بذلك على الماسنجر، ويتبين تأثره عندها يقطع التواصل بينهما. وفي النهاية بعد الدفن، يفاجا الأب بوصول رسالة من يوسف، يرفقها بصورة له ليؤكد أنه ابنه محمد.
كانت تلك أحداث الرواية. أين الجيل الضائع الذي يبحث عن الوجود والهوية والخلاص؟ ليس غير تحولات في سلوك الشخصيات وأفكارها وعواطفها، بعيدة عن الحقيقة الأدبية والواقعية؛ بما فيها من تسارع وافتعال وتشتت؛ لخضوعها إلى ما أراده المؤلف لا إلى ما تقتضيه الوقائع والشخصيات.
في النهاية نقول: إن العتبات النصية التي تضمنتها الرواية تضلل القارئ والناقد، ولا تساعد على تعميق الرؤية الفكرية أو الجمالية للرواية؛ كما أن الرواية لم توفق في تناصها مع قصة يوسف عليه السلام، ولم تكن ذات علاقة بقلق الجيل واغترابه وضياعه، بل بتفكك أسرة وضياع أفرادها في الأساس.