أ. د. ياس خضير البياتي - وداعاً عبد الرزاق العزاوي. عندما صمتت عصا المايسترو. موقع برقية

بدت بغداد في ذلك المساء الحزين ، كأنها تنصت إلى خبرٍ لا تريد تصديقه.
كانت الشوارع تمضي في عتمتها المعتادة، وكان دجلة يحمل أضواء المدينة على صفحةٍ مرتجفة، كأنه هو الآخر يشارك العراقيين حزنهم. لم يكن الغياب هذه المرة غياب إنسان فحسب، بل غياب نغمةٍ اعتادت البلاد أن تسمعها منذ عقود.
رحل المايسترو عبد الرزاق العزاوي.
وحين يرحل الموسيقي، لا يغيب جسده وحده؛ بل تغيب معه مقاماتٌ وأصوات، وذكرياتُ مسارح امتلأت بالموسيقى، ووجوهُ عازفين كانوا يجدون في إشارته طريقًا إلى الانسجام.
أما حين يرحل مايسترو العراق، فإن الوطن لا يفقد قائدًا لأوركسترا فحسب، بل يفقد واحدًا من أمناء ذاكرته الثقافية، ورجلًا حمل العراق في حقيبة النوتة، وفي خشب الكلارنيت، وفي الصمت الذي يسبق ولادة اللحن.



