اتفاقية مكة وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

اتفاقية مكة وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

هل تتجه المنطقة نحو استقلال استراتيجي عن المظلة الأمريكية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تأتي اتفاقية «مكة للدفاع المشترك» التي وقعتها المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً ودولياً، يجعل منها أكثر من مجرد اتفاق أمني بين ثلاث دول. فهي تأتي في لحظة تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط إعادة تعريف لمفاهيم الأمن والتحالف والردع، وفي ظل تراجع اليقين بشأن قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على حماية دول المنطقة من تداعيات الحروب والصراعات الإقليمية.

وتنبع أهمية الاتفاقية من طبيعة الدول الثلاث الموقعة عليها؛ فالسعودية تمثل ثقلاً سياسياً واقتصادياً ونفطياً ودينياً في العالمين العربي والإسلامي، وتركيا تمتلك قوة عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة ونفوذاً إقليمياً واسعاً، فيما تمثل باكستان دولة ذات قدرات عسكرية واستراتيجية كبيرة، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي.

ومن هنا فإن جمع هذه القدرات ضمن إطار دفاعي مشترك يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل منظومة الأمن الإقليمي.

ليست قطيعة مع واشنطن

من الخطأ الاستراتيجي التعامل مع اتفاقية مكة باعتبارها إعلاناً عن خروج السعودية أو تركيا أو باكستان من المظلة الأمريكية. فالعلاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تربط الدول الثلاث بالولايات المتحدة عميقة ومتشابكة، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، فيما ترتبط السعودية والولايات المتحدة بشراكات أمنية واقتصادية ممتدة، ولواشنطن علاقات تاريخية مع باكستان.

لكن الاتفاقية يمكن قراءتها في إطار مختلف هو تنويع الخيارات الأمنية وبناء قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

فالعالم يتجه بصورة متزايدة نحو تعدد الأقطاب، ولم تعد القوى الإقليمية تنظر إلى الاعتماد على قوة دولية واحدة باعتباره الخيار الوحيد المتاح. ولذلك فإن بناء شراكات أمنية إقليمية لا يعني بالضرورة القطيعة مع واشنطن، وإنما قد يعني امتلاك أوراق إضافية في إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا والقوى الإقليمية.

وبهذا المعنى فإن اتفاقية مكة قد تكون محاولة للانتقال من مفهوم «الحماية الخارجية» إلى مفهوم «القدرة الإقليمية على الردع».

هل الاتفاقية رد على ترامب؟

تزامن الاتفاقية مع مساعٍ أمريكية لتوسيع نطاق اتفاقيات أبراهام وإدخال دول إسلامية وعربية رئيسية في منظومة التطبيع والعلاقات الإقليمية الجديدة يمنح توقيتها دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دعا خلال الأشهر الماضية إلى توسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل دولاً بينها السعودية وتركيا وباكستان ودول عربية أخرى، في إطار رؤية أمريكية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

لكن من الأدق القول إن اتفاقية مكة ليست بالضرورة رداً مباشراً على ترامب، وإنما تعكس توجهاً إقليمياً أوسع يقوم على أن أمن المنطقة لا ينبغي أن يظل محكوماً بترتيبات تضعها القوى الكبرى وحدها.

فالرسالة السياسية الأهم قد تكون أن الدول الإسلامية الرئيسية تريد أن تكون شريكاً في صياغة النظام الإقليمي الجديد، لا مجرد طرف يتلقى ترتيباته.

من «أبراهام» إلى «مكة»

هنا تبرز واحدة من أهم المفارقات الاستراتيجية.

اتفاقيات أبراهام قامت على إدماج إسرائيل في شبكة من العلاقات العربية والإقليمية، وربط التطبيع بالتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني.

أما اتفاقية مكة فتقوم على فكرة مختلفة: تعزيز القدرة الدفاعية والتنسيق الأمني بين دول إسلامية رئيسية قبل أن يكون الأمن الإقليمي مرهوناً بعلاقات التطبيع مع إسرائيل.

