غانية ملحيس - «الطوفان» بين الكتاب والقراءة: من انفتاح التاريخ إلى مسؤولية الفعل

لم تكن الجلسة الحوارية التي عقدتها الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة في عمّان، مساء الثامن من آب/أغسطس 2026، لمناقشة كتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» بأجزائه الثلاثة، مجرد مناسبة لإشهار كتاب، بقدر ما كانت فرصة لفتح حوار حول حدث ما يزال يتشكل في التاريخ، وحول الأسئلة التي أثارها، وما يمكن أن يترتب عليه فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا.

أتقدم بالشكر إلى الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة على احتضان هذا الحوار، وإلى معالي المهندس سمير حباشنة على رعايته للقاء، وإلى سعادة المهندس وديع أبو ارشيد على إدارته، وإلى الدكتور وليد عبد الحي والدكتور سمير أيوب على قراءتيهما النقديتين للكتاب، وإلى كل من حضر، وكل من شارك بمداخلة أو ملاحظة أو سؤال.
لكن القيمة الحقيقية للقاء، بالنسبة لي، لم تكن فيما قيل عن الكتاب فقط، بل في الأسئلة التي بقيت مفتوحة بعد انتهاء النقاش. ولعل السؤال الأهم كان: ماذا بعد أن انفتح التاريخ؟

الكتاب كما أردت أن يُقرأ
لم يكن «الطوفان» محاولة لتأريخ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتوثيقه، ولا ادعاء امتلاك الرواية الأخيرة لحدث ما تزال نتائجه وتداعياته تتشكل.
فالكتاب، بأجزائه الثلاثة، حصيلة متابعة متواصلة للحدث، وما سبقه من إرهاصات، وما تلاه من إبادة وحروب وتداعيات ما تزال تتواصل للعام الثالث على التوالي، عبر مئة وخمسة وستين مقالا كتبت على مدى أكثر من عامين.
وكان السؤال الذي يحرك هذه المقالات يتجاوز سؤال ماذا حدث إلى أسئلة أخرى: لماذا حدث؟ وما الذي كشفه الحدث؟ وما التحولات التي أحدثها؟ وهل يمكن النظر إليه بوصفه محطة فاصلة بين زمنين؟ وما الفرص التي فتحها، فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا؟
ومن هنا جاء عنوان الكتاب: «بداية تصويب اعوجاج التاريخ».
لم أقصد بالتاريخ ذاته أنه معوج، وإنما أعني السردية التي حكمت جانبا واسعا من كتابة التاريخ الحديث، حين أصبحت القوة مصدرا للشرعية، والغلبة معيارا للحقيقة، والاستعمار طريقا إلى الحضارة، وتحول الفلسطيني من صاحب قضية تحرر وطني إلى طرف مطلوب منه التكيف مع واقع فرضه ميزان القوة.
لهذا لم يكن «الطوفان» في الكتاب مجرد حدث عسكري أو أمني، وإنما لحظة كاشفة لأزمة تاريخية وسياسية ومعرفية وحضارية تراكمت عبر عقود.
وفي الوقت نفسه، لم يكن الدفاع عن حق الفلسطيني في المقاومة يعني إعفاء التجربة الفلسطينية من النقد، أو التعامل مع قرارات الفصائل وممارساتها بوصفها فوق المساءلة. فالتمييز ضروري بين الدفاع عن حق شعب واقع تحت استعمار استيطاني إحلالي وظيفي في مقاومة واقعه، وبين تقييم الخيارات والقرارات والنتائج. وهذا التمييز كان وما يزال أحد الأسئلة المركزية التي حاول الكتاب مقاربتها.

قراءتان للكتاب وأسئلة متعددة
كشفت الجلسة أن «الطوفان» لم يصل إلى قرائه بالطريقة نفسها، وأن قيمة النقاش لم تكن في الوصول إلى قراءة واحدة للكتاب، وإنما في تعدد الزوايا والأسئلة التي فتحها.
فقدمت الجلسة قراءتين أساسيتين للكتاب، للدكتور سمير أيوب وللدكتور وليد عبد الحي، ثم جاءت مداخلات عدد من المشاركين لتفتح أسئلة متعددة تتجاوز الكتاب نفسه إلى الحدث وسياقه ونتائجه وما يمكن أن يترتب عليه.