كان الرجل الذي ظل، طوال عمره، يحرس آخر نافذة للجمال في بلدٍ اعتاد أن يستيقظ على أصوات المدافع أكثر مما يستيقظ على أصوات الكمان.
كلما انكسر شيء في العراق، كان يؤمن أن الموسيقى قادرة على أن تجمع شظاياه. وحين كانت المدن تزدحم بالخوف، كانت القاعات الصغيرة تمتلئ بالعازفين.
كانوا يعزفون... وكأنهم يدافعون عن الوطن بالنغم. وكان هو يقف أمامهم، هادئًا، رافعًا عصاه، كأنها غصن زيتون في زمن البنادق.
ولد في الحلة عام 1947، المدينة التي عُرفت بتاريخها الثقافي والأدبي، لكن بغداد تبنّته، وتبنّته الموسيقى أكثر.
بدأت ميوله الأولى نحو الرسم عام 1959، لكن الموسيقى كانت أسرع إليه. التحق بمعهد الفنون الجميلة، واختار دراسة الموسيقى الغربية وآلة الكلارنيت، فوجد في صوتها مزيجًا من الحنين والانضباط؛ صوتًا يشبه العراق، يبتسم وفي داخله حزنٌ قديم.
كان يمكن لذلك الفتى أن يصبح رسامًا، فقد أحب الألوان أولًا، غير أن القدر دسّ في يديه آلة كلارنيت، ثم همس له: «ارسم هذه المرة بالصوت». ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف عن الرسم. كان يرسم وطنًا كاملًا... لكن بالألحان.
ولم يطل الوقت حتى أثبت حضوره، إذ أصبح وهو ما يزال طالبًا في الصف الثاني عازفًا في الفرقة السمفونية.
كان شابًا يراقب القائد والعازفين والآلات، ويؤمن أن أجمل لحظة في الحياة هي تلك التي يتحول فيها الصمت إلى موسيقى.
ذهب إلى لندن ليتعلم أسرار الموسيقى، وعاد إلى العراق ليعلّم الموسيقى كيف تتكلم باللهجة العراقية.
وحين وقف عام 1974 يقود الأوركسترا السمفونية الوطنية، لم يكن يرفع عصا قائد، بل كان يرفع حلمًا؛ حلم أن يكون للعراق مكانٌ يُعرف فيه بالفن، لا بالحروب.
وحلم كهذا يحتاج إلى عمرٍ كامل، وقد دفع عمره كله ثمنًا له.
وفي موسيقى الجيش العراقي ترك أثرًا لا يقل أهمية، إذ تدرج في مواقعها حتى تولى إدارة مدرسة الموسيقى العسكرية عام 1989، وعمل على تحديث مناهجها وأساليب التدريب فيها، وحرص على أن تكون مؤسسة تجمع بين الانضباط والإبداع.
وكان يردد أن سنواته في المدرسة العسكرية من أجمل سنوات عمره، لأنها لم تكن مجرد وظيفة، بل بيتًا خرّج أجيالًا من الموسيقيين.
وخلال سنوات الحصار، حين ضاقت الحياة بكل شيء، بقيت الفرقة السمفونية تقاوم.
كانت القاعات متواضعة، والإمكانات شحيحة، لكن الموسيقى ظلت تُعزف. وكان العزاوي يرى أن انهيار الفرقة ليس خسارة فنية فحسب، بل خسارة لذاكرة العراق كلها، لذلك ظل يدافع عنها، ويطالب بدعمها، وبالآلات، وبالمقر اللائق، وبالاهتمام الذي تستحقه.
ولم يقتصر عطاؤه على قيادة الأوركسترا، بل أسهم في إعداد البرامج الإذاعية والتلفزيونية، ووضع الموسيقى التصويرية لمسلسلات وأفلام عراقية، منها «الملك غازي»، و«حكاية المدن الثلاث»، و«افرض نفسك سعيدًا»، و«شمسنا لن تغيب».
كما ألّف ووزع أعمالًا موسيقية حملت عناوين بقيت شاهدة على حساسيته الفنية، مثل: «طوق الحمام»، و«طبول الحق»، و«ضجر»، و«الاحتفالية»، و«فالص أصوات في البرية».
وكان قادرًا على أن يمنح اللحن العراقي روحًا أوركسترالية من دون أن يفقد دفئه الشعبي أو هويته المحلية.
وتولى بعد عام 2003 رئاسة اتحاد الموسيقيين العراقيين، وكان عضوًا في نقابة الفنانين واللجنة الوطنية العراقية للموسيقى، وظل حاضرًا في كل مشروع يخدم الموسيقى العراقية.
ولأن شغفه بالفن لم يعرف حدودًا، درس الإخراج السينمائي في كلية الفنون الجميلة، ونال شهادة البكالوريوس عام 1999، وكأنه أراد أن يواصل رحلته من الصوت إلى الصورة، ومن النغمة إلى الضوء.
وكان من أكثر أحلامه قربًا إلى قلبه أن يرى دار أوبرا عراقية تحتضن الأوركسترا السمفونية الوطنية، حلمًا بسيطًا في كلماته، كبيرًا في معناه، ظل يرافقه حتى آخر أيامه.
أما أنا، فلم يكن عبد الرزاق العزاوي اسمًا عابرًا في ذاكرة الثقافة العراقية، بل عرفته عن قرب، وحضرت عددًا من حفلاته الموسيقية التي كانت تترك في النفس أثرًا لا يُنسى.
@وعندما كنت أترأس تحرير مجلة «فنون»، كنت أحرص مع زملائي على أن تحظى حفلاته وتجاربه الفنية بما تستحقه من اهتمام، وأن تُقدَّم للقارئ بأفضل صورة، إيمانًا بأن ما يقدمه كان جزءًا أصيلًا من ذاكرة العراق الفنية. لذلك بدا رحيله بالنسبة إليّ خسارةً شخصية، قبل أن يكون خسارةً للموسيقى العراقية.
وفي السادس من آب 2026، أسدل الستار على رحلة امتدت قرابة ثمانية عقود من العطاء. رحل العزاوي، لكن الذي غاب لم يكن رجلًا واحدًا، بل زمنًا كاملًا من الإخلاص للفن.
في ذلك اليوم، لم تنحنِ رؤوس العازفين وحدها؛ انحنت ذاكرة العراق. بدت الآلات وكأنها تبحث عن اليد التي كانت تعرف كيف تمنحها الحياة، وبقيت عصا القيادة معلقة في الذاكرة، تنتظر صاحبها الذي لن يعود.




لكن الموسيقى لا تموت برحيل أصحابها. ستظل كل مقطوعة قادها، وكل عازف علمه، وكل لحن كتبه، شاهدًا على رجلٍ عاش مؤمنًا بأن الفن يستطيع أن يحفظ ما تعجز السياسة عن حفظه، وأن النغمة الصادقة قد تكون أصدق من آلاف الخطب.
وداعًا عبد الرزاق العزاوي...
يا مايسترو العراق...
نم هادئًا.
فكلما ارتفعت نغمة في هذه البلاد...سيكون فيها شيء منك.
وكلما صمتت الأوركسترا لحظةً قبل البداية...سيظن العازفون أنك ما زلت هناك...واقفًا في مكانك القديم...
ترفع عصاك...
وتعيد للعراق إيقاع قلبه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...