لماذا لا نحلم ولو مرة واحدة بحزبٍ تصنعه الثقافة قبل أن تصنعه الحسابات الانتخابية؟ حزبٍ يولد من رحم الفكرة، لا من رحم التوازنات؛ من أسئلة الإنسان، لا من خرائط النفوذ؛ من أخلاق المسؤولية، لا من هندسة المصالح.
قد يبدو ذلك حلما، بل ضربا من المثالية في زمنٍ صارت فيه السياسة تُقاس بعدد المقاعد لا بعمق الأفكار. نعم، هو حلم، لكنه من الأحلام القليلة التي تستحق أن تُدافع عنها. وهو في تقديري، ليس أمنية فردية، بل توق دفين لدى كثير من أبناء هذا الوطن الذين أنهكتهم الرداءة، وأرهقهم مشهد سياسي استهلك اللغة حتى أفقدها معناها، واستنزف الثقة حتى لم يعد الناس يصدقون حتى الوعود الصادقة.
لقد تحول المثقف في الحياة الحزبية المغربية، إلى كائن فائض عن الحاجة. يُستدعى أحياناً لتزيين الندوات، أو لتجميل الخطاب، لكنه يُستبعد كلما تعلق الأمر بصناعة القرار أو رسم الاختيارات الكبرى. والإعلامي المستقل، والباحث، والفنان، والمفكر، جميعهم يقفون خارج أسوار السياسة، لا لأنهم اختاروا العزلة دائماً، بل لأن السياسة، في كثير من تجلياتها، هي التي أعلنت استغناءها عن الفكر.
يكفي أن نتأمل لوائح المرشحين، أو أن نقرأ البرامج الانتخابية المتعاقبة، لنكتشف أن الأفكار أصبحت آخر ما تحتاج إليه الأحزاب. تتكرر الشعارات، وتتناسخ الوعود، وتتبدل الوجوه، بينما تغيب الرؤية. كأن السياسة لم تعد إنتاجاً للمعنى، بل إدارةً للمصالح، ولم يعد الحزب فضاءً لتكوين الوعي، بل آلةً انتخابية تتحرك كلما اقترب موعد الاقتراع ثم تعود إلى صمتها الطويل.
وهنا تكمن المأساة. فالأمم لا تنهض عندما تكثر الأحزاب، وإنما عندما تستعيد السياسة علاقتها بالأخلاق، وبالمعرفة، وبالخيال الخلاق. فالثقافة ليست قطاعاً من قطاعات الدولة، بل هي البنية العميقة التي تمنح المجتمع قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المصلحة العامة والغنيمة، وبين رجل الدولة وتاجر الانتخابات.
ربما لهذا السبب يبدو الحديث عن "حزب ثقافي شعبي" أقل ارتباطاً بتأسيس تنظيم سياسي جديد، وأكثر اتصالاً بتأسيس وعي جديد. وعي يجعل الثقافة سلطة أخلاقية تراقب السياسة، لا تابعاً يطلب رضاها. وعي يعيد الاعتبار للمفكر باعتباره منتجاً للأفق، لا مجرد شاهد على انهياره. وعي يؤمن بأن تغيير المجتمع يبدأ بتغيير اللغة التي يفكر بها، والقيم التي يحتكم إليها، قبل أن يبدأ بتغيير الحكومات.
إن أخطر ما أصاب الحياة العامة ليس الفساد وحده، ولا الريع وحده، ولا ضعف النخب وحده؛ بل ذلك الانفصال العميق بين السياسة والثقافة. فمنذ أن فقدت السياسة ضميرها الثقافي، أصبحت أكثر قابلية لأن تتحول إلى إدارة للقوة بدل أن تكون بحثاً عن العدالة، وإلى سباق على المواقع بدل أن تكون مشروعاً لبناء الإنسان.