قرأ الدكتور وليد عبد الحي الكتاب من زاوية بنيته الفكرية والسياسية، وتوقف عند طبيعته بوصفه مجموعة مقالات كُتبت في سياق زمني متحرك، وما يترتب على ذلك من تكرار وتداخل بين بعض الموضوعات. كما توقف عند عدد من محاوره الأساسية: الإبادة الجماعية، والتحولات في الرأي العام العالمي، ونقد الخطاب والبنية السياسية الفلسطينية، والاستعمار الاستيطاني، ونقد الحداثة الغربية، والقضايا والمواقف الإقليمية والدولية.
وأثارت قراءته سؤالا مهما بالنسبة لي: هل يؤدي هذا الاتساع إلى تشتت الكتاب، أم أن وراء تنوع موضوعاته خيطا ناظما يتمثل في مفهوم التحرير بمعناه الأوسع: تحرير الأرض والإرادة والعقل واللغة والمعرفة؟

أما الدكتور سمير أيوب فقرأ الكتاب من زاوية أقرب إلى سؤال المقاومة والتحرير والنصر، وتوقف عند مبررات الطوفان ومعايير الحكم على نتائجه وكلفه. وكان مهما بالنسبة لي أن يلتقط في قراءته أن الكتاب لا يضع المقاومة في منطقة خارج النقد. فالإيمان بحق الفلسطيني في مقاومة الاحتلال لا يعني إعفاء التجربة الفلسطينية، بما فيها تجارب الفصائل، من التقييم والمراجعة. فالتمييز ضروري بين الدفاع عن حق شعب واقع تحت الاستعمار في المقاومة، وبين تقييم الخيارات والقرارات والممارسات والنتائج.
ورغم اختلاف منطلق القراءتين، فإنهما تلتقيان عند نقطة أساسية: أن «الطوفان» لا يقرأ الحدث بوصفه نهاية، وإنما بوصفه لحظة تفرض إعادة النظر في بنى وأفكار وخيارات سابقة.
ثم جاءت المداخلات لتفتح أسئلة متعددة. وسأتجاوز هنا المداخلات القيمة التي توافقت مع الكتاب وأشادت بالعمل، لأتوقف عند المداخلات التي تباينت مع بعض ما جاء في الكتاب أو وسعت أسئلته.
أثار الأستاذ محمد الشناق سؤالا حول ما إذا كان الكتاب قد تمحور حول الدفاع عن الطوفان أكثر مما ينبغي، ورأى أن الكتاب كان يحتاج إلى فصل مستقل للخلاصة والتوصيات.
وقد دفعت هذه الملاحظة إلى سؤال يتصل ببنية الكتاب نفسها: هل تكفي الخلاصات التي أشارت إليها المقدمة، والخلاصات التي تتوزع بين المقالات، أم أن المشروع يحتاج في مرحلة لاحقة إلى تركيب أكثر مباشرة يجمع نتائجه ويحولها إلى خلاصات وأسئلة وتوصيات واضحة؟
وجاءت مداخلة معالي المهندس سمير حباشنة لتشدد على خطورة استمرار الانقسام الفلسطيني، وعلى ضرورة استعادة الوحدة الوطنية. وقد رأيت في هذه المداخلة تأكيدا على سؤال يتجاوز الدعوة إلى الوحدة ذاتها: كيف يستطيع المسؤولون الفلسطينيون الارتقاء إلى مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني، والإفادة من التحولات التي أحدثها الطوفان؟
أما الأستاذ حمادة فراعنة، فقد قدم في مداخلته قراءة سياسية مركزة للكتاب، ثم وسّع هذه القراءة في مقاله المنشور في «الدستور» في اليوم التالي، حيث لم يتعامل مع «الطوفان» بوصفه مجرد مجموعة من المقالات أو قراءة للوقائع، وإنما قرأه بوصفه محاولة لتوظيف هذه الوقائع في تقديم رؤية للمستقبل. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها بالنسبة لي من كونها تكشف كيف يمكن أن يبدو الكتاب لقارئ سياسي عربي.
ولعل أهمية هذه القراءات لا تكمن في أن أحدها يمتلك الحقيقة الكاملة، وإنما في أنها تكشف أن الكتاب نفسه يتحرك بين أكثر من مستوى: فهو توثيق ومتابعة، وقراءة سياسية للصراع، ونقد للذات الفلسطينية والعربية، ومساءلة للنظام الدولي، ونقد للحداثة الغربية، ومراجعة لمعايير قياس النتائج، ومحاولة لإعادة تعريف معنى التحرير.
وهذا الاتساع هو في الوقت نفسه نقطة قوة، ونقطة تحتاج إلى اختبار.
فالمشروع الفكري الذي يريد أن يجمع كل هذه المستويات يحتاج، في مرحلته التالية، إلى مزيد من التركيب النظري، حتى تتحول الخيوط المتعددة إلى بناء أكثر إحكام.