وبالتالي فإن القضية ليست مجرد مقارنة بين اتفاقيتين، وإنما صراع أوسع على هندسة النظام الأمني في الشرق الأوسط.

هل يكون النظام الإقليمي المقبل منظومة مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل وتقوم على شبكة من التحالفات والتطبيع؟

أم يتجه إلى نظام متعدد المراكز، تمتلك فيه القوى الإقليمية الكبرى قدرة أكبر على اتخاذ قراراتها الأمنية والسياسية بصورة مستقلة؟

اتفاقية مكة لا تقدم حتى الآن إجابة نهائية عن هذا السؤال، لكنها تشير إلى أن الخيار الثاني بدأ يجد طريقه إلى التفكير الاستراتيجي الإقليمي.

هل نحن أمام «ناتو إسلامي»؟

وصف الاتفاقية بأنها «ناتو إسلامي» قد يكون جذاباً إعلامياً، لكنه سابق لأوانه.

فقيام تحالف عسكري متكامل يحتاج إلى مؤسسات دائمة وقيادة مشتركة وآليات واضحة لاتخاذ القرار والتخطيط العسكري وتبادل المعلومات وتحديد قواعد التدخل والالتزامات الدفاعية.

أما الاتفاقية الحالية، وبحسب ما أعلن عنها، فهي إطار دفاعي بين ثلاث دول.

كما أن تحويلها إلى تحالف مذهبي سيكون خطأً استراتيجياً، لأن ذلك سيعيد إنتاج الانقسام السني ـ الشيعي ويحوّل التنافس الجيوسياسي إلى مواجهة مذهبية، وهو ما لا يخدم مصالح دول المنطقة.

والأدق هو النظر إليها باعتبارها نواة محتملة لتعاون أمني إقليمي ذي ثقل إسلامي، يمكن أن يتوسع مستقبلاً إذا توافرت الظروف السياسية والمؤسسية لذلك.

السعودية هي مفتاح المعادلة

تبقى السعودية العامل الأكثر أهمية في تحديد مستقبل الاتفاقية.

فالمملكة تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وثقلاً اقتصادياً ونفوذاً سياسياً ودينياً لا يمكن تجاهله. وإذا نجحت الرياض في تحويل الاتفاقية إلى منصة تعاون أوسع، فإنها قد تتحول إلى أحد مراكز إعادة صياغة الأمن الإقليمي.

وفي المقابل، فإن استمرار الاتفاقية في إطارها الثلاثي سيجعل تأثيرها أكبر سياسياً من تأثيرها العسكري المباشر.

لكن أهمية الرياض لا تقتصر على البعد الأمني، بل ترتبط أيضاً بمسألة التطبيع مع إسرائيل.

فالسعودية تمثل بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة الحلقة الأكثر أهمية في استكمال مشروع اتفاقيات أبراهام. ولذلك فإن أي انتقال سعودي نحو منظومة أمنية إقليمية مستقلة سيمنح الرياض مساحة أكبر للمناورة والتفاوض، ويجعل التطبيع خياراً تفاوضياً لا نتيجة تلقائية لترتيبات الأمن الإقليمي.

تركيا وباكستان: إضافة نوعية

تمنح تركيا الاتفاقية بعداً عسكرياً وصناعياً وتكنولوجياً مهماً، خصوصاً في ظل التطور اللافت للصناعات الدفاعية التركية وقدرتها على إنتاج منظومات عسكرية متقدمة.

أما باكستان فتمنحها بعداً استراتيجياً مختلفاً، ليس فقط بسبب حجم قواتها المسلحة، وإنما أيضاً بسبب موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع الصين ودورها في جنوب آسيا وامتلاكها قدرات ردع استراتيجية.

أما اجتماع هذه القدرات مع الثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، فيشكل تركيبة غير مسبوقة في العلاقات الأمنية الإسلامية.