فما الذي يمنع إذن من أن نحلم؟ ليس بحزب ينافس الأحزاب، بل بثقافة تنافس الرداءة، وبضمير جماعي يعيد الاعتبار للفكرة، ويحرر المواطن من وهم المنقذ الفرد، ويزرع فيه يقيناً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن المجتمعات لا تنقذها كثرة السياسيين، وإنما تنقذها كثرة العقول الحرة. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا لم يعد: أي حزب سنختار؟ بل: أي ثقافة قادرة على أن تلد سياسة لا تخجل منها الأجيال القادمة؟
***
قد يبدو ذلك حلما، بل ضربا من المثالية في زمنٍ صارت فيه السياسة تُقاس بعدد المقاعد لا بعمق الأفكار. نعم، هو حلم، لكنه من الأحلام القليلة التي تستحق أن تُدافع عنها. وهو في تقديري، ليس أمنية فردية، بل توق دفين لدى كثير من أبناء هذا الوطن الذين أنهكتهم الرداءة، وأرهقهم مشهد سياسي استهلك اللغة حتى أفقدها معناها، واستنزف الثقة حتى لم يعد الناس يصدقون حتى الوعود الصادقة.
لقد تحول المثقف في الحياة الحزبية المغربية، إلى كائن فائض عن الحاجة. يُستدعى أحياناً لتزيين الندوات، أو لتجميل الخطاب، لكنه يُستبعد كلما تعلق الأمر بصناعة القرار أو رسم الاختيارات الكبرى. والإعلامي المستقل، والباحث، والفنان، والمفكر، جميعهم يقفون خارج أسوار السياسة، لا لأنهم اختاروا العزلة دائماً، بل لأن السياسة، في كثير من تجلياتها، هي التي أعلنت استغناءها عن الفكر.
يكفي أن نتأمل لوائح المرشحين، أو أن نقرأ البرامج الانتخابية المتعاقبة، لنكتشف أن الأفكار أصبحت آخر ما تحتاج إليه الأحزاب. تتكرر الشعارات، وتتناسخ الوعود، وتتبدل الوجوه، بينما تغيب الرؤية. كأن السياسة لم تعد إنتاجاً للمعنى، بل إدارةً للمصالح، ولم يعد الحزب فضاءً لتكوين الوعي، بل آلةً انتخابية تتحرك كلما اقترب موعد الاقتراع ثم تعود إلى صمتها الطويل.
وهنا تكمن المأساة. فالأمم لا تنهض عندما تكثر الأحزاب، وإنما عندما تستعيد السياسة علاقتها بالأخلاق، وبالمعرفة، وبالخيال الخلاق. فالثقافة ليست قطاعاً من قطاعات الدولة، بل هي البنية العميقة التي تمنح المجتمع قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المصلحة العامة والغنيمة، وبين رجل الدولة وتاجر الانتخابات.
ربما لهذا السبب يبدو الحديث عن "حزب ثقافي شعبي" أقل ارتباطاً بتأسيس تنظيم سياسي جديد، وأكثر اتصالاً بتأسيس وعي جديد. وعي يجعل الثقافة سلطة أخلاقية تراقب السياسة، لا تابعاً يطلب رضاها. وعي يعيد الاعتبار للمفكر باعتباره منتجاً للأفق، لا مجرد شاهد على انهياره. وعي يؤمن بأن تغيير المجتمع يبدأ بتغيير اللغة التي يفكر بها، والقيم التي يحتكم إليها، قبل أن يبدأ بتغيير الحكومات.
إن أخطر ما أصاب الحياة العامة ليس الفساد وحده، ولا الريع وحده، ولا ضعف النخب وحده؛ بل ذلك الانفصال العميق بين السياسة والثقافة. فمنذ أن فقدت السياسة ضميرها الثقافي، أصبحت أكثر قابلية لأن تتحول إلى إدارة للقوة بدل أن تكون بحثاً عن العدالة، وإلى سباق على المواقع بدل أن تكون مشروعاً لبناء الإنسان.
فما الذي يمنع إذن من أن نحلم؟ ليس بحزب ينافس الأحزاب، بل بثقافة تنافس الرداءة، وبضمير جماعي يعيد الاعتبار للفكرة، ويحرر المواطن من وهم المنقذ الفرد، ويزرع فيه يقيناً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن المجتمعات لا تنقذها كثرة السياسيين، وإنما تنقذها كثرة العقول الحرة. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا لم يعد: أي حزب سنختار؟ بل: أي ثقافة قادرة على أن تلد سياسة لا تخجل منها الأجيال القادمة؟
***