من قراءة الكتاب إلى اختبار المشروع
لهذا لا أريد أن ينتهي النقاش حول «الطوفان» بالقول إنه كتاب مهم أو يستحق القراءة. فالقراءة، في تقديري، لا تكتمل بالاحتفاء بالكتاب، وإنما تبدأ حين يصبح الكتاب نفسه موضوعا للاختبار والنقد. والسؤال الذي يعنيني هو: ماذا أصاب الكتاب؟ وأين أخطأ؟ وما الذي أغفله؟ وأي مفاهيم تحتاج إلى تطوير؟ وأي الأسئلة التي طرحها ما تزال تحتاج إلى إجابات لم يقدمها بعد؟
وأعتقد أن النقد الذي ظهر في الجلسة يكشف بالفعل عن بعض نقاط الضعف التي تستحق التوقف عندها.
فالطبيعة الزمنية للمقالات أدت في بعض المواضع إلى التكرار والتداخل، واتساع الموضوعات جعل الحاجة أكبر إلى تركيب نظري يجمع الخيوط المختلفة في بناء أكثر إحكاما، كما أن غياب فصل ختامي يجمع الخلاصات والتوصيات يجعل بعض النتائج موزعة بين أجزاء الكتاب بدل أن تظهر في صورة تركيبية واضحة.
فالمشروع الفكري الذي يجمع التوثيق والمتابعة والقراءة السياسية والنقد المعرفي والنظر في التحولات الحضارية يحتاج، في مرحلته التالية، إلى مزيد من التركيب. وهنا أرى أن النقد لا يضعف المشروع، وإنما يساعد الكتاب على الانتقال من كونه كتابا إلى أن يصبح جزءا من مشروع فكري.
والكتاب الذي لا يسمح لنفسه بالنقد يتحول إلى رواية مغلقة، أما الكتاب الذي يقبل أن يصبح موضوعا للنقد، فيمكن أن يتحول إلى لبنة في مشروع أوسع من الكتاب نفسه.
كان السؤال الذي طرحه الكابتن الطيار وائل العبداللات حول توقيت الطوفان من أكثر الأسئلة حساسية وتداولا: هل كان ينبغي الانتظار حتى يتوحد الفلسطينيون، ويستعد العرب، وتصبح الظروف الإقليمية والدولية أكثر ملاءمة؟
أعتقد أن السؤال مشروع، بل يجب أن يظل مفتوحا؛ لأن القرارات التاريخية الكبرى لا ينبغي أن تتحول إلى مناطق محرمة على النقد. لكن التوقيت يمكن أن يُقرأ بعينين مختلفتين:
بعين الحاضر، وبعد ما تكشف من حجم الضحايا والكلفة الإنسانية الهائلة والدمار والتهجير، يمكن أن يبدو السؤال مشروعا: لماذا لم تنتظر المقاومة؟
أما بعين التاريخ، فيصبح السؤال مختلفا: ما الذي كان ينتظر الفلسطينيين لو استمر الانتظار؟
فالطوفان وقع في لحظة كانت القضية الفلسطينية تتعرض لتآكل متواصل في مركزيتها، والاستيطان يتوسع، ومشاريع التطبيع والاندماج الإقليمي تتقدم، والنموذج السياسي الفلسطيني القائم يزداد عجزا، فيما يجري التعامل مع القضية باعتبارها ملفا قابلا للإدارة، بدل كونها قضية تحرر وطني.
ومن هذه الزاوية، لم يكن الانتظار موقفا محايدا. كان الزمن نفسه يتحرك.
لا يعني ذلك أن كل الحسابات كانت صحيحة، أو أن كل النتائج كانت متوقعة، أو أن القرار لا يحتاج إلى مراجعة. لكنه يعني أن الحكم على التوقيت لا ينبغي أن يتم فقط من خلال النتائج التي نعرفها اليوم، بل أيضا من خلال السياق الذي اتخذ فيه القرار، والبدائل التي كانت متاحة في ذلك الوقت.
ولهذا أميل إلى الاعتقاد، بناء على التحليلات الواردة في المقالات، بأن تأجيل المواجهة لم يكن يحمل بالضرورة شروطا أفضل، وربما كان ينقل الصراع إلى سياق أكثر كلفة على الفلسطينيين والعرب. ويبقى السؤال مفتوحا: هل كان هناك أصلا توقيت قادم مضمون بأنه سيكون أفضل؟