وهنا تكمن أهمية الاتفاقية: ثلاث دول متباعدة جغرافياً، لكنها تمتلك عناصر قوة متكاملة يمكن أن تتحول، إذا ما أحسن توظيفها، إلى شبكة ردع وتعاون ذات تأثير واسع.

كيف يمكن أن تنظر إسرائيل إلى الاتفاقية؟

ستراقب إسرائيل هذا التطور بحذر، خصوصاً إذا انتقلت الاتفاقية من إطارها الدفاعي الثلاثي إلى إطار أوسع.

فقيام منظومة تضم السعودية وتركيا وباكستان سيعني وجود كتلة تمتلك مزيجاً من المال والطاقة والقوة العسكرية والصناعات الدفاعية والقدرات الاستراتيجية.

ومن المرجح أن يكون الرد الإسرائيلي في المرحلة الأولى سياسياً ودبلوماسياً واستخبارياً، من خلال محاولة منع توسع هذه المنظومة وتحويلها إلى تحالف إقليمي متماسك، وتعزيز العلاقات مع الدول المنخرطة في اتفاقيات أبراهام، والدفع باتجاه المحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي بدعم أمريكي.

كما ستعمل إسرائيل على تعزيز حضورها في ترتيبات الأمن الإقليمي باعتبارها شريكاً تكنولوجياً وعسكرياً للولايات المتحدة وبعض دول المنطقة.

لكن إسرائيل تدرك في المقابل أن الدخول في مواجهة مباشرة مع منظومة تضم السعودية وتركيا وباكستان ليس خياراً سهلاً، ولذلك سيكون الاحتواء السياسي والدبلوماسي أكثر ترجيحاً من المواجهة المباشرة.

إيران ليست بالضرورة الهدف

ومن الخطأ أيضاً اختزال اتفاقية مكة في أنها تحالف ضد إيران.

صحيح أن أي منظومة دفاعية تضم السعودية وتركيا وباكستان ستؤثر على الحسابات الإيرانية، لكن السعودية اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى سياسة تقوم على الحوار وإدارة الخلاف مع طهران، وليس بالضرورة العودة إلى سياسة المواجهة المفتوحة.

لذلك يمكن النظر إلى الاتفاقية باعتبارها أداة ردع جماعي أكثر من كونها أداة حرب.

فالردع لا يعني الرغبة في المواجهة، بل يعني رفع كلفة الاعتداء ومنع الخصوم من الاعتقاد بأن أي دولة يمكن أن تكون هدفاً منفرداً.

وهذه نقطة مهمة في فهم فلسفة الاتفاقية.

ماذا تريد واشنطن؟

قد لا ترى الولايات المتحدة في الاتفاقية تهديداً مباشراً في حد ذاتها، ما دامت الدول الثلاث تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن ولا تحول الاتفاقية إلى تحالف معادٍ لها.

لكن التحدي الحقيقي بالنسبة للولايات المتحدة يبدأ إذا تحولت الاتفاقية إلى إطار لاتخاذ قرارات إقليمية مستقلة، بحيث تصبح الدول الثلاث قادرة على التنسيق في قضايا الأمن والطاقة والتسليح والتجارة والممرات البحرية بعيداً عن التأثير الأمريكي المباشر.

وهنا يصبح الصراع الحقيقي صراعاً على هامش القرار الاستراتيجي.

فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على دورها باعتبارها القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في أمن الشرق الأوسط، بينما تسعى القوى الإقليمية إلى زيادة قدرتها على اتخاذ القرار وعدم الاعتماد على طرف دولي واحد.

فلسطين والقدس في قلب الاختبار

بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن أهمية اتفاقية مكة تتوقف على كيفية توظيفها سياسياً.

فإذا تحولت الاتفاقية إلى إطار لحماية الدول الموقعة عليها فقط، فإن انعكاساتها على القضية الفلسطينية ستبقى محدودة.

أما إذا تطورت إلى منظومة تعاون عربي وإسلامي تستطيع استخدام ثقلها السياسي والاقتصادي والأمني في دعم الحقوق الفلسطينية، فإنها قد تصبح عاملاً مهماً في إعادة التوازن إلى المنطقة.

