منال ياسين - عتبات الكتابة...

منذ فترة، حضرتُ أول لقاء لي مع نادي الأدب التابع لملتقى «شبابيك» الثقافي، الذي أنشأه الأديب والفنان المبدع مصطفى عواض.

كنت أظن أنني ذاهبة إلى لقاء أدبي أستمع فيه وأشارك بالحديث، فإذا بي أُفاجأ بأن ثمة فقرة مخصصة للسرد، وأن علينا أن نكتب في موضوع يُطرح علينا في اللحظة نفسها.

فقلتُ، بعفوية:

«يا ريتكم كنتوا قلتوا لي.. كنت جبت معايا ورقة وقلم أكتب فيها!»

فردّ عليّ أحد الحاضرين ببساطة:

«اكتبي على الموبايل!»

كانت جملة عابرة في ظاهرها، لكنها أحدثت في داخلي شيئًا يشبه الصدمة.

صحيح... كيف قلت ذلك؟

أنا التي أكتب على الهاتف كل يوم، وربما كل ساعة، وقد مضت سنوات منذ جلست إلى ورقة بيضاء وفي يدي قلم!

فما الذي دفعني، في تلك اللحظة تحديدًا، إلى أن أطلب ورقة وقلم؟

حين عدت إلى الموقف متأملة، أدركت أنني لم أكن أبحث عن أداة للكتابة، وإنما كان شيء أعمق في داخلي يستدعي «طقس الكتابة».

فالكتابة التي اعتدت عليها على الهاتف تبدأ عادةً من فكرة مكتملة الملامح أو في طريقها إلى الاكتمال؛ خاطرة تستوقفني، أو موقف يحركني، أو معنى أشعر بالحاجة إلى الإمساك به قبل أن يتبدد.

تأتي الفكرة أولًا... ثم تأتي الكتابة.

أما هذه المرة، فقد انقلب الأمر.

كان مطلوبًا مني أن أكتب الآن، في موضوع لم أتهيأ له، وأمام آخرين.

لم تكن هناك فكرة تنتظرني كي أدوّنها، بل كان عليّ أن أستخرج الفكرة من صمتها، وأن أستدعيها إلى الورق استدعاءً.

وهنا، من دون وعي، بحث عقلي عن الصورة القديمة التي ارتبطت في وجداني بفعل الكتابة:

ورقة... وقلم.

كأنني كنت أحتاج إلى الطقس قبل أن أحتاج إلى الكلمات.

فالورقة ليست مجرد مساحة بيضاء، والقلم ليس مجرد أداة تُرسم بها الحروف.

ثمة أشياء ترتبط في وعينا بالأفعال التي نمارسها، حتى تصبح جزءًا من طقوسها وذاكرتها.

وربما لهذا شعرت أن الورقة في تلك اللحظة لم تكن وسيلة للكتابة، وإنما كانت عتبة أعبر منها إلى حالة الكتابة.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في اللحظة التي أمسكت فيها القلم وبدأت أكتب.

نظرت إلى خطي...

وتوقفت.

خطّي لم يعد كما كان.

وقد يبدو الأمر بسيطًا أو طريفًا، لكنه بالنسبة لي لم يكن كذلك.

فأنا التي كنت أمتلك خطًا جميلًا، وكنت عضوة في جماعة الخط العربي، وتعلمت عددًا من الخطوط العربية، وكنت أبرع على وجه الخصوص في الخط الديواني، وشاركت في مسابقات، وكنت أعتز كثيرًا بجمال خطي.

فجأة وجدتني أسأل نفسي:

أين ذهبت تلك المهارة؟ هل ضاعت؟ أم أنها لم تضع، وإنما أنا التي هجرتها حتى كادت تختفي؟

وللمرة الأولى أدركت أن المهارة لا تحتاج إلى قرار كي تغادرنا؛ يكفي أن نهجرها طويلًا.

فاليد التي كانت تتدرب على الحروف، وتعرف مسافاتها وانحناءاتها وإيقاعها، اعتادت بدلًا من ذلك أن تضغط على لوحة مفاتيح.

والعين التي كانت تتأمل جمال السطر وتوازن الحروف، اعتادت أن تلاحق شاشة مضيئة.

وهنا لم يعد الأمر متعلقًا بجمال الخط وحده.

أدركت أنني فقدت، من حيث لا أشعر، ممارسة كانت تصل بين يدي وعقلي اتصالًا مباشرًا وحميمًا.

ومن هنا أخذت أفكر في أبنائنا.

نحن نعيش عصرًا لا يمكن ولا ينبغي أن ندير له ظهورنا... عصر التكنولوجيا.

والتكنولوجيا ليست عدوًا، بل هي واحدة من أعظم الأدوات التي صنعها الإنسان، وقد فتحت أمامنا أبوابًا هائلة للمعرفة والتواصل.

لكن المشكلة تبدأ حين نتصور أن التقدم يعني بالضرورة أن نتخلى عن كل ما سبق.

وحين نُسرع في إحلال الشاشات محل الكتاب الورقي في تعليم أطفالنا، علينا أن نسأل أنفسنا:

هل نحن نستبدل وسيلة بأخرى، أم نستبدل معها شيئًا من التجربة الإنسانية ذاتها؟

فالكتاب الورقي ليس مجرد وعاء للمعلومة.

إن له رائحة وملمسًا ووزنًا.

له صوت الصفحات حين تُقلب، وأثر الأصابع على حوافه، وذاكرة المكان الذي قرأناه فيه... وذكرى العلامات التي وضعناها على الهوامش.

والكتابة باليد ليست مجرد مهارة جمالية، وإنما خبرة حسية كاملة؛ يتحول فيها الفكر إلى حركة، والحركة إلى أثر، والأثر إلى شيء يمكن أن تراه العين وتلمسه اليد.

ولذلك لا أعتقد أننا مطالبون بالاختيار بين الورق والتكنولوجيا.

لسنا في معركة بين الماضي والمستقبل.

إنما نحن مطالبون بأن نعرف ما الذي ينبغي أن نحتفظ به ونحن نمضي إلى المستقبل.

فليست كل سرعة تقدمًا، وليست كل سهولة مكسبًا.

هناك أشياء تمنح الإنسان بطئها قيمة.

وهناك أشياء لا تُقاس بكفاءتها، وإنما بما تتركه في الروح.

وأنا، في ذلك اليوم، لم أكن أبحث عن ورقة وقلم كي أكتب...

كنت أبحث، من حيث لا أدري، عن جزء قديم مني.

ولكن حين أمسكت بالقلم اكتشفت أن خطي لم يعد كما كان.

وكان ذلك الاكتشاف أشد إيلامًا مما توقعت؛ لأنني لم أشعر أنني فقدت مجرد مهارة، بل شعرت أنني تركت خلفي، دون أن أنتبه، جزءًا من شخصيتي التي كنت أعرفها.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال الذي يشغلني:

أين ذهب خطي الجميل؟

بل أصبح:

كم من الأشياء الجميلة فينا تخفت حين نهجرها، وكم من أجزاء أرواحنا يمكن أن نفقدها دون أن نشعر، فقط لأننا لم نعد نمنحها الوقت الكافي لتظل حيّة؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...