من الحدث إلى الفرصة التاريخية
إذا كان سؤال التوقيت يعيدنا إلى لحظة اتخاذ القرار، فإن مداخلة معالي المهندس سمير حباشنة دفعت النقاش إلى اللحظة التي نحن فيها الآن.
فقد نبه بوضوح إلى خطورة استمرار الانقسام الفلسطيني، وإلى ضرورة استعادة الوحدة الوطنية.
وأرى أن هذه المداخلة أصابت جانبا جوهريا من السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده اليوم: ماذا نفعل بالفرصة التاريخية التي أتاحتها التحولات التي أحدثها الطوفان؟
وقد دفع الشعب الفلسطيني هذه الكلفة الباهظة، فكيف يمكن الارتقاء فلسطينيا وعربيا إلى مستوى هذه التضحيات الجسيمة، والإفادة من التحولات البنيوية التي أحدثها الطوفان؟
فإذا كان الطوفان قد فتح التاريخ، فإن استمرار الانقسام الفلسطيني قد يحول دون دخول الفلسطينيين في التاريخ الذي انفتح رغم كل هذه التضحيات.
ومن هنا ينتقل السؤال من تقييم الحدث إلى مسؤولية التعامل مع ما فتحه من إمكانات، وما وفره من فرص غير مسبوقة.

ماذا بعد أن انفتح التاريخ؟
وهذا هو السؤال الأهم الذي خرجت به من اللقاء.
لقد كان «الطوفان» محاولة لقراءة لحظة انفتح فيها التاريخ الفلسطيني والعربي والإقليمي على احتمالات جديدة. لكن التاريخ لا يتغير بمجرد أن ينفتح، والفرص التاريخية لا تتحول تلقائيا إلى إنجازات. فالفرصة التاريخية تحتاج إلى حامل سياسي.
إذا كان الطوفان قد أعاد فلسطين إلى مركز المشهد، فإن المسؤولية اليوم هي منع عودتها إلى الهامش.
وإذا كان قد كشف حدود القوة الإسرائيلية، فإن المطلوب إعادة بناء مفهوم فلسطيني للقوة يتجاوز البعد العسكري إلى القوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعرفية.
وإذا كان قد كشف هشاشة المواقف العربية والإسلامية، فإن المسؤولية تحتم تنقية الوعي مما علق به من شوائب تحت ضغط الاستشراق والتغريب الذي أصاب الأمة، وإعادة وصل الوعي بالتاريخ والحضارة.
وإذا كان قد كشف تناقضات النظام الدولي، فإن المطلوب بناء قدرة فلسطينية وعربية على التعامل مع هذا النظام من موقع الفعل، لا موقع انتظار الاعتراف.
وإذا كان قد أعاد الاعتبار إلى المقاومة، فإن المطلوب وصل المقاومة بالمشروع الوطني، وبالسياسة، وبإعادة بناء الحامل الوطني.
وإذا كان قد كشف أزمة النموذج الفلسطيني القائم، فإن المطلوب ليس مجرد إصلاح جزئي داخل النموذج نفسه، وإنما التفكير في نموذج سياسي جديد.
ومن هنا تصبح الوحدة الفلسطينية شرطا تأسيسيا، لا مجرد مطلب أخلاقي أو شعار وطني. فلا يمكن تحويل لحظة تاريخية إلى مشروع وطني في ظل انقسام يستنزف القدرة على الفعل.
ولا يمكن توظيف التحولات البنيوية التي أحدثها الطوفان من دون رؤية شاملة قادرة على قراءتها وتوظيفها.
ولا يمكن بناء مشروع تحرري جديد بالعودة إلى الأدوات والمفاهيم التي أنتجت الأزمة نفسها.
ومن هنا تزداد إلحاحية التأسيس فلسطينيا لمشروع وطني تحرري جديد، قادر على قراءة التحولات الجيوسياسية والجيوستراتيجية وتوظيفها، بدل الاكتفاء بانتظار نتائجها.

من الطوفان إلى المشروع
لهذا السبب لا أتعامل مع «الطوفان» بوصفه نهاية مشروع فكري، وإنما بوصفه بداية مرحلة جديدة فيه. كان السؤال الأول:
ماذا كشف الحدث؟ ثم جاء السؤال التالي:
لماذا وصلنا إلى هذه الفجوة بين سرعة التحولات التاريخية وبطء القدرة السياسية الفلسطينية على الاستجابة لها؟
وهو السؤال الذي حاول كتاب «فجوة الزمن السياسي: فلسطين بين استعمار يتقدم وبنية تتكلس وإعادة تعريف الممكن» مقاربته.
ثم ظهر سؤال أعمق حول ما كشفته حرب غزة عن النظام الحضاري الذي أنتج هذه اللحظة، وهو ما حاول كتاب «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني» فتحه: ماذا تكشف غزة عن منظومة القوة والمعرفة والأخلاق التي حكمت العالم الحديث؟ وما أفق الفعل الفلسطيني في مواجهتها؟
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الكتب الثلاثة باعتبارها حلقات في مسار فكري واحد:
الطوفان يفتح التاريخ؛
فجوة الزمن السياسي تسائل العجز عن الفعل؛
وإبادة غزة تسائل البنية الحضارية التي تنتج هذا الواقع، وأفق الفعل الفلسطيني في مواجهتها.
وهذا المسار ليس مكتملا، ولا ينبغي له أن يكون كذلك. فقيمة المشروع الفكري ليست في إغلاق الأسئلة، وإنما في فتحها على نقاش أوسع يشارك فيه آخرون.

تصويب اعوجاج التاريخ: من الصمود إلى الفعل
حين اخترت عنوان «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ»، لم أقصد أن حدثا واحدا يستطيع تصحيح تاريخ طويل من الظلم. فالطوفان لا يستطيع وحده أن يصحح التاريخ.
لكنه يستطيع أن يكشف أن الرواية التي بدت نهائية ليست نهائية، وأن موازين القوة ليست ثابتة، وأن الشعوب تستطيع أن تعيد فتح الممكن حتى في أكثر اللحظات انغلاقا.
لكن فتح التاريخ شيء، وتصويب مساره شيء آخر.
تصويب اعوجاج التاريخ يحتاج إلى تحويل الصمود إلى وعي، والوعي إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى حامل سياسي، والحامل السياسي إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة مستمرة على الفعل.
وهنا يصبح السؤال الفلسطيني أكبر من الطوفان نفسه:
هل نستطيع أن نبني على ما أنجزه الصمود بدل أن نكتفي بالاحتفاء به؟
هل نستطيع أن نستعيد الوحدة؟
هل نستطيع أن نعيد بناء الحامل الوطني؟
هل نستطيع أن نوظف التحولات الجيوسياسية والجيوستراتيجية بدل أن ننتظر نتائجها؟
هل نستطيع أن ننتقل من إدارة الأزمة إلى بناء مشروع تحرري جديد؟
وما مرتكزات هذا المشروع، وما مستلزماته وشروط تحقيقه؟
وهل نستطيع أن نحول انفتاح التاريخ إلى تحول تاريخي فعلي؟
هذه، بالنسبة لي، هي القيمة التي أريد أن يبقى «الطوفان» مفتوحا عليها.
فقد فتح الطوفان بابا. لكنه لم يكتب الصفحة التالية.
الصفحة التالية مسؤوليتنا جميعا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...