ومن هنا يمكن فهم ترحيب الرئاسة الفلسطينية بالاتفاقية، باعتبارها فرصة لتعزيز منظومة الأمن الجماعي العربي والإسلامي، بما يحمي دول المنطقة وشعوبها ومقدساتها ويدعم حق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

والحقيقة أن أي تصور للأمن الإقليمي سيبقى ناقصاً ما لم يتعامل مع أصل عدم الاستقرار، والمتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي وغياب الحل العادل للقضية الفلسطينية.

أربعة مسارات محتملة

المسار الأول يتمثل في بقاء الاتفاقية ضمن إطارها الدفاعي الثلاثي، وهو الاحتمال الأقل تأثيراً على بنية النظام الإقليمي.

المسار الثاني هو تطويرها إلى آلية مؤسسية للتنسيق العسكري وتبادل المعلومات والتدريب والتصنيع الدفاعي، وهو ما سيمنحها وزناً أكبر.

المسار الثالث يتمثل في توسيعها لتشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى، وعندها يمكن أن نكون أمام نشوء منظومة أمنية إقليمية جديدة.

أما المسار الرابع فيتمثل في نجاح الولايات المتحدة في استيعاب الاتفاقية ضمن منظومة التحالفات القائمة، بحيث تصبح مكملة للمظلة الأمريكية وليست بديلاً عنها.

والمرجح أن يتوقف المسار الذي ستسلكه الاتفاقية على قدرة الدول الثلاث على الانتقال من الإعلان السياسي إلى بناء المؤسسات والآليات التنفيذية.

الخلاصة

اتفاقية مكة لا تعني حتى الآن خروج السعودية أو تركيا أو باكستان من المظلة الأمريكية، ولا تمثل إعلاناً عن مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، كما أنها ليست «ناتو إسلامياً» بالمعنى العسكري التقليدي.

لكنها في الوقت نفسه ليست حدثاً بروتوكولياً.

إنها تعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي الإقليمي يقوم على تنويع التحالفات وتعزيز القدرة الذاتية وبناء مظلة ردع إقليمية.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الاتفاقية ليس: هل تتحدى أمريكا؟ ولا هل تستهدف إسرائيل؟ ولا هل تشكل محوراً سنياً؟

السؤال الأعمق هو:

من سيملك قرار الأمن في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة؟

فواشنطن تسعى إلى إعادة صياغة المنطقة عبر توسيع اتفاقيات أبراهام وإدماج إسرائيل في منظومة أمنية واقتصادية إقليمية، بينما تبدو دول إقليمية رئيسية راغبة في بناء قدرات وشراكات تمنحها هامشاً أوسع من الاستقلال في تحديد مصالحها الأمنية والسياسية.

وفي هذا السياق يمكن أن تكون اتفاقية مكة بداية لمسار جديد، عنوانه الاستقلال الاستراتيجي لا القطيعة، والردع لا الحرب، والتعاون الإقليمي لا الاصطفاف المذهبي.

أما الاختبار الحقيقي فسيكون في قدرة الدول الموقعة على تحويل الاتفاقية إلى مؤسسة فاعلة، وفي مدى اتساعها مستقبلاً، وفي قدرتها على تحقيق توازن بين علاقاتها الدولية ومصالحها الإقليمية.

وبالنسبة لفلسطين، فإن الرهان يجب أن يكون على تحويل أي إعادة تشكيل للأمن الإقليمي إلى قوة سياسية داعمة لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، لأن الأمن والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحققا مع استمرار الاحتلال وغياب العدالة.

اتفاقية مكة، بهذا المعنى، قد لا تكون إعلاناً عن ولادة نظام إقليمي جديد، لكنها بالتأكيد مؤشر على أن النظام القديم لم يعد قادراً وحده على الإجابة عن أسئلة الأمن والسيادة والردع في الشرق الأوسط